” إذا فهمت طبيعة عمل المخ البشري فسيكون بمقدورك التواصل مع أي إنسان ” الجزء الثانى

 ” إذا فهمت طبيعة عمل المخ البشري فسيكون بمقدورك التواصل مع أي إنسان ” الجزء الثانى

 " إذا فهمت طبيعة عمل المخ البشري فسيكون بمقدورك التواصل مع أي إنسان " الجزء الثانى
” إذا فهمت طبيعة عمل المخ البشري فسيكون بمقدورك التواصل مع أي إنسان ” الجزء الثانى

لكن موقع ماتش وشركة ديلويت مازالا بعد كل ذلك يصنفان الأفراد حسب نمط الشخصية السائد . فما هي الفائدة من ذلك ؟

سأقدم مثالاً حياً من حياتي . كنت أعمل مع رجل يتمتع مثلي بنشاط كبير جداً للدوبامين ، بيد أنه يختلف عني في زيادةن شاط السيروتونين لديه بصورة كبيرة ، والذي يرتبط بتجنب المخاطر . وصادفتنا قضية معينة ، وعلى الرغم من قناعتي بكوني محقة تماماً في تقييمي لها ، كان هو حذراً للغاية . لو لم أكن على علم بكيمياء المخ ، لظننت أنه كان عنيداً لأقصى درجة . لكنني بدلاً من ذلك رأيت أن ذلك ناشئ عما أسميه ” فجوة السيروتونين ” . ذلك أن تردده لم يكن مرتبطاً بي أو بالمشروع ، بل كانت تلك هي طبيعته . لقد خفف ذلك مما كان من المحتمل أن يمثل سوء تفاهم كبير بيننا ، كما أنه جعل منا فريقاً أفضل .

هل تكمن الفكرة في عدم الاكتفاء بالتعرف على الشخصيات المختلفة والمؤثرة وفهمها ، بل أن يكيف المرء سلوكه أيضاً كي يتوافق بصورة أفضل مع زملائه ؟

بكل تأكيد . بمقدورك أن تفصلي الطريقة التي تعرضين بها المعلومات ، وأن تعدلي من لغتك الحوارية عند الإجابة عن الأسئلة ، بل وأن تعدلي حتى من لغة جسدك ليكون لدى الأفراد الذين ينتمون لأنماط الشخصية الأخرى درجة أكبر من التقبل . واسمحي لي بتقديم مثال آخر . استمع أحد كبار الشركاء في شركة ديلويت لحديثي عن أنماط الشخصية ، وكان على وشك أن يقدم عرضاً لعميل مهم . كان فريقه قد انتهى للتو من إعداد ملف شرائح العرض ، وكاد الليل أن ينتصف ، وهم الجميع بالانصراف . لكنه أدرك فجأة أن تركيز العرض ـ المتخم بالنقاط النظرية مع القليل من التفاصيل ـ لا يناسب جمهوره من المدراء التنفيذيين في البنوك الدولية ، فقد ساوره الشك في امتلاكهم لسمات شخصية ذات مستوى مرتفع من السيروتونين . ومن ثم سهروا معظم الليل لإعادة إعداد العرض ، وفي الصباح أتموا عقد صفقة بملايين الدولارات . والمغزى هنا هو أنك إذا استطعت أن تقيمي من حولك ، فبمقدورك الوصول إلى أي شخص ـ من عملائك ورؤسائك وموظفيك ـ بشكل أكثر فاعلية بكثير .

هل يستطيع المرء أن يغير نمط شخصيته ؟

البشر مرنون بدرجة كبيرة ، ولكن ليس بصورة مطلقة . فالرياضيات ، على سبيل المثال ، مهارة ترتبط بالتستوستيرون ، وأنا سيئة للغاية في الرياضيات ، ولن أبرع فيه أبداً ، ولو أنني نشأت بين أم فيزيائية وأب مهندس معماري ـ أي في عائلة تقدر ثقافتها الرياضيات ـ لكنت ماهرة فيها . ولكن لم أكن لأبرع فيها أبداً ، هل يستطيع أحد أن يجعنل قاسية ؟ أشك في ذلك . ربما أتصرف بقسوة عندما أجبر على ذلك ، لكن الأمر يشعرني بالانزعاج ، منذ فترة من الزمان ، وبعد أن انتهيت من إلقاء خطاب في مؤسسة سميثسونيان . جاءتني مديرة تنفيذية وقالت : ” أنا في العمل حاسمة ومتسلطة ، لكنني تزوجت من رجل أرادني أن أكون لينة ولطيفة في المنزل ، واستطلعت أن أفعل ذلك ، لكن الأمر كان منهكاً ” ، وأخبرتني بأنها طلقت من الرجل في نهاية المطاف . وهكذا يتضح أن بوسعنا أن نتصرف بخلاف نمط شخصيتنا ، لكن ذلك أمر مرهق . إننا نطلب من الموظفين في نيوروكلر الخضوع للاستبيان مرتين . حيث يصفون في المرة الأولى تفكيرهم وسلوكهم أثناء العمل ، وفي المرة الثانية يصفون سلوكهم ” خارج دائرة العمل ” . إن الإجابة عن سؤال : ما المكان الذي تكون فيه على طبيعتك لأقصى درجة ؟ تعد مقياساً مهماً لمدى الصراحة عندهم .

هل ترين مستقبلاً تؤثر فيه تلك الاختبارات على قرارات التعيين والترقية وبناء فرق العمل ؟ هل سيتم اختيار الأفراد ذوي معدل السيروتونين المرتفع لأعمال المحاسبة ، وذوي الدوبامين المرتفع لتطوير الأعمال .

لا أظن أن أحداً يرغب في تصنيف الأفراد بتلك الطريقة . لكنني بالتأكيد سأضيف تلك المعلومات إلى حساباتي ، لأنها يمكن أن تساعد على بناء فرق عمل أكثر فعالية ، لقد تطورت الأنماط الأربعة للتفكير والسلوك لسبب ما في المجتمعات التي كانت تقتات على الصيد وجمع الطعام على مر ملايين السنين . تخيلي مجموعة من الأفراد في أفريقيا منذ مئات آلاف السنين وهم يسيرون معاً للبحث عن مخيم جديد ، وفجأة ، يعثرون على بعض الفطر ، لا يمكن أن ينتموا جميعاً لنمط الشخصية الذي يرتفع فيه معدل الدوبامين ، وذلك لأنهم جميعاً سيجربون الفطر وربما تسمموا عن آخرهم . هناك حاجة لوجود البعض ممن ينتمون لنمط الشخصية الذي يرتفع فيه معدل السيروتونين لكي يقولوا : ” لا ينبغي أن نفعل ذلك ، فنحن لم نجربه من قبل ” ، كما أن هناك حاجة لوجود من ينتمون لنمط الشخصية الذي يرتفع فيه معدل التستوستيرون كي يقولوا : ” دعونا نناقش ما نعرفه عن هذا الفطر ” ، لقد تطورنا لنفكر بصورة مختلفة كي نتبادل الأفكار ونصل لحلول جيدة . وأنماط التفكير التي تكمل بعضه البعض تؤدي إلى خلق فريق أكثر فاعلية ، ولكن لسوء الحظ ، يبدو أن المؤسسات في وقتنا الحالي عندما تفكر في مسألة التنوع ، فإنها تأخذ العرق والنوع أو الخلفية الثقافية في الاعتبار ، بدلاً من النظر إلى التنوع الفكري . وبناء على ذلك يتم تمثيل المرأة والأقليات ، وهذا عظيم ، ولكن ربما كانوا جميعاً يمرون بالحالة المزاجية عينها ، ومن ثم لا تكون المجموعة متنوعة بالقدر الذي تظنينه .

لقد أجريت تقييمات للأفراد في العديد من البلدان المختلفة ، فهل وجدت أوجه الاختلاف فيما بينهم أكبر أم أوجه التشابه ؟

سألني رئيس موقع ماتش منذ بضع سنوات إن كان استبياني سينجح في ثقافات أخرى ، فقلت له إن لم ينجح فهذا يعني أنني فشلت ، حيث إنني أدرس الشخصية البشرية وليس الشخصية الأمريكية ، إن تلك النسخة من الاستبيان تستخدم حالياً في 40 بلداً ، غير أننا توصلنا لبعض الاختلافات الإقليمية المثيرة للاهتمام . فعلى سبيل المثال ، يحصل عدد أكبر من الصينيين واليابانيين على معدلات مرتفعة في مقياس السيروتونين . وعندما ذكرت الأمر لعالم الجينات ليي سيلفر ، من جامعة برنستون ، لم يكن ذلك مفاجأ بالنسبة له ، وأخبرني بأن هناك جيناً مسئولاً عن الامتثال للمعايير الاجتماعية ، وهو شائع في الصين واليابان أكثر من أي مكان آخر . وأخبرني كذلك عن جين مرتبط بالدوبامين هو الأكثر شيوعاً في منطقة حوض نهر الأمازون . يمكن للمرء أن يفترض بأن الأفراد الذين ترتفع لديهم معدلات الدوبامين المرتبطة بالاستكشاف قد عبروا الجسر البري قادمين من أفريقيا ، والذي كان موجوداً في عصور ما قبل التاريخ ، حاملين تلك الجينات ، ثم نقلوها للأجيال التي تلتهم ، أو أن الأفراد الذين يمتلكون تلك السمات كانوا وجدهم القادرين على البقاء والتكيف مع الحياة في الأمازون . ومن هنا ، يبدأ المرء في معرفة السبب وراء اتباع ثقافات بأكملها ـ ومؤسسات أيضاً ـ لأنماط شخصية معينة .

التستوستيرون والأستروجين هما من السمات التي ترتبط بالنوع ، ألا تخشين من أن يعزز إطار عملك التنميط القائم على النوع ؟

صحيح أنه في مختلف الثقافات يحصل عدد من الرجال أكبر بكثير من النساء على درجات مرتفعة في مقياس التستوستيرون ، كما أن عدد النساء اللائي يحصلن على درجات أعلى على مقياس الأستروجين يكون أكبر بكثير من الرجال ، لكننا جميعاً نشكل في الوقت ذاته مصفوفة من السمات المشتركة . وكما قلت مسبقاً ، إن لدي معدلاً مرتفعاً من الأستروجين وأنتمي لمجموعة تظهر فيها السمات التالية : أنا أنصت بعناية ، وأحاول التكيف مع الغير ، وعندما أكون وحيدة جالسة على مكتبي ، فإنني أتسم بخصال نمط شخصية الدوبامين كلية ، فأكون ذات فكر إبداعي وأركز في عملي . كما أن لدي معدلاً منخفضاً من التستوستيرون ، فأنا لست قاسية ، ولا أجيد الرياضيات ، لكنني منطقية ـ وهو أمر مؤكد في مجال عملي ، وربما كنت كذلك دائماً بالنسبة لمسألة الحب ، ومن ثم ، فعند تقييمك لذاتك وللآخرين ، عليك أن تضعي النظم البيولوجية الأربعة في الحسبان . وعندما تتفهمين موقع شخص ما من كل مقياس ، عندها تشرعين في رؤية الشخصية بكامل جوانبها .