حكاية الشاعر محمد النبهان

0xbf4ec6d0670e792714d25605542c21dd

حكاية الشاعر محمد النبهان

حكاية الشاعر محمد النبهان

‘أنت الهارب من أمسك وخياراتك الضيقة/ واحتمالات النهاية: طلقة طائشة، عضّة كلب، رصاصة متعمّدة، مقصّ الشّجر المركون في زاوية الحديقة، حادث سير، سكتة قلبية في/ الحديقة المجاورة، جرح عاطفتك الأخير.. أنت/ المتثاقل، النزق، العصبيّ، الشّفاف، الميّت، الحيّ، الوحيد، المتوحد، المتوحّش، الفطن، القاسي، المغامر، المكابر، البريء، الكتوم، الثرثار، المهمل، المهمِل، الفوضويّ، المزيّف، المنتحل، المسافر، اللاهي، البعيد، الأقرب من ذاكرة، والأبعد من شارع ريفيّ، أيها النائي، المتذمر، ابن المجازات والمتناقضات والأرصفة’.
ثمّة وثيقة يقدّمها الشاعر محمد النبهان في كتابه ‘حكاية الرّجل العجوز′ دار مسعى- البحرين، وثمّة كتابة ضمنية لسيرة ذاتية يدونها في الكتاب ومزج الحدث الدّرامي بالتخييل الشعري والفني.
استهلّ النبهان الكتاب بنص ‘أغنية أولى’ وهيّأه ليكون لحمة النص ‘الحكاية’ وهكذا مهّد للقارئ الدخول في نسيج حكايته ‘النص’، غير أن النبهان لم يعتمد في كتابه صرامة البناء الدّرامي رغم ما حمله عنوان الكتاب من دلالة واضحة على أنّ ثمة سرد درامي قائم سيعتمده الشاعر في بناء نصّه وسيكون أقرب إلى الشعر القصصي بل من خلال ذكاء شعري استطاع أن يحوّل معادلة السّرد التي تعتمد على التسلسل واتخاذ نمط تتعاقب وتتوالى فيها الأحداث بشكل تراتبي على أن ألاّ يكون هناك ارتداد لزمن معيّن خاصة في السّرد المعتمد لكتابة سيرة ذاتية ما إلى بناء متداخل حدّد فيها الزّمن ‘حقبة الغزو وما ترتب عليها فيما بعد’ والتي تعتبر منعطفاً مهمّاً غيّر حياة النبهان كليّاً.
تماماً كما جاء البناء الدائري في ‘الرجل العجوز′ الذي يعتمد التكرار الدّائري ويأتي ضمن الموازنة في بنية النص، انعطافة شعريّة ذكيّة أعطت النص جمالية من نوع آخر، وقد تعمّد الشاعر أن يكون هناك تكرار لألفاظ معينة ضمن مسافات زمنية قصيرة:
‘غرفة النّوم، السّقف، المعيشة، النّوم، غرفة الأولاد، النّوم، المطبخ، المعيشة، السّقف، الخزانة، المطبخ، الرّواق، النّوم، الحمّام، الحمّام الآخر، الرّواق، الحائط الذي لا تطليه، السّقف، المعيشة، النّوم، المطبخ، الشرفة، الشارع.. الشارع.. لا أحد’.
لا يقدّم النبهان في ‘الرّجل العجوز′ شعر يُدهش ب ‘الصدمة اللّفظية’ بل يُدهش بما يولده من محاورة داخلية عبر دينامية التوليد وعمق الايحاء وطزاجة الصور الشعرية:
‘آخر مرّة سدّدت فيها رميةً بقدمك كانت قبل الحرب بعام واحد./ حين كسرت ساقك، وتركت لأصابعك الطّويلة أن تلعب بالكلمات وبالحظِّ..’.
من المهم أن نلقي الضّوء على الفراغ اللافت الذي استخدمه محمد النبهان في كتابه، هذه التقنية التي تدل على وعي عال جدّاً بالشّعر وأدواته الخاصّة، فالفراغ في النص الشعري ليس تكويناً خارجيّاً وخارجاً عن الشعر بل هو مكمّل للبناء الكلي للنّص، وقد جاء مكمّلاً لحكاية النبهان الذي وظّفها بشكلها المناسب جدّاً في النص، وجاء الفراغ ضمن سياقه الكلي وعبّر عن دلالات كامنة داخل النّص، ونرى ذلك في ص20 و36 و49و 51 و61 ونلاحظ في ص32 لا يكتب سوى كلمتين ‘البيت والغياب’ وبين البيت والغياب فراغ يحصر معاناة بأكملها.
والبيت العنصر الأهم في الكتاب الذي يمثّل الوطن والاستقرار والشكل الصحيح لمعيشة طبيعية لدى أي شخص، البيت الذي لم يعرف محمد النبهان ما شكله وكيف يمكن لحياته أن تكون في البيت المفترض، هل ستكون حياة كأي حياة يعيشها من له بيت؟ أم ستختلف كما اختلفت حياته برمّتها وهو ينتقل من بلد إلى آخر حتى التبس عليه معنى أن يكون للإنسان بيت!!
إضافة إلى الهوامش التي جاءت على شاكلة نصوص تكمل الحكاية وأعتقد أنّ أي قارئ ل’الرّجل العجوز′ كان يتمنى أن يكون في كل صفحة هامش:
‘الطائر الأصلع المتباهي بجناحيه/ الطائر الذي جناحاه من شمس وغبار/ يلتفّ على البحر، وعلى السفينة/ مانعاً ماءه/ مائعاً، رخواً/ ومغروراً بريش حبره المستعار!’.
هكذا قدّم لنا الشاعر محمد النبهان صورة جديدة للكتابة عن السيرة أو جزء من سيرة إن صحّ التعبير والتي لم تأت عبر منطقية معينة ولم يتّخذ فيها الشكل التقليدي في الكتابة لذا جاء ‘الرّجل العجوز′ بشكله المدهش.