البحث العلمي في إسرائيل ومقارنته في بلاد العرب – جزء أخير

البحث العلمي في إسرائيل ومقارنته في بلاد العرب

 

البحث العلمي في إسرائيل ومقارنته في بلاد العرب جزء أخير
البحث العلمي في إسرائيل ومقارنته في بلاد العرب جزء أخير

القسم الثاني: الإهتمام العربي بالبحث العلمي

بينما تزداد مخصصات البحث العلمي في الدول المتقدمة عامًا بعد آخر، إذ تتضاعف كل ثلاث سنوات تقريبًا، وتتجاوز نسبة مخصصات البحث العلمي في بعض الدول المتقدمة 4٪ من إجمالي الناتج القومي، يتخلف البحث العلمي في الدول العربية عامًا بعد عام، رغم زيادة معدل الإنفاق العربي على البحث العلمي في الفترة من عام 1970، وحتى عام 2005م، لكن هذا التقدم الضئيل لا تأثير له على الفجوة الكبيرة بين الأقطار العربية في هذا المجال مقارنة بالوضع العالمي المتسارع. ومما لا شك فيه أن الدول العربية البترولية بدأت في بذل لجهد والإنكباب على البحث العلمي وتشجيعه وسوف نطرق تجربة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودولة قط الى جانب ما يختزنه لبنان من مسيرة واعدة في انشاء مراكز أبحاث رسمية الى جانب البحوث التي تعنى بها الجامعات اللبنانية العريقة.

أولاً: إهتمام حكومي مقبول ودور ضئيل للقطاع الخاص

في العديد من الدول العربية يتم الجزء الأكبر من الإنفاق على أنشطة البحث والتطوير من خلال القطاع الحكومي، يليه قطاع التعليم العالي، بينما يضطلع القطاع الخاص بدور ضئيل أو لا يؤدي أي دور في المشاريع البحثية. ففي مصر، على سبيل المثال، تقدر أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا المصرية بأن القطاع الخاص ساهم بحوالي 5 % فقط من حجم الإنفاق على البحوث في مصر.

 

وتعتبر دولة الكويت أحد النماذج المشرفة في مجال البحث العلمي، حيث تقوم بفرض نسبة معينة من أرباح الشركات لدعم “مؤسسة الكويت للأبحاث العلمية” تقدم كمعونة من القطاع الخاص، وكمورد إضافي لحركة البحث العلمي في جامعاتها ومراكزها البحثية. وتُمثّل دول الأردن والمغرب وعُمان وقطر وتونس والإمارات العربية المتحدة استثناء من هذه القاعدة. حيث يضطلع القطاع الخاص بثلث حجم الإنفاق على البحث والتطوير في الأردن، ونسبة 30 % في المغرب (في 2010)، ونسبة 29 % في الإمارات العربية المتحدة (في 2011،) ونسبة 26 % في قطر (في 2012) ونسبة 24 % في عمان (في 2011). ويقترب الرقم إلى نسبة 20 % في تونس، طبقاً لمعهد اليونسكو لإلحصاء. كما تقوم المشروعات الربحية بتمويل %24 من الإنفاق على البحث والتطوير في قطر، ونسبة %20 في تونس.

بالنظر إلى تواضع الدور الذي يؤديه القطاع الخاص في العالم العربي، ليس هناك وجه استغراب في انخفاض نسبة المنتجات عالية التقنية من بين الصادرات الصناعية، ولا سيما في دول الخليج. وتحتل المغرب موقع الصدارة في المنطقة من حيث الصادرات عالية التقنية، وتحتل المركز الثاني بعد مصر بالنسبة لعدد براءات الاختراع. ومن المثير للاهتمام أن اثنين من الاقتصادات المعتمدة على البترول حققا أعلى نسبة للمنشورات العلمية لكل مليون مواطن في العام 2014.

فإلى جانب مصر، فإن مخرجاتهم نمت بصورة أسرع مما حققته أي دولة أخرى خلال السنوات الأخيرة. كما أن قطر والمملكة العربية السعودية حققتا أعلى نسبة اقتباس عن منشوراتهما وثلثا الأبحاث التي نشرها علماء في العالم العربي في الفترة ما بين 2008 و2014 كانت بالشراكة مع شركاء دوليين. وتعد مصر والسعودية والولايات المتحدة الأمريكية أقرب المتعاونين، ولكن العلماء الصينيين أصبحوا أيضاً شركاء رئيسيين للعراق وقطر والمملكة العربية السعودية. ومن الجدير بالملاحظة أن مختارات تومسون رويترز Reuters Thomson لأكثر الباحثين المقتبس عنهم لم تشمل سوى ثلاثة فقط من العلماء العرب ممن يعود ارتباطهم لعام 2014 الأول “الجامعات في العالم العربي

ثانياً: الإهتمام الحكومي في دول عربية رائدة

المملكة العربية السعودية

لقد اقترحت خطة التنمية الخمسية لعام 2010 تخصيص مبلغ 240 مليون دولار أمريكي للمنح البحثية كل عام، جنباً إلى جنب مع خلق عدد من مراكز البحوث وحاضنات التكنولوجيا بجامعات مختلفة. وطبقاً للتصنيف الأكاديمي لجامعات العالم لعام 2014، فإن كلاً من جامعة الملك عبد العزيز، وجامعة الملك سعود جاءتا من بين أفضل 500 جامعة على مستوى العالم. وقد نجحت الأولى في اجتذاب أكثر من 150 من أكثر الباحثين المقتبس عن أبحاثهم من أنحاء العالم كأساتذة، ونجحت الأخرى في اجتذاب 15 منهم. ومن المتوقع من الأعضاء الدوليين لهيئة التدريس القيام بإجراء البحوث في المملكة العربية السعودية بالتعاون مع أعضاء هيئة التدريس السعوديين.

وقد سعدت هذه السياسة كلتا الجامعتين على التقدم في التصنيف الدولي، كما زادت من مُخرجات البحوث بصورة عامة، وأسهمت في بناء قدرات محلية في البحث والتطوير. وتقوم مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتكنولوجيا – KACST بلعب دور الوكالة الوطنية للعلوم، وكذلك تعمل كنقطة مركزية للمعامل الوطنية. فالمدينة تشارك في صنع السياسات وتجميع البيانات وتمويل البحوث الخارجية. كما أنها تعمل كمكتب وطني لبراءات الاختراع.

وإدارة التخطيط بمدينة الملك عبد العزيز مسؤولة عن تطوير قواعد البيانات الوطنية الخاصة بمؤشرات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. كما تقوم المدينة بإجراء بحوث تطبيقية في عدد كبير من المجالات المتنوعة، بما في ذلك البتروكيماويات، وتكنولوجيا النانو، وعلوم الفضاء والطيران، والمواد المتقدمة، والرياضيات، والصحة، والزراعة، وتقنيات البناء. كما أنها تعمل كحاضنة تكنولوجية من خلال تقوية الروابط بين الجامعات البحثية وبين القطاعين العام والخاص لتشجيع الابتكار ونقل وتطبيق التكنولوجيا ذات الاحتمالات التجارية.

الإمارات العربية المتحدة

تم إطلاق الهيئة الوطنية للبحث العلمي في مارس/آذار العام 2008 بواسطة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ويمكن للباحثين أفراداً أو كمجموعات بحثية من الجامعات والمعاهد البحثية العامة والخاصة والشركات أن تتقدم بطلبات تنافسية للحصول على منح. وللحصول على الموافقة، يجب أن تتخطى المقترحات لجنة دولية من المحكمين، وتثبت أنها تحقق فوائد اجتماعية واقتصادية. وجامعة الإمارات العربية المتحدة هي المصدر الرئيسي للبحوث العلمية في البلاد. فمن خلال مراكزها البحثية ساهمت بصورة كبيرة في تنمية الثروات المائية والبترولية والطاقة الشمسية والطاقة المتجددة والعلوم الطبية في البلاد.

ومنذ العام 2010، قامت الجامعة بتقديم 55 طلب براءة اختراع على الأقل. ومنذ يونيو/حزيران العام 2014، تم منح حوالي 20 براءة اختراع للجامعة. وقامت جامعة الإمارات العربية المتحدة بتكوين شراكات بحثية قوية في مجالات مثل البترول والغاز والمياه والرعاية الصحية والإنتاجية الزراعية والحماية البيئية والأمان المروري وإعادة تأهيل الأبنية الخرسانية. وتشمل مركز زايد بن سلطان آل نهيان للعلوم الصحية، المركز القومي للمياه، مركز بحوث النقل البري والأمان المروري، مركز السياسة العام والقيادة، مركز خليفة للهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية، ومركز بحوث الطاقة والبيئة.  كما أنها أسست شبكة بحوث نشطة من الشركاء في دول منها: أستراليا، فرنسا، ألمانيا، اليابان، جمهورية كوريا، عمان، قطر، سنغافورة، السودان، المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.

وتتبوأ تونس والمملكة العربية السعودية حالياً موقع الصدارة في العالم العربي في مجال الإلكترونيات. وتقوم الإمارات العربية المتحدة بالاستثمار بصورة مكثفة في تقنيات الفضاء. وفي مجال الطاقة المتجددة، تحتل المغرب موقع الصدارة في الطاقة المائية.. كما أن الجزائر والأردن والمغرب وتونس تُطوّر الطاقة الشمسية. وتمتلك مصر والمغرب وتونس خبرة في مجال طاقة الرياح يمكن أن تنتفع بها الدول الأخرى الراغبة في الاستثمار في هذا المجال، بما في ذلك دول الأردن وليبيا والمملكة العربية السعودية والسودان والإمارات العربية المتحدة. وتعتبر المغرب والسودان في الوقت الحالي هما المستخدمان الأساسيان للكتلة الحيوية   – biomass.

مصر ما بعد الثورة

تحت عنوان “الحمية الثورية” فاضت إلى البحث العلمي تَعتبر وثائق سياسات البحث العلمي الحالية في مصر العلوم والتكنولوجيا مجالاً حيوياً لمستقبل البلاد. فالدستور الذي تم تبنيه في العام 2014، يفوّض الدولة بتخصيص 1% من الناتج المحلي الإجمالي لأغراض البحث والتطوير، وينص على أن تضمن الدولة حرية البحث العلمي وتشجع مؤسساته كوسيلة نحو تحقيق السيادة الوطنية، وبناء اقتصاد المعرفة الذي يدعم الباحثين والمخترعين.

ولعقود كان البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر مركزياً بصورة كبيرة، وتحت سيطرة القطاع العام. فأنشطة البحث والتطوير كان أغلبها يتم من خلال جامعات ومراكز بحثية تديرها الدولة من خلال وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والتي انقسمت إلى وزارة التعليم العالي ووزارة البحث العلمي في العام 2014. أما مراكز البحوث المصرية فكانت متفرقة بين وزارات مختلفة، ولكن يتم حالياً تنظيمها تحت مظلة المجلس الأعلى للمراكز والمعاهد البحثية بهدف تحسين التنسيق فيما بينها.

وقد أوصى تقرير اليونسكو للعلوم لعام 2010 بأن تقوم الدول العربية بإنشاء مراصد قومية للعلوم والتكنولوجيا والابتكار. فتم إطلاق المرصد المصري للعلوم والتكنولوجيا والابتكار في فبراير/شباط 2014 لتقديم النصح حول استراتيجيات صنع السياسات وتخصيص الموارد من خلال جمع البيانات وإعداد التقارير حول تطور قدرات البحث العلمي والتكنولوجيا الوطنية. والمرصد المصري تستضيفه أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا المصرية. وقد نُشرت أول مجموعة بيانات في العام 2014 ولم يقم المرصد بجمع بيانات عن مشاريع قطاع الأعمال، ولكن رغم ذلك أوضح زيادة في نسبة إجمالي الإنفاق على البحث والتطوير من 43.0% إلى 68.0% من الناتج المحلي الإجمالي ما بين العامين 2009 و2013. وقد أقر المرصد أيضاً بوجود ما يعادل 22000 باحث يعمل وقتاً كاملاً في المؤسسات البحثية الحكومية، و26000 في الجامعات العامة. وأكثر بقليل من نصف جامعات مصر والبالغ عددها 42 جامعة هي مؤسسات عامة ويوجد بها ثلاثة أرباع المقيدين في الجامعات.

قطر.. دولة حاضنة للتكنولوجيا

تدعو الرؤية الوطنية لقطر 2030 إلى إيجاد توازن أمثل بين الاقتصاد الحالي القائم على البترول وبين اقتصاد المعرفة الذي يتميز بالابتكار وريادة الأعمال، والتميز في التعليم، وتقديم خدمات عامة بكفاءة. ولدعم هذا التحول نحو اقتصاد المعرفة، فإن ميزانية الحكومة للتعليم حتى العام 2019 قد تم زيادتها بحوالي 15%.

حديقة قطر الجديدة هي الحاضنة الرئيسية للتكنولوجيا في البلاد. حددت استراتيجية قطر الوطنية للبحوث (2012) أربعة مجالات ذات أولوية وهي: الطاقة، البيئة، العلوم الصحية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وعندما قامت مؤسسة قطر بتأسيس واحة (حديقة) قطر للعلوم والتكنولوجيا ركزت على تلك المجالات الأربعة. وقد أصبحت الواحة حاضنة قطر الرئيسية للتنمية التكنولوجية، ولتسويق البحوث ودعم ريادة الأعمال. ومع وقوع الواحة داخل المدينة التعليمية لمؤسسة قطر، فلدى الواحة إمكانية الوصول إلى موارد مجموعة من الجامعات البحثية الرائدة التي لها هوائيات – antennae في الواحة، بما في ذلك خمس مؤسسات أمريكية: مدرسة الفنون بجامعة فيرجينيا Virginia Commonwealth University School of the Arts  وكلية ويل، كورنل، للطب College Medical Cornell Weill ، وجامعة تكساس Texas A&M University  بقطر جامعة ميلون كارنيجي Carnegie Mellon ، وجامعة جورج تاون  University Georgetown

لبنان والإهتمام الرسمي بالبحث العلمي

على الرغم من وجود أكثر من 50 جامعة خاصة وجامعة أهلية واحدة في لبنان، فإن أغلب البحوث العلمية تقوم بها ثلاث مؤسسات فقط الجامعة اللبنانية، وجامعة القديس يوسف، والجامعة الأمريكية في بيروت.(5) وأحياناً تتعاون هذه المؤسسات مع إحدى المؤسسات البحثية الأربعة التي يديرها المجلس الوطني للبحوث العلمية – CNRS  (المنشأ في العام 1962) و/أو مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية.  ويحتسب لبنان عدداً من المنظمات غير الحكومية كمنظمات نشطة في البحث العلمي، منها الأكاديمية العربية للعلوم (المنشأة العام 2002) والجمعية اللبنانية لتقدم العلوم (المنشأة في العام 1968) كما تأسست الأكاديمية اللبنانية للعلوم بواسطة مرسوم حكومي في العام 2007. وحيث أنه لا توجد وزارة مسؤولة عن رسم السياسات القومية للعلوم والتكنولوجيا يعتبر المظلة الرئيسية للعلوم ومستشار الحكومة في هذا المجال، فإن المجلس الوطني للبحوث العلمية تحت سلطة رئيس الوزراء. ويؤدي المجلس وظيفة استشارية للحكومة حيث يرسم الإطار العام للسياسة القومية اللبنانية للعلوم، كما أنه يقوم على مباشرة وتشجيع وتنسيق المشروعات البحثية. ويدير المجلس أيضاً المركز الوطني للجيوفيزياء، والمركز الوطني لعلوم البحار، والمركز الوطني للاستشعار عن بُعد، والهيئة اللبنانية للطاقة الذرية.

في العام 2006، قام المجلس بالانتهاء من إعداد مسودة السياسة الوطنية للعلوم والتكنولوجيا والابتكار بدعم من اليونسكو والاسكوا. وقد استحدثت تلك السياسة آليات تمويل جديدة للبحوث، وشجعت العمل المشترك على عدد من الموضوعات المهمة متداخلة المجالات. كما استحدثت برامج جديدة لدعم الابتكار وبناء القدرات، وبرامج مشتركة لرسائل الدكتوراه، وأسست قواعد المشاركة اللبنانية في المشاريع الرئيسية الأورو – متوسطية.

قام المجلس بتضمين أولويات أنشطة البحث والتطوير في برامج منح البحوث لديه وبالإضافة إلى ذلك، وفي إطار متابعة سياسة العلوم والتكنولوجيا والابتكار، قام المجلس بالعمل على إنشاء المرصد اللبناني للبحوث والتطوير والابتكار –  LORDI (في العام 2014) لمدخلات ومُخرجات أنشطة البحث والتطوير بدعم من الاسكوا بهدف متابعة المؤشرات الرئيسية. ويشارك لبنان في كيان يربط بين مراصد منطقة البحر المتوسط للعلوم والتكنولوجيا والابتكار. وهذا الكيان التعاوني قام بإنشائه بوابة البحر المتوسط للعلوم والسياسة والبحوث والابتكار (مشروع منتصف الربيع) في إطار البرنامج الإطاري السابع للاتحاد الأوروبي للبحوث والإبتكار 2007 – 2013.

وقام مجلس الوزراء اللبناني بتبني خطة العمل القومية لكفاءة الطاقة للأعوام 2011 – 2015. حيث قام بتطوير هذه الخطة المركز اللبناني لحفظ الطاقة، وهو بمثابة الذراع الفنية لوزارة الطاقة والمياه في مجالات كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة والمباني الخضراء.