إجراءات التحكيم الجزء الرابع

إجراءات التحكيم الجزء الرابع

إجراءات التحكيم الجزء الرابع

إجراءات التحكيم الجزء الرابع
إجراءات التحكيم الجزء الرابع

المبدأ الرابع : مسيرة المحاكمة التحكيمية الدولية :

أولاً : الدعوى في حضور ومواجهة الخصم :

1 ) تقديم المدعي لدعواه :

ماذا يجب  أن يتضمن ” طلب التحكيم ” ليعتبر بمثابة دعوى تحكيمية مقدمة ضد الطرف الآخر ؟ المادة الثالثة من قواعد تحكيم الأونسيترال فصلت ذلك بقولها :

1- يرسل الطرف الذي يعتزم البدء في إجراءات التحكيم ( ويطلق عليه اسم ” المدعي ” ) إلى الطرف الآخر ( ويطلق عليه اسم ” المدعى عليه ” ) إخطار التحكيم .

2- تعتبر إجراءات التحكيم قد بدأت في التاريخ الذي يتسلم فيه المدعى عليه إخطار التحكيم .

3- يجب أن يشتمل إخطار التحكيم على ما يلي :

أ- طلب بإحالة النزاع إلى التحكيم .

ب- اسم كل طرف في النزاع وعنوانه .

ج- إشارة إلى شرط التحكيم أو الاتفاق المنفصل على التحكيم ، الذي يستند إليه طلب التحكيم .

د- إشارة إلى العقد الذي نشأ عنه النزاع أو الذي له علاقة به .

هـ- الطابع العام للنزاع وبيان المبلغ الذي يقع عليه ، إن وجد .

و- الطلبات .

ز- اقتراح بشأن عدد المحكمين ( أي واحد أو ثلاثة ) إذا لم يكن الطرفان قد اتفقا على هذا من قبل في العقد .

4- يجوز أن يشتمل إخطار التحكيم أيضاً على ما يلي :

أ- المقترحات المشار إليها ( في الفقرة 1 من المادة 6 ) بشأن تعيين محكم واحد وسلطة التعيين .

ب- الإشعار بتعيين المحكم المشار إليه في المادة 7 ( محكم عن كل طرف ) .

ج- بيان الدعوى المشار إليه في المادة 18 ( بيان بالوقائع والمسائل موضوع النزاع والطلبات ) .

أما محكمة استئناف باريس فقد عرفت تقديم الدعوى التحكيمية بأنه ” طلب التحكيم الموجه من طرف إلى الطرف الآخر ، وموضوعه إبلاغ الطرف الآخر بنيته مراجعة التحكيم وإنذاره بتعيين محكم وبتبيان موقفه ( ودفاعه ) في إجراءات سير الدعوى التحكيمية ” . ليس هناك شكل محدد للدعوى التحكيمية التي تقدم ، ولكن الأكيد أن نية تقديم الدعوى ومراجعة التحكيم لحسم النزاع يجب أن تكون واضحة لا غموض فيها . وقد اعتبر الاجتهاد الفرنسي أن مجرد الإشارة إلى أن طلباً سيقدم وسيحدد فيه المبلغ لاحقاً ، هو إمكانية لتقديم الدعوى ، وليس دعوى ، ولا تعبير عن الإرادة بتقديم الدعوى .

نظام تحكيم غرفة التجارة الدولية عرف في المادة 4 ( 1 ) ( 2 ) ( 3 ) منه طلب التحكيم كما يلي :

” يلتزم كل طرف يود اللجوء إلى التحكيم طبقاً لهذا النظام بأن يقدم طلب التحكيم ( ” الطلب ” ) إلى الأمانة العامة التي تبلغ المدعي والمدعى عليه بتسلمها الطلب وتاريخ هذا التسليم .

يعتبر في جميع الحالات تاريخ تسلم الأمانة العامة للطلب تاريخ تقديم دعوى التحكيم .

يشتمل الطلب بوجه خاص على ما يلي :

أ- أسماء وألقاب وصفات وعناوين الأطراف كاملة .

ب- عرض لطبيعة وظروف النزاع الداعي إلى تقديم الطلب .

ج- بيان موضوع الطلب ، فضلاً عن إشارة بقدر الإمكان ، إلى المبلغ أو المبالغ المطالب بها .

د- الاتفاقات المعقودة وخاصة اتفاق التحكيم .

هـ- أي معلومات حول عدد المحكمين واختيارهم طبقاً لما نصت عليه المواد 8 و 9 و 10 . وكذلك كل تعيين واجب لمحكم في هذا الشان .

و- أي ملاحظات عن مكان التحكيم والقواعد القانونية الواجبة التطبيق ولغة التحكيم ” .

ضمن أية مهلة يجب أن يرد المدعى عليه لاسيما وأن المحكمة التحكيمية لا تكون قد تشكلت بعد ولم تضع المحكمة التحكيمية مهلاً ؟ هناك التحكيمات التابعة لمراكز التحكيم الدولية التي تخضع لنظام يحدد المهل ، أما تحكيمات الحالات الخاصة فإن إجراءات التحكيم تخضع لقانون بلد ما أو لنظام تحكيمي كنظام الأونسيترال . . .

فإذا كانت المهلة محددة في نظام المركز التحكيمي أو قانون الإجراءات التحكيمية ، فإنها لا تعتبر ولا بأي شكل مهلة إسقاط بحيث أن التسامح ممكن ، إلا إذا ظهر المدعى عليه ممطالاً متعنتاً يسعى إلى المناورة عبر ” جر ” المهلة .

أما حين لا تكون المهلة محددة في النظام ولا في القانون ، فإن المحكمين أو المركز الذي يدير التحكيم ، يطبقون فكرة ” المهلة المعقولة ” أي التي ليس ليها إجحاف لا بالمدعي ولا بالمدعى عليه .

الأمانة العامة لغرفة التجارة الدولية قبلت لائحة جوابية مقدمة خارج المهلة ولم ترد اللائحة لورودها خارج المهلة . وعند صدور الحكم طلب الطرف الخاسر إبطاله بحجة عدم مراعاة أمانة التحكيم في غرفة التجارة للمهل ، فردت محكمة استئناف باريس هذا الدفع بقولها ” أن التأخير لم يحرم الشركة المدعى عليها من ممارسة حقوقها بأن تعلم بدقة بكل ما أدلت به الشركة المدعية ” . ولكن التسامح في المهل الإجرائية شيء ، وفي المهل القانونية والتعاقدية شيء آخر . على سبيل المثال إذا كان القانون المطبق يحدد مهلاً لتقديم دعوى العيوب الخفية فإن المحكمين يتشددون في تطبيق هذه المهل القانونية كل التشدد .

2 ) تقديم المدعى عليه لجوابه :

بإمكان المدعى عليه عند تقديم جوابه أن يتقدم بدعوى مقابلة ، ولا يشترط ، كما يشترط في القضاء ، أن يكون هناك تلازم وارتباط وثيق بين الدعوى الأصلية والدعوى المقابلة ، بل يمكن أن لا تكون للدعوى المقابلة علاقة بالعقد موضوع النزاع الذي تقوم عليه الدعوى الأصلية . المهم أن يكون الارتباط بين الطرفين ناشئاً عن نفس العقد التحكيمي . ولم تلزم أنظمة التحكيم بأن تكون الدعوى التحكيمية المقابلة ” متفرعة من موضوع النزاع ” .

في نظام تحكيم غرفة التجارة الدولية لا يمكن أن تقدم الدعوى المقابلة في أي وقت بل يجب أن تقدم وفقاً للمادة الخامسة أي مع الجواب على طلب التحكيم . ولكن في المادة 18 من نظام تحكيم غرفة التجارة الدولية ، يبقى الباب مفتوحاً لتقديم طلبات إضافية لحين وضع ” وثيقة المهمة ” إذ أن المحكم يضع وثيقة المهمة على ضوء الأقوال الأخيرة للطرفين .

ثانياً : الدعوى في غياب ومقاطعة الخصم :

إذا تخلف المدعى عليه ، بعد تبلغه الدعوى التحكيمية ، فلم يجب ولم يحضر ، هل يعني ذلك قبولاً منه بادعاءات المدعي ؟

أجابت اتفاقية حسم منازعات الاستثمار بين الدول ومواطني الدول الأخرى في المادة 45 :

” ( 1 ) عدم حضور أحد الطرفين أو عدم إبداء دفاعه لا يعتبر تسليماً منه بادعاءات الطرف الآخر .

إذا لم يحضر أحد الطرفين أو لم يبد دفاعه في أية مرحلة من مراحل الإجراءات ، يجوز للطرف الآخر أن يطلب من المحكمة أن تفصل في المسائل المطروحة عليها وأن تصدر حكماً . ويجب على المحكمة قبل أن تصدر حكماً أن تخطر الطرف الذي لم يحضر أو لم يبد دفاعه وأن تعطيه مهلة ، إلا إذا كانت مقتنعة أن ذلك الطرف ليس في نيته أن يقوم بهذا ” .

أما القانون النموذجي للتحكيم التجاري الذي وضعته الأونسيترال فقد نص في المادة 25 على أنه ” إذا تخلف المدعى عليه عن تقديم بيان دفاعه . . . تواصل هيئة التحكيم الإجراءات دون أن تعتبر هذا التخلف في حد ذاته قبولاً لادعاءات المدعي ” . وقد أوردت القوانين التي تبنت القانون النموذجي هذا النص مثل القانون المصري والقانون البحريني والقانون التونسي .

وسواء نصت القوانين ، على أن تخلف المدعى عليه لا يعتبر تسليماً منه بادعاءات المدعي ، أو لم تنص ، فإن المحكمين ملزمين بموجب التمحيص والتدقيق في ادعاءات المدعي ، دون التسليم بها لمجرد تخلف المدعى عليه . يبقى أنه ، في حين تنص قوانين على أن تخلف المدعى عليه لا يعتبر تسليماً منه بادعاءات المدعي ، ولا تنص قوانين أخرى على ذلك ، إلا أن كل القوانين وأنظمة التحكيم مجمعة على أن الدعوى تسير ولو تخلف المدعى عليه ، وإلا لكان المدعى عليه قادراً على تجميد التحكيم بإرادته المنفردة .

ثالثاً : وثيقة التحكيم أو مهمة المحكم :

تضمن نظام غرفة التجارة الدولية إجراء تحكيمياً هو الأول في سير إجراءات المحاكمة التحكيمية ، وهو ” وثيقة التحكيم ” . ونظام غرفة التجارة يسميها ” وثيقة المهمة ” أي مهمة المحكم ، وهذه الوثيقة أخذت تلعب دوراً هاماً في التحكيم الدولي ، فقد انتقلت لتصبح عرفاً في كثير من التحكيمات حتى ولو لم ينص النظام عليها . فما هي وثيقة التحكيم هذه ؟ أو وثيقة المهمة كما يسميها نظام تحكيم غرفة التجارة الدولية ؟

” بمجرد تلقي الملف من الأمانة العامة تقوم مححكمة التحكيم بإعداد وثيقة المهمة استناداً إلى المستندات المقدمة أو بحضور الأطراف وفي ضوء آخر ما قدموه وتتضمن الوثيقة ما يلي :

  • ‌أ- أسماء وألقاب وصفات الأطراف كاملة .
  • ‌ب- عناوين الأطراف التي توجه إليها أي إخطارات أو مراسلات أثناء سير التحكيم .
  • ‌ج- عرض مختصر لمطالب الأطراف وللقرارات الملتمسة وبقدر الإمكان الإشارة إلى كل مبلغ مطالب به في الطلب أو في الرد المقابل على هذا الطلب .
  • ‌د- قائمة بالمسائل المتنازع حولها . إلا إذا رأت محكمة التحكيم أنه من غير الملائم إجراء ذلك .
  • ‌ه- أسماء وألقاء وصفات وعناوين المحكمين .
  • ‌و- مكان التحكيم .
  • ‌ز- توضيحات حول القواعد الإجرائية المطبقة . ومتى وجدت ، الإشارة إلى الصلاحيات الممنوحة لمحكمة التحكيم لتقضي كمفوضة بالصلح أو وفقاً لقواعد العدل والإنصاف .

توقع وثيقة المهمة من الأطراف ومن محكمة التحكيم . وترسل محكمة التحكيم للهيئة وثيقة المهمة موقعة منها ومن الأطراف خلال شهرين من تاريخ تسلمها الملف . ويجوز للهيئة ، بناء على طلب معلل من محكمة التحكيم . أو من تلقاء نفسها تلبية لحاجة العمل ، تمديد هذه المدة ، إذا رأت ذلك ضرورياً .

إذا رفض أحد الأطراف المشاركة في إعداد أو توقيع وثيقة المهمة ، فتعرض على الهيئة لاعتمادها . ومتى تم التوقيع على وثيقة المهمة طبقاً للفقرة 2 من المادة 18 أو متى اعتمدتها الهيئة ، يستمر سير إجراءات التحكيم .

عندما تقوم محكمة التحكيم بإعداد وثيقة المهمة ، أو في أقرب وقت ممكن عقب ذلك ، وبعد استشارة الأطراف ، يكون على محكمة التحكيم القيام في مستند منفصل بإعداد جدول زمني تنوي ابتاعه لإدارة إجراءات سير التحكيم وفقاً له وترسله إلى الهيئة وإلى الأطراف . وأية تعديلات لاحقة على الجدول الزمني المبدئي يتعين إبلاغها إلى المؤسسة وإلى الأطراف ” .

هذه هي وثيقة المهمة أو مهمة المحكم . وهي قد أصبحت مطبقة خارج إطار تحكيمات غرفة التجارة الدولية في حالات كثيرة ، ولكن الملاحظ أنها تكاد تصبح قاعدة في تحكيم القوانين المدنية ، بينما تحكيمات أعراف القوانين الأنكلو أمريكية لم تتبن إطلاقاً هذا الإجراء ، بل إن بعض رجال القانون في هذا النظام يعتبرون هذا الإجراء ثقيلاً على سير إجراءات المحاكمة التحكيمية .

ولكن ، رغم كل الانتقادات الموجهة لهذه الوثيقة ، تبقى لها أهميتها وفوائدها العملية في سير إجراءات المحاكمة التحكيمية إذ أنها تحدد المواضيع التي سيتجه المحكمون إلى حسمها ، بحيث يتحدد للطرفين ومحاموهم إطار النقاش والحجج ، إذ تصبح نقاط الخلاف واضحة جلية وينصب الجدل والقانون والإثبات والإقناع إليها مباشرة . والمهم أن تكون هذه الوثيقة حداً فاصلاً لا تقدم طلبات ولا طلبات مضادة بعدها ، حتى لا يصبح التحكيم معرضاً للهزات كلما خطر لطرف أن يعيد النظر في طلباته . فوثيقة التحكيم تلعب دورها في استقرار وحسن سير إجراءات المحاكمة التحكيمية إذا كانت حداً فاصلاً لا تقدم بعده طلبات جديدة . ولكنها في نظام غرفة التجارة الدولية ، ليست حداً فاصلاً ، بل يمكن تقديم طلبات جديدة بعد توقيعها من المحكمين ، شريطة أن تكون الطلبات الجديدة ضمن إطار وثيقة التحكيم أو مهمة المحكم .

ولوثيقة التحكيم أثر نفسي إذ أن الطرفين يجتمعان مع محاميهم لأول مرة في إطار المحاكمة التحكيمية للبحث عن تحديد نقاط الخلاف ، وهو مناخ قادر على تقريب وجهات نظر الطرفين كثيراً ، بالطبع حين لا تتضمن الإجراءات توقيع وثيقة التحكيم تعقد جلسة محاكمة تمهيدية تفي بهذا الغرض .

وقد اعتبر الاجتهاد أن هذه الوثيقة تعتبر عقداً تحكيمياً في حال ثار نزاع حول العقد التحكيمي ، إلا إذا تضمنت الوثيقة أن الخلاف يدور حول العقد التحكيمي ذاته ، فلا تعود إذ ذاك عقداً تحكيمياً بل تصبح مهمة المحكم حسم موضوع وجود أم عدم وجود العقد التحكيمي وأثره ومدى ارتباط الأطراف به .