ذاكرة المشاعر

ذاكرة المشاعر
ذاكرة المشاعر

للمشاعر ذاكرة كذاكرة العقل، وإن كانت أدنى منها كثيرا، فهي لا تلبث أن تهن بفعلالزمان، وأما ذاكرة العقل فهي على جانب عظيم من الثبات عندما يستعان بها، حتى إن آثارا كبيرة ككتب الهندوس المقدسة المسماة (ڤيدا), وأغاني (هوميروس), انتقلت إلينا جيلا بعد جيل عن طريق ذاكرة العقل، وقد كان طلاب العلم في القرن الثالث عشر -حيث كانت الكتب نادرة ثمينة – يحفظون عن ظهر القلب ما يملى عليهم من الدروس.

قال (أتكينسون),”إن كتب الصين التقليدية لو محقت في هذه الأيام لاستطاع أكثر منمليون صيني أن يجمعوها بفضل ذاكرتهم”.ولو كانت ذاكرة المشاعر كذاكرة العقل ثباتا، لجعل ما نحفظه من آلام حياتنا لاتطاق، غير أنه يعترض على عدم رسوخ ذاكرة المشاعر بدوام أحقاد الطبقات والشعوب دواما مستمرا مع تعاقب السنين، نجيب عن هذا الاعتراض قائلين: إن ذلك الاستمرارالظاهري لم ينشأ إلا عن علل واحدة تكررت تكرارا متصلا  . حقا إن الحقد إذا لمينبه لا يدوم أبدا، فلولا الصحف الألمانية التي كانت توقد نار الحقد في قلوب الألمانضد الإفرنسيين إيقادا غير منقطع لزال ذلك الحقد، وإذا بقي الكره يغلي في صدورالهولنديين للإنكليز الذين سلبوهم في الماضي مستعمراتهم؛ فذلك لأن حوادث كثيرة كحربالترنسفال أحيت ذلك الكره، ولأن هولندا تعتقد على الدوام أن إنكلترا تهددها، وتثبتالمحالفة الروسية والائتلاف الفرنسوي الإنكليزي كيف أن شعوبا متعادية في الماضي لاتلبث أن تنسى أحقادها إذا لم تحافظ عليها، وأغرب ما في ذلك هو أن إنكلترا أصبحتصديقتنا في وقت غير بعيد من حدوث مذلة (فاشودا). يوضح المبدأ القائل بقلة استمرار ذاكرة المشاعر كثيرا من الحوادث الماسة لحياةالشعوب، فيجب ألا يعتمد على شكرها، كما أنه يقتضي أن لا ي  فزع من حقدها.

 

m2pack.biz