إجراءات التحكيم الجزء الحادى عشر

إجراءات التحكيم الجزء الحادى عشر

إجراءات التحكيم الجزء الحادى عشر
إجراءات التحكيم الجزء الحادى عشر

رابعاً : عدم احترام قاعدة وجاهية المحاكمة وحق الدفاع :

من أسباب إبطال الحكم التحكيمي في القانون النموذجي ، إذا قدم طالب الإلغاء دليلاً يثبت أنه لم يبلغ على وجه صحيح . . . بإجراءات التحكيم أو أنه لم يستطع لسبب آخر أن يعرض قضيته .

وجاهية المحاكمة هي المبدأ الذي يتضمن حق كل طرف في أن يوضح كل ما هو ضروري لنجاح طلبه أو دفاعه ، كما يستلزم أن كل ما يقوم به أحد الطرفين من مسعى أو مستندات أو إثبات يجب أن يبلغ للطرف الثاني وأن يناقش بحرية في جلسة المحاكمة .

فالوجاهية تعني إذن أن الطرف الآخر يجب أن يتبلغ كل مسعى أو مستند أو إثبات يقدمه طرف إلى المحكمة . والحكم الذي يصدر ، وقد أغفل ذلك ، يكون معرضاً للإبطال . ولكن قاعدة الوجاهية تعني في نفس الوقت تأمين حق الدفاع ، وقاعدة المساواة بين الطرفين ، طالما أن القاعدة الأساسية في التحكيم ، أن من حق كل من الطرفين الحصول على دعوى عادلة . ولا تكون الدعوى عادلة إلا إذا أمنت المحكمة التحكيمية المساواة التامة في المعاملة بين الطرفين وأعطت لكل منهما كل الإمكانيات ليستطيع أن يعرض قضيته بحرية تامة .

وهذه القواعد التي تندرج كلها تحت اسم وجاهية المحاكمة هي من النظام العام الدولي . ولم تدرج بعض القوانين الحديثة مخالفة الوجاهية كسبب لإبطال الحكم لأن الاتجاه الفقهي والاجتهاد يميلان في كثير من البلدان إلى اعتبار الوجاهية من صميم النظام العام في إجراءات المحاكمة .

وقد وصفت محكمة النقض الفرنسية قاعدة ” الوجاهية ” بأنها المبدأ ” الأعلى ” الذي لا غنى عنه لسير المحاكمة التحكيمية ، وتأمين دعوى عادلة .

وقد طرح موضوع المساواة بين أطراف النزاع في دعوى بين مدع ومدعى عليهما اثنين ، فعين المدعي محكماً عنه وجاء دور المدعى عليهما ، وأراد كل منهما أن يعين محكماً عنه لتناقض المصالح بينهما . ولم يقبل معهما مركز التحكيم الأوروبي بذلك بل ألزمهما بتعيين محكم واحد عنهما ، فلما صدر الحكم التحكيمي قدم المدعى عليهما طلب إبطال الحكم الذي لم يراع المساواة بين الطرفين ، فردت محكمة استئناف باريس طلبهما معتبرة أن ” تعيين محكم واحد من الشركتين المدعى عليهما ، ليس من شأنه الإخلال بنظام دفاعهما ، لأن المحكم بعد تسميته لا يعود مرتبطاً . . . بل يصبح قاضياً مستقلاً عن الأطراف وحياده هو الضمانة لمساواة الأطراف ولسير الدعوى ” .

وهذا الحكم موضع نقد شديد لأنه نظري أكثر من اللزوم ، والحكم المسمى من الاطراف يجب أن يكون حيادياً ومستقلاً ، ولكن عواطفه غير الظاهرة تبقى دفينة . والطرفان لم يكونا متساويين هنا إلى نظرياً .

وخرق وجاهية المحاكمة يكون حين يقدم طرف مستنداً إلى المحكم فيترجمه هذا الأخير ويسند حكمه إليه ، دون أن يطلع الطرف الآخر عليه ، وهو حكم تحكيمي أصدره محكم في دعوى بين شركة فرنسية والدولة الليبية وقدم طعن به لمخالفة قاعدة الوجاهية وحق الدفاع .

وقد اعتبر الاجتهاد الفرنسي في حكمين أصدرتهما محكمة استئناف باريس في 18/9/2003 و 12/2/2004 أن المحكم غير ملزم بعرض تسبيب حكمه وجاهياً على الطرفين .

أما قبول المحكمة التحكيمية بشاهد قدم شهادته في آخر وقت ، دون أ ن يتقرر قبل ذلك سماع شهادته ، فليس في الأمر إخلال بقاعدة المساواة بين الطرفين . . . هكذا اعتبرت محكمة استئناف باريس وردت طلب إبطال الحكم التحكيمي المقدم إليها .

في محاكمة تحكيمية ، قررت المحكمة فجأة استجواب الطرفين ، وعلى ضوء استجوابها كونت قناعتها وحكمت ، فطلب الطرف الخاسر إبطال الحكم لمخالفة قاعدة المساواة بين الطرفين ، باعتبار أن جلسة الاستجواب قد تقررت فجأة ، ولم تتح لهذا الطرف أن يعد نفسه لها بينما كان الطرف الثاني جاهزاً ومستعداً . . . وردت محكمة الاستئناف طلب الإبطال لأن الطرف طالب الإبطال لم يبد أي اعتراض في حينه على قرار المحكمة بإجراء الاستجواب المفاجئ .

وحول المساس بحق الدفاع ، فقد طلب فريق في نزاع تحكيمي من المحكمة تعيين خبير فردت المحكمة طلبه ، ولما أصدرت المحكمة التحكيمية حكمها طلب إبطاله على أساس أن عدم الاستجابة إلى طلب تعيين خبير فيه إخلال بحق الدفاع . وردت محكمة استئناف باريس طلب الإبطال بقولها : ” إن رفض المحكمة التحكيمية الاستجابة لطلب أحد الطرفين لا يشكل مساساً بحق الدفاع ” .

تبقى نقطة هامة في تطبيق قاعدة الوجاهية وحق الدفاع ، وهي أن تجد المحكمة أن نقطة قانونية يمكن أن تحسم النزاع ولم يثرها أي من الطرفين ، كأن تجد أن نظرية ” الفضول ” التي تنص عليها القوانين المدنية تنطبق على الحالة المعروضة أمامها ، ولم يأت أي من الطرفين على ذكر هذه النظرية ، بل حصرا دفاعهما عن موقف كل منهما بعيدين كل البعد عن نظرية الفضول . فهل يحق للمحكمة أن تصدر حكمها وتحسم النزاع على أساس إثارتها عفواً لنظرية الفضول الواردة في القانون المطبق ؟ إذا صدر حكم تحكيمي كهذا فإنه يكون قد نقض قاعدة الوجاهية ويكون قابلاً للإبطال . ولتجنب ذلك يجب على المحكمين أن يدعوا الأطراف لمناقشة مدى انطباق نظرية الفضول على واقع حال الدعوى . إذ ذاك يمكن للمحكم أن يستند إلى هذه النظرية في حسمه للنزاع ، ولكن المحكمين ليسوا ملزمين بأن يردوا على كل نقطة من النقاط التي أثارها كل الطرفين في الدعوى من خلال مذكراتهما وأقوالهما ومرافعتهما ، لأن ذلك ليس إلزاماً بقاعدة المساواة والوجاهية ، ويمكن القول أن قاعدة الوجاهية تستند إلى أسس ثلاثة :

1- أن تكون المحكمة التحكيمية قد وفرت للطرفين كل الأسباب التي تمكن كل واحد منهما من عرض قضيته أو دفاعه وحججه وإثباتاته ، حتى ولو تخلف هذا الطرف عن ذلك ، لأن التخلف لا يعني سقوط قاعدة الوجاهية .

هكذا قررت محكمة استئناف باريس ، في طلب إبطال حكم تحكيمي ، أنه ” طالما أن الطرف المتخلف قد أبلغ أصولاً بالدعوى وأبلغ كل إجراءاتها وفقاً للنظام التحكيمي الذي اختاره الطرفان ، فإن الحكم التحكيمي الصادر ضد ( الطرف المتخلف ) لا يمكن الطعن به على أساس الوجاهية ” .

2- لا تتوفر للطرفين الأسباب التي تمكن كل واحد منهما من عرض قضيته أو دفاعه وحججه وإثباتاته إلا إذا أعطي مهلاً كافية معقولة . والمحاكم القضائية تتشدد في الرقابة على ذلك ، لأن الترجمة الفعلية لحق الدفاع تكون في المهل الكافية والمعقولة المعطاة لكل من الطرفين لإعداد دفاعه أو قضيته وحججه وإثباتاته والمهم أن تكون المهل معقولة .

3- إن الطرف الذي يحرم من ممارسة حق الدفاع يشترط به ، حتى يستطيع أن يدلي بهذا السبب لطلب إبطال الحكم التحكيمي الصادر ضده ، أن يكون قد اعترض على الإجراء الذي حرمه من حق الدفاع بصدده في وقت حصول هذا الإجراء أو في وقت علمه بهذا الإجراء ، وإلا حرم من حق الطعن بالحكم بداعي حرمانه من حق الدفاع .

والملاحظ أن حرمان طرف من حق الدفاع ، يفضي إلى إبطال الحكم التحكيمي ، حتى ولو لم يلحق هذا الحرمان أو هذا الإجراء أي أذى أو ضرر بالطرف الذي حرم من حقه بالدفاع عن قضيته .

خامساً : الحكم التحكيمي المخالف للنظام العام :

القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي نص على أنه يحق للمحكمة القضائية إبطال الحكم التحكيمي إذا وجدت أن قرار التحكيم هذا يتعارض مع السياسة العامة لهذه الدولة .

يقول الدكتور عبد الرزاق السنهوري في شرح مفهوم النظام العام :

” المسألة لا يجدي فيها نص تشريعي ، وهي من أكثر المسائل القانونية تعقيداً . فنحن نريد أن نعرف ما إذا كانت قاعدة قانونية معينة تتعلق بنظام المجتمع الأعلى ، حتى يخضع لها الجميع ولا يجوز لأحد أن يخالفها ، أو هي قاعدة اختيارية ، لا يهم المجتمع أن يأخذ بها كل الناس ، وكل شخص حر في اتباعها أو في تعديلها كما يشاء .

وما هو هذا النظام الأعلى للمجتمع الذي يتحتم على كل عضو عدم الخروج عليه ؟ يوجد دون شك من القواعد القانونية ما يحقق مصلحة عامة تمس النظام الأعلى للمجتمع . وهذه المصلحة إما أن تكون سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو خلقية . والمصلحة الخلقية هي التي تقوم عليها الآداب العامة ، ومن ذلك نرى أن دائرة النظام العام واسعة فهي تشمل الآداب .

فمثل المصلحة السياسية ما تقوم عليه روابط القانون العام من دستورية وإدارية ومالية ، فإن أكثر روابط هذا القانون تعتبر من النظام العام . وكذلك المصلحة الاجتماعية وما تقوم عليه قواعد القانون الجنائي ، ومن هذه القواعد أيضاً ما يحقق مصلحة عامة خلقية . وهناك من روابط القانون الخاص ما يحقق مصلحة عامة اجتماعية كما في كثير من القواعد القانونية المتعلقة بالعمل ، أو مصلحة عامة اقتصادية كما في القواعد التي تجعل التنافس حراً مفتوحاً بابه للجميع .

ونرى من ذلك أن النظام العام والآداب هما الباب الذي تدخل منه العوامل الاجتماعية والاقتصادية والخلقية ، فتؤثر في القانون روابطه ، وتجعله يتماشى مع التطورات الاجتماعية والاقتصادية والخلقية . وتتسع دائرة النظام العام والآداب أو تضيق تبعاً لهذه التطورات ، وطريقة فهم الناس لنظم عصرهم ، وما توافقوا عليه من آداب ، وتبعاً لتقدم العلوم الاجتماعية .

كل هذا يترك للقاضي ، يفسره التفسير الملائم لروح عصره ، فالقاضي يكاد إذن أن يكون مشرعاً في هذه الدائرة المرنة ، بل هو مشرع يتقيد بآداب عصره ونظم أمته الأساسية ومصالحها العامة ” .

وموضوع النظام العام أصبح يطرح من زاوية التحكيم الداخلي المختلف عن التحكيم الدولي . فالتحكيم الداخلي يتعلق بالتجارة الداخلية والتحكيم الدولي يتجاوز حدود الدول وتتعدد فيه الجنسيات والبلدان ويضع في الميزان مصالح التجارة الدولية . فهل يمكن القول أن النظام العام الداخلي هو الذي يحاسب التحكيم الدولي أو بالعكس أن النظام العام الدولي يحاسب الحكم التحكيمي الدولي والنظام العام الداخلي يحاسب الحكم التحكيمي الداخلي ؟

هذا الموقف معقول ولكنه شديد التعقيد . . . لأن مفهوم النظام العام الدولي ما يزال موضوع جدل ، وقد خطى القانون الفرنسي للتحكيم الخطوة الأولى على هذا الدرب إذ فرق بين النظام العام الداخلي والنظام العام الدولي . وبقي على الفقه والاجتهاد أن يتوسع بالموضوع ، وإن كانت النصوص القانونية ، ولاسيما القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي وكذلك اتفاقية نيويورك ، لم تفرق بين الداخلي والدولي . ولكن ذلك لا يمنع أن خصائص النظام العام الدولي هي غير خصائص النظام العام الداخلي . مع الأخذ بعين الاعتبار أنه ما هو من النظام العام الداخلي ليس هو حتماً من النظام العام الدولي . ولنحاول تفهم النظام العام الداخلي وما يختلف به عن النظام العام الدولي .

1 ) النظام العام الداخلي :

فلنأخذ مثلاً نزاعاً يتعلق بتوزيع أرباح كازينو ألعاب القمار ، فإذا أحيل هذا النزاع على التحكيم وصدر بنتيجته حكم تحكيمي ، في بعض الدول يعتبر موضوع هذا العقد عملية تجارية محض عادية ، ويعطي الحكم التحكيمي صيغة التنفيذ بدون أية مشكلة . ولكن الميسر والقمار في كثير من دول العالم مخالف للآداب العامة ومحرم وممنوع . فالحكم التحكيمي الذي يبت بموضوع توزيع ارباح القمار مخالف للنظام العام في الدول الإسلامية ، ولكنه غير مخالف للنظام العام في الدول الغربية . من هذه الزاوية يمكن القول أن الميسر هو من النظام العام الداخلي وليس من النظام الدولي . ويمكن إعطاء نفس المثل عن عقد بيع خمر فهذا العقد هو في فرنسا عقد تجاري عادي ، وأي حكم تحكيمي يصدر بنزاع حوله يمر بصيغة التنفيذ بدون أي عناء . أما في المملكة العربية السعودية فموضوع العقد مخالف للنظام العام الداخلي السعودي وأي حكم تحكيمي يحسم نزاعاً بصدد هذا العقد لا يعطى صيغة التنفيذ في السعودية ، وهو إذا صدر في السعودية فإنه معرض للبطلان لمخالفته النظام العام السعودي .

وفي هذا المعنى ، فإن قانون المنافسة وحق المنافسة وحرية المنافسة هي من النظام العام الأمريكي لهذا ، فإن المحاكم الأمريكية تراقب الأحكام التحكيمية في موضوع المنافسة لمعرفة مدى انطباقها على النظام العام الداخلي الأمريكي ، وتشرح المحكمة القضائية الأمريكية الأمر بقولها :  ” . . . إن نقص وتضييق والمساس بحرية المنافسة وقانون المنافسة يمس مئات الألوف من الناس ، بل ملايين المواطنين ، ويفضي إلى خسائر اقتصادية هائلة ، ليس من المعقول أن نفترض أن الكونغرس يسمح للحظة واحدة أن تحال المنازعات المتصلة بهذا الموضوع لغير المحاكم القضائية حصراً ” .

وقد رأينا في حكم Mitsubishi أن المحكمة العليا قد نقضت حكم محكمة البداية ، وأجازت التحكيم في نزاع يتعلق بالمنافسة ولكنها نبهت بقولها :  ” . . . وإن كان بإمكان التحكيم أن يسير ويستمر في هذا الحقل ، فإن المحاكم الأمريكية تبقى لها إمكانية التدقيق ، في مرحلة التنفيذ ، لمراقبة ما إذا كان الحكم التحكيمي طبق بدقة قانون المنافسة كما نتوقع أن يفعله ” .

الربا هل هو من النظام العام الدولي أم من النظام العام الداخلي ؟

البلدان الإسلامية تحرم الربا ، أي الفائدة ، من أساسها وتعتبر ذلك من النظام العام . ولكن القانون الفرنسي مثلاً يحرم الربا أيضاً ولكنه يفهم بالربا الفائدة المرتفعة عن الحد القانوني والتي فيها استغلال . فهل يعتبر الربا من النظام العام الدولي الفرنسي ؟ المحاكم الفرنسية ، عند مراقبتها لحكم تحكيمي أعطى فوائد باهظة جداً ، فإنها لا تبطل هذا الحكم ولكنها تخفض الفوائد إلى المعدل القانوني .

فالربا ليس من النظام العام الدولي وإنما من النظام العام الداخلي للبلدان التي تحرم الفائدة .

ماذا عن تسبيب الأحكام التحكيمية ؟ إذا صدر حكم تحكيمي من سطرين يقول أن المحكمة وجدت أن المدعى عليه ملزم بأن يدفع للمدعي مبالغ كذا ، دون تسبيب هذا الحكم فهل هو حكم مخالف للنظام العام الدولي أم أنه مخالف للنظام العام الداخلي ؟

نظام التحكيم الإنكليزي يجيز إصدار الأحكام التحكيمية بدون تسبيبها . فالحكم التحكيمي الصادر وفقاً للقانون التحكيمي الإنكليزي وغير المسبب ليس مخالفاً للنظام العام . لهذا فإن قانون التحكيم الفرنسي مثلاً جعل الحكم التحكيمي الداخلي قابلاً للإبطال إذا لم يكن مسبباً ، أما الحكم التحكيمي الدولي فعدم تسبيبه ليس شرطاً لإبطاله .

من هنا فإن التسبيب ليس من النظام العام الدولي ، ولكن في الأنظمة القانونية التي تفرض التسبيب ، وأكثرها في دول القوانين المدنيةن يعتبر التناقض في التسبيب بمثابة عدم تسبيب وبالتالي سبباً لإبطال الحكم التحكيمي لمخالفته النظام العام الداخلي .

وقد اتخذ الاجتهاد الفرنسي موقفاً في غاية الحذر في موضوع النظام العام الداخلي فيما يتعلق بمرور الزمن ، لاسيما إذا كان طلب الإبطال المستند إلى مخالفة النظام العام الداخلي قد ذهب تحت ستار مخالفة النظام الداخلي إلى التعرض لأساس النزاع . هكذا قررت محكمة النقض الفرنسية في حكم أصدرته في 14/11/2006 أن طلب إبطال الحكم التحكيمي لمخالفته النظام العام بسبب عدم أخذه بالدفع بمرور الزمن يفضي إلى رقابة محكمة التمييز على الطريقة القانونية والمنطق القانوني اللذان اتبعهما المحكمون في البت بهذا الدفع مما يجعل المطلوب من المحكمة أن تراقب أساس نزاع وأساس الحكم التحكيمي الأمر الذي يخرج عن اختصاصها .

واتخذت محكمة استئناف باريس قراراً اصدرته في 3/11/2005 اعتبرت فيه أن الحكم المطلوب إبطاله درس فيه المحكمون شرط عدم المنافسة واعتبروا أن هذا الشرط لا يمنع ممارسة نشاط تجاري ولكنه يمنع استعمال شعار منافس فور إبرام العقد الأمر المشروع ، وبأن طالب الإبطال المسند طلبه إلى مخالفة النظام العام لا يفسر بماذا يتعارض النظام العام مع هذا الموقف . وتلاحظ المحكمة أنه تحت ستار الزعم بمخالفة النظام العام فإن طالب الإبطال يتصدى لأساس النزاع الأمر الذي يخرج عن رقابة محكمة الاستئناف .

2 ) النظام العام الدولي :

إذا كان النظام العام الداخلي هو نسبي ، مرتبط بالمصلحة العليا الاجتماعية والاقتصادية والخلقية ، لمجتمع ودولة ما ، فإن النظام العام الدولي هو المصلحة العليا الاجتماعية والاقتصادية والخلقية للمجتمع الدولي . فرشوة المحكمين هي من النظام العام الدولي ، وشراء ضمير الشاهد ليعطي شهادة زور ، تتعلق بالنظام العام الدولي ، وبيع المخدرات من النظام العام الدولي .

فما يتطلبه النظام العام الداخلي لكل بلد ولكل مجتمع هو نسبي ، ويختلف من بلد إلى آخر . أما النظام العام الدولي فهو مشترك بين كل دول العالم . من هنا فإن هناك نظامين عامين ، النظام العام الداخلي والنظام العام الدولي . والحكم التحكيمي الدولي يبطل إذا خالف النظام العام الدولي ولا يبطل حتماً إذا خالف النظام العام الداخلي . أما الحكم التحكيمي الداخلي فيبطله النظام العام الداخلي ولا حاجة لإدخال النظام العام الدولي في الموضوع لأن ما يتضمنه النظام العام الداخلي لا شأن له بأحكام النظام العام الدولي .

فالنظام العام الدولي نظرته شاملة وأحكامه عامة تشتمل العالم بأسره . فالبغاء وتجارة المخدرات وتجارة الرقيق والرشوة واستغلال النفوذ من النظام العام الدولي . والعقد الذي ظاهره عمولة وباطنه رشوة واستغلال نفوذ هو مخالف للنظام العام الدولي . وليس الأمر كذلك في عقد احتكار مخالف لحرية المنافسة الذي يعتبره القانون الأمريكي في النظام العام الداخلي الأمريكي ، وهو ليس من النظام العام الدولي لأن أحكام حرية المنافسة ليست من النظام العام في كل دول العالم .

ويعتبر الغش في التحكيم ، بتقديم مستندات مزورة للمحكمين ، مخالفاً للنظام العام الدولي وبالتالي فإن الحكم المستند إلى هذه المستندات هو باطل لمخالفته النظام العام الدولي . وهكذا اكتشاف تزوير هذه المستندات بعد صدور الحكم .

وقد اتخذ الاجتهاد الفرنسي موقفاً من موضوع النظام العام الدولي في حكم أصدرته محكمة استئناف باريس في 10/3/2005 حول القضية المقضية يتفق مع موقفها الحذر الرافض لأي شكل من أشكال التعرض لأساس النزاع تحت ستار النظام العام الدولي .

فقد طلب من محكمة النقض الفرنسية إبطال حكم تحكيمي بحجة أنه سبق حسم النزاع الذي كان عالقاً بين الشركة طالبة الإبطال وبين شركة متضامنة معها شركة أخرى في التحكيم الثاني وذلك بموجب حكم تحكيمي سابق تقرر بموجبه تعويضات وعطل وضرر للشركة الأولى ، والشركة الطرف في الحكم التحكيمي الثاني المطلوب إبطاله هي شركة متضامنة مع الشركة التي كانت في التحكيم الأول ، وتذرعت الشركة طالبة الإبطال بأثر القضية المقضية في الحكم السابق الذي تتاثر به الشركة الطرف في التحكيم الثاني بالتعويضات المقررة في الحكم الأول بحكم تضامنها مع الشركة التي كانت ماثلة في التحكيم الأول . وإن الشركة التي هي مدينة في الحكم الثاني بفعل تضامنها في الحكم الأول والحكم الثاني يجعل منها دائنة متضامنة الأمر الذي يصطدم بقوة القضاية المقضية إذ أن النزاع سبق أن حسم في التحكيم الأول ، وأن الحكم الثاني يصطدم بقوة القضية المقضية الأمر الذي يخالف النظام العام الدولي .

ردت محكمة النقض طلب الإبطال واعتبرت أن الحكم التحكيمي الثاني ليس غير متلائم مع الحكم التحكيمي الأول مما يجعل مخالفة النظام العام الدولي غير متوافرة .

وقد اعتبر الاجتهاد السويسري أن نصوص قانون المنافسة في سويسرا ليست جزءاً من القيم الأساسيية المعترف بها على نطاق واسع والتي لها الأرجحية في سويسرا ، وبالتالي فإن مخالفتها ليست مخالفة للنظام العام .

كذلك أكد الاجتهاد السويسري في حكم أصدرته المحكمة السويسرية العليا في 23/3/2005 أن الوجاهية التي هي حق الأطراف في أن يستمع إليهم من قبل المحكم في مواجهة بعضهم هي جزء أساسي من النظام العام الدولي في القانون السويسري .