إجراءات التحكيم الجزء التاسع

إجراءات التحكيم الجزء التاسع

إجراءات التحكيم الجزء التاسع

إجراءات التحكيم الجزء التاسع
إجراءات التحكيم الجزء التاسع

القسم الثالث : بطلان قرار التحكيم :

صحيح أن طرق المراجعة المباشرة أو غير المباشرة ضد الأحكام التحكيمية مضرة بفاعلية التحكيم طالما كان هناك تعسف في استعمال طرق المراجعة هذه ، لهذا فإن نظاماً لطرق المراجعة محدد وواضح وضيق على قدر الإمكان ، يساهم في استقرار التحكيم وتدعيمه والاطمئنان إليه . من هنا الاتجاه يصبح أكيداً أكثر نحو تنفيذ الأحكام التحكيمية طوعاً من أطراف النزاع ، حين يدركون أن طرق المراجعة المتاحة لهم لا مكان فيها للمناورات التي ترمي إلى الممطالة والتسويف ليس إلا .

وقبل أن نتعرض لطرق المراجعة ضد الحكم التحكيمي الدولي في القوانين الحديثة وفي اتفاقيات التحكيم الدولية والإقليمية لابد من الإشارة إلى أن طلب الإبطال المستند لسبب من الأسباب التي تنص عليها القوانين الحديثة والاتفاقيات التحكيمية الدولية ، هذا الطلب لا يقبل إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط وهي :

  • أن يكون طالب إبطال الحكم التحكيمي قد أثار سبب الإبطال سابقاً أمام المحكمة التحكيمية قبل إثارته أمام المحكمة القضائية كسبب للبطلان .
  • أن يكون موضوع الطعن قد ألحق ضرراً بطالب الطعن .
  • أن يقدم الطلب ضمن المهلة .

1 ) يجب إثارة موضوع الطعن أمام المحكمة التحكيمية أولاً :

حتى يكون طلب المراجعة ضد الحكم التحكيمي مقبولاً أمام القضاء ، فإنه يجب أن يكون موضوع الطعن قد أثير سابقاً أمام المحكمة التحكيمية . على سبيل المثال ، إذا قدم الطعن بالحكم التحكيمي لعدم الاختصاص ولم يكن الطرف طالب الطعن قد اعترض أمام المحكمة التحكيمية على اختصاصها فإن طلبه لا يكون مقبولاً . هذا المبدأ كرسه الاجتهاد الفرنسي والاجتهاد السويسري اللذان اعتبرا أن الذي يسكت عن مخالفة أمام المحكمين ثم حين يصدر الحكم ويخسره يعود فيثيرها ، لا يكون ملتزماً بمقتضيات حسن النية في إجراءات المحاكمة . وكذلك في القانون المقارن ، فقواعد تحكيم الأونسيترال تنص على أن ” الطرف الذي يعلم أن حكماً من أحكام هذه القواعد أو شرطاً من شروطها قد تمت مخالفتها ويستمر مع ذلك في التحكيم دون أن يبادر إلى الاعتراض على هذه المخالفة يعتبر أنه قد تنازل عن حقه في الاعتراض ” .

وقد اعتبر الاجتهاد الفرنسي في حكم أصدرته محكمة النقض الفرنسية في 21/11/2001 أن مشاركة طرف في التحكيم بدون تحفظ يساوي تنازلاً من قبله عن إثارة سبب لإبطال الحكم التحكيمي لم تجر إثارته خلال المحاكمة التحكيمية .

كذلك اعتبر الاجتهاد الفرنسي في حكم أصدرته محكمة استئناف باريس في 3/6/2004 أن الطرف الذي لم ينازع بالاختصاص أمام المحكمة التحكيمية لتبت به ، فإن طلب إبطال الحكم التحكيمي على هذا الأساس لا يعود مقبولاً .

كذلك اعتبر الاجتهاد الفرنسي في حكم أصدرته محكمة النقض أن شرط قبول التظلم أمام القضاء من حكم تحكيمي أن يكون هذا التظلم قد عرض على المحكم ، فإذا امتنع طرف من عرضه على المحكم فقد حقه بإثارته كسبب لإبطال الحكم التحكيمي ويصبح الطلب الذي يقوم على هذا التظلم غير مقبول أمام المحكمة القضائية .

إلا أن المخالفة التي لا تظهر إلا بعد صدور الحكم التحكيمي ، لا ينطبق عليها هذا المبدأ . على سبيل المثال إذا اكتشف طرف بعد صدور الحكم التحكيمي أن مستنداً أساسياً لم يبلغ إليه ولا علم له بشأنه فإن طعنه يكون بطبيعة الحال مقبولاً ولو لم يثر ذلك خلال المحاكمة التحكيمية لأنه كان من المستحيل عليه إثارة هذه المخالفة أثناء التحكيم لجهله التام بها .

2 ) أن يكون موضوع الطعن قد ألحق ضرراً بطالب الطعن :

يميل الاجتهاد الدولي وكذلك الفقه ، إلى اشتراط أن يكون موضوع الطعن قد ألحق ضرراً وظلماً بالطرف طالب الطعن . على سبيل المثال إذا أغفل المحكم إبلاغ الطرف طالب الطعن مستنداً قدمه الطرف الآخر ، فذلك يشكل مخالفة هامة لقاعدة وجاهية المحاكمة تبرر إبطال الحكم التحكيمي ، ولكن الأمر يتوقف على أهمية هذا المستند وأثره على وضع طالب الطعن ، فإذا كان مجرد مستند لم يكن له أي أثر في حسم النزاع ، فإن هذه المخالفة لقاعدة أساسية من قواعد المحاكمة التحكيمية وللنظام العام ، لا تكون سبباً لإبطال الحكم إلا إذا أثبت الطرف طالب الحكم أن هذا المستند له دور هام في حسم النزاع لمصلحته لو تسنى له تبلغه .

والهدف من هذا الاتجاه في الاجتهاد هو تطبيق طريق غبطال الأحكام التحكيمية بحيث لا تبطل إلا إذا كان موضوع الطعن سبب ضرراً وليس لمجرد أنه ارتكبت مخالفة كبيرة أو صغيرة ولو كانت المخالفة الكبيرة متعلقة بالنظام العام .

3 ) مهل المراجعة :

هناك اتجاهان في مهل المراجعة ، اتجاه يترك للطرف الخاسر تقديم دعوى إبطال الحكم التحكيمي في أي وقت يشاء ، واتجاه آخر يربط تقديم هذه الدعوى بمهلة من أجل تأمين الاستقرار في المعاملات . في هذا الاتجاه ذهب القانون النموذجي للتحكيم الذي وضع مهلة 30 يوماً لتقديم دعوى إبطال الحكم التحكيمي بعد تاريخ إبلاغ هذا الحكم التحكيمي . والقانون الإنكليزي حدد المهلة بـ 21 يوماً ، والقانون السويسري بـ 30 يوماً ، والقانون النمساوي حددها بثلاثة أشهر ، وقانون البحرين بـ 30 يوماً ، والقانون المصري بـ 90 يوماً .

والآن . . . ما هي أسباب الإبطال ؟

في قوانين التحكيم الحديثة واتفاقية نيويورك لتنفيذ الأحكام التحكيمية ، كما في القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي الذي وضعته الأونسيترال ، هي ستة أسباب محددة على وجه الحصر للمراجعة ضد الحكم التحكيمي الدولي وهي :

  • العقد التحكيمي غير صحيح .
  • ارتكاب مخالفة في تشكيل المحكمة التحكيمية .
  • حسم المحكم للنزاع بما لا يطابق المهمة الموكولة إليه .
  • المساس بحق الدفاع وبقاعدة وجاهية المحاكمة .
  • مخالفة النظام العام .
  • عدم قابلية النزاع للتحكيم .

وسنعرض لكل سبب من أسباب الإبطال هذه باستثناء عدم قابلية النزاع للتحكيم .

أولاً : العقد التحكيمي غير صحيح :

القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي أجاز إلغاء قرار التحكيم إذا قدم طالب الإلغاء دليلاً يثبت ” أن أحد طرفي اتفاق التحكيم المشار إليه في المادة 7 مصاب أحد عوارض الأهلية أو أن الاتفاق المذكور غير صحيح بموجب القانون الذي أخضع الطرفان الاتفاق له ، أو بموجب قانون هذه الدولة في حالة عدم وجود ما يدل على أنهما فعلا ذلك . . . ” .

وبهذا المعنى نصت اتفاقية نيويورك لتنفيذ الأحكام التحكيمية الأجنبية . وفي هذا الاتجاه ذهبت أغلب قوانين التحكيم الحديثة .

وأول ما يطرحه هذا السبب من أسباب الإبطال هو اختصاص المحكمين للنظر باختصاصهم ، لأنه إذا كان الشرط التحكيمي الوارد في عقد موضع نزاع ، وموع طعن ، فالشرط التحكيمي يصبح أيضاً موضع طعن وبالتالي فإن اختصاص المحكمين يصبح موضوعاً للنزاع .

هذا الموضوع حسم في أكثر القوانين الحديثة التي تبنت نظرية استقلالية الشرط التحكيمي ، وبالتالي يبقى الشرط التحكيمي عقداً داخل العقد مستقلاً عنه وعن الطعون الموجهة له ويصبح للمحكمين اختصاص النظر بالطعن الموجه إلى العقد ولا يعود العقد التحكيمي ( أي الشرط التحكيمي ) مشمولاً بالنزاع بل محصناً .

ولكن قد يوجه الطعن إلى الشرط التحكيمي ذاته . في هذه الحالة لا تستطيع نظرية استقلالية الشرط التحكيمي إنقاذ اختصاص المحكمين إلا إذا نص القانون على أن للمحكمين اختصاص النظر باختصاصهم أو أشار إليها سلطان الإرادة . وفي هذه الحالة يصبح بالإمكان الاعتماد على نظرية ” الاختصاص للنظر بالاختصاص ” فإذا كان الشرط التحكيمي موضع طعن فإنه يبقى محصناً لناحية اختصاص المحكمين للنظر بهذا الطعن .

1 ) عدم وجود عقد تحكيمي :

نادراً ما يطرح طعن يستند ” إلى عدم وجود عقد تحكيمي ” . . . أن يكون أو لا يكون العقد التحكيمي ليست هي مشكلة عدم وجود العقد التحكيمي . ولكن أمر وجود العقد التحكيمي يطرح عند توقيع العقد من شخص ليس له أهلية التوقيع وكذلك عند تجديد العقد أو إبرام مصالحة مكملة له أو إدخال تعديل على مادة منه أو حلول جهة محل أحد طرفي العقد بالتوافق . أو أن يشترط عرض النزاع أولاً على المهندس ليتخذ قراراً يعرض بعد ذلك على التحكيم . . . في هذه الحالات هل يعتبر أن الشرط التحكيمي ما يزال سارياً ؟

الطرف الذي لا يعود له مصلحة في التحكيم سيدلي بأن العقد التحكيمي لم يعد له وجود لأن العقد الأصلي لم يوقع من شخص له الأهلية أو لان الذي حل محل أحد طرفي العقد ليس ملزماً بالشرط التحكيمي . . . إلخ .

لا يمكن إعطاء جواب بالمطلق ، ولكن الأكيد أن المحكمة القضائية عند رقابتها على الحكم التحكيمي المطعون به لأن ” لا وجود لعقد تحكيمي ” يقوم عليه ، هو أمر يفترض أن الجهة التي تطعن الآن بالحكم قد سبق أن أثارته أمام المحكمين وإلا فإنها لا تملك حق إثارة هذه النقطة لأول مرة أمام المحكمة القضائية . والمفروض أن المحكمين الذين يملكون سلطة النظر باختصاصهم قد قرروا أنهم مختصون وإلا لما أصدروا حكمهم ولكانوا اعتبروا غير مختصين ” لعدم وجود عقد تحكيمي ” .

الطعن يكون إذا موجهاً ضد قرار المحكمين باعتبار أنفسهم مختصين ، وهو اختصاص ينوه على ” وجود عقد تحكيمي ” . والمحكمة القضائية تراقب كيف توصل الحكم التحكيمي إلى التأكد من وجود عقد تحكيمي . والأساس الذي يعتمد في هذا الشأن هو دائماً النية الحقيقية للطرفين والتي تظهر من ظروف التنازل عن العقد أو تعديله أو إجراء مصالحة بشأنه . . . إلخ . هل يتبين من هذه الظروف أن نية الطرفين كانت منصرفة إلى التمسك بالشرط التحكيمي ، أم لا ؟ تلك هي المسألة عند رقابة القضاء على الحكم التحكيمي المطعون به لسبب ” عدم وجود عقد تحكيمي ” يحيل النزاع إلى التحكيم .

هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن موضوع وجود أو عدم وجود العقد التحكيمي يمكن أن يطرح من زاوية القانون المطبق على العقد أو على الشرط التحكيمي . فإبرام العقد ، لاسيما بعض العقود المحددة ، يتطلب شروطاً شكلية لانعقاده . وأمر وجود أو عدم وجود العقد التحكيمي أو الشرط التحكيمي يصبح أمر القانون المطبق على هذا الشرط التحكيمي . فهو الذي يحدد ما إذا كان العقد قد استوفى شروط انعقاده أم لا .

من أجل ذلك ، يجب على المحكمين أن يحددوا القانون المطبق ليس على العقد ، بل على الشرط التحكيمي ، لأنه يحصل أحياناً أن يكون القانون المطبق على العقد ، هو غير القانون المطبق على الشرط التحكيمي . فإذا كانت نية الطرفين واضحة كان به ، وإلا فإن المحكمين يجب أن يعودوا إلى النظام المطبق على التحكيم ، فإذا أحال هذا النظام إلى قانون محدد يطبق هذا القانون . وكثيراً ما يجد المحكمون أنفسهم أمام حالة تنازع قوانين . والنظام المطبق هو الذي يحدد لهم الطريقة التي يجدون بها قاعدة لحل تنازع القوانين .

ففي دعوى تحكيمية بين التلفزيون المصري والتلفزيون الأمريكي عرضت على مركز تحكيم القاهرة ، راجع التلفزيون الأمريكي القضاء المصري لإبطال إجراءات التحكيم وكان النزاع يدور حول القانون المطبق ، فرجع المحكمون إلى قواعد تحكيم الأونسيترال المطبقة في مركز تحكيم القاهرة فوجدوا أنها تعطيهم حرية إيجاد قاعدة تنازع القوانين واعتمدوا عدة مؤشرات للتوصل إلى اعتماد قاعدة لتنازع القوانين ، وطبقوها على الشرط التحكيمي ، ووجدوا أنها تعتبر القانون المصري مطبقاً لأنها ترجح قانون مكان توقيع العقد ، وكان العقد قد أبرم في القاهرة ، فطبق القانون المصري ووجد المحكمون على ضوئه أن الشرط التحكيمي له وجوده الصحيح الملزم بإحالة النزاع إلى التحكيم .