»القسم 14» للروائي الفلسطيني عبّاد يحي بؤرة حمراء في جُغرافيا التبعيّة

0xa406d1cba4e41bb0bb0a163918616742

»القسم 14» للروائي الفلسطيني عبّاد يحي..بؤرة حمراء في جُغرافيا التبعيّة

»القسم 14» للروائي الفلسطيني عبّاد يحي..بؤرة حمراء في جُغرافيا التبعيّة

درجت عناوينُ كثيرة في الكتابة الأدبيّة الحديثة على الاختزال والتكثيف، بانتباهٍ يقوم على استثمار مفردة واحدة تفضي إلى الأبواب الرؤيويّة للنصّ على اختلاف أساليبه الفنيّة، وتشكيلاته الجُوّانية. في هذا السياق، يطرح صاحب «رام الله الشقراء»، الروائي الفلسطينيّ عبّاد يحيى، عمله الجديد، القسم 14، بعنوان مركّب، منطلقاً من مفتاحيّة المفردة، وارتباطها، على نحو لافت، بدلالة عدديّة تُحيل إلى مشهديّة المكان في ذهن القارئ.
الاسم الذي جاء بطابع الإملاء، كاقتراحٍ من الضابط الأمريكيّ الواثق على العقيد الوطنيّ المتوجّس، يدور بالرواية من خلال رصد مبنيّ على ذخيرة معرفية واسعة، ومعالجاتٍ تتأرجح بين ثلاثية الاستلاب والخضوع والتغريب، بحبكة ذكيّة، ولغة متماسكةٍ قويّة، يتخللها شيء من المواربة والتصوير.
وبالنظر إلى غلاف الرواية (لوحة الفنانة شادي غاديريان)، تظهر صُورة البسطار العسكريّ المهترئ؛ المُلطّخ بخيط من الدمّ عند مقدّمته، والمُحاذي لحذاء نسائيّ أحمر اللون، وبكعبٍ عالٍ، كما لو أنّها حواريّة بين محنة الحرب ومنحةِ اللهو التي هي موضوع هذا القسم الإشكاليّ الذي يتخذ من الدعارة وامتدادها الاجتماعي والاقتصاديّ، أسلوباً منهجيّاً ومدروساً تتلطّى به الدولة الكبرى في هذا العالم لتقديم الشكر لجنودها المقيمين في قواعدها المتقدّمة.
ومن هنا، تنسحب الكتلة الروائيّة عند يحيى من هذه الأجواء إلى مراكز اجتذاب الأنا والآخر، في حضور ضبابيّ لامرأة من زمن البدايات والخراب (الحبيبة)، وامرأة أخرى من زمن النهايات والعائلة (الزوجة). العقيد هو محور هذه الكتلة، في مجمل الأحداث، إذ يظهر بوصفه بطلاً ثانوياً لصالح البطل الكبير (المكان/القسم 14)، والذي يخوض فيه صراعاً داخلياً عنوانهُ الماضي والحاضر، العسكر والأمن، الكتمان والفضيحة. مع فيض وارف من الذكريات، والآمال العاجلة بالتقاعد والخلاص.
« كان الماضي المشرّف يُستدعى كشفيع أمام الحاضر البائس، وكل ذلك في عقل العقيد الذي لا يهدأ. وكم عزّ في تلك الأيام رفيق أو صديق أو زوجة أو عشيقة يحدِّثها بكل هواجسه، وحين يبلغ به الجهد والكدر كل مبلغ، يرتمي ليستجدي ذكرى حبيبة البناية المدمَّرة زمن الحرب.» ص75. وانطلاقاً من مقولة «بنتاليون بانتوخا» التي يدرجها يحيى في الصفحات الأولى: «إنني بحاجة إلى من يوجّهون لي الأوامر، فمن دونهم لا أدري ماذا عليّ أن أفعل، وينهار العالم من حولي.» تبدأ التبعيّة كموضوع كلّي، عام، مشفوعة بقائمة من التعليمات التي تظهر تباعاً مع بداية كل فصل.
خمسة عشر فصلاً، في مئة وستين صفحة من القطع المتوسّط، يحضر فيها الجنس باعتباره طاقة مُكمّمة، عبر أيقونات من الوعي الإنسانيّ اللافت اتجاهها، في أجواء عسكريّة محمولة على التوصيف الدقيق والسرد الممتع. وبين النفي والإثبات، تترنّح الهواجس المتولّدة، لدى العقيد، إلى أن تتكشّف أمام المقدّم (الشخصية التي تُوكل إليها مهام إدارية في القسم)، حيث يحرص كلاهما، في حواريّة هامّة، على التماسك والفهم، في سياق تبريريّ يُحيل إلى انفصامٍ في التنميط، وشعاراتيّة قديمة من قبيل «مصلحة الوطن العليا»، ولَبوسٍ فضفاض تبدو فيه مناطق الهيمنة والغزو متعدّدة، وقابلة للمقاربة والتعميم، كما يبدو فيه الزمن متوالداً، ومتقاطعاً مع منظومة قيميّة تحظر استدخال المجتمعات والحواضن الطارئة إلى مُحيطها، ممّا يجعل الرواية بؤرة حمراء في جغرافيا التبعيّة.
يُضاف إلى ذلك كلّه، أشكالٌ من التجاور في معمار النص بين التقرير والبحث عبر سلسلة كبيرة من الهوامش المبثوثة بين الفصول التي تنتهي بحلقة من التدوير الموضوعيّ من خلال إشارة أخيرة جاءت بعنوان «أول الأمر». هي إحالة، ربما، إلى وظيفة الرواية، وكَسْرٌ أليف للبنية التقليديّة، ونفاذٌ متبصّر لمصلحة المعرفة والتجريب خارج الأطر الجاهزة.
كاتب فلسطيني
علي أبوعجميّة