البحث العلمي في إسرائيل ومقارنته في بلاد العرب – جزء أول

البحث العلمي في إسرائيل ومقارنته في بلاد العرب – جزء أول

البحث العلمي في إسرائيل ومقارنته في بلاد العرب جزء أول
البحث العلمي في إسرائيل ومقارنته في بلاد العرب جزء أول

بالعلم والبحث والاكتشاف والإبتكار، تقدمت دول وارتفع شأنها، في حين تراجعت دول أخرى وقل شأنها نتيجة لعدم الاهتمام بالعلم والبحث واكتفت بأن تكون مقلدة ومستهلكة، ما جعلها تابعة وفاقدة لإرادتها.

تعتبر إسرائيل من الدول التي فاق تقدمها العلمي حجمها وعمرها، وكان الفضل لعنصر التحدي، حيث أرادت أن تتفوق على المحيط العربي الذي زُرعت فيه حتى تحمي نفسها وتثبت أركانها في الكيان المغتَصب، فاتخذت من سفينة العلم والبحث العلمي وسيلة لإثبات ذاتها وفرض هيمنتها، وأوصلتها هذه السفينة إلى مصاف الدول المتقدمة والمتطورة في شتى المجالات، ولا زالت تسير بخطى ثابتة في ذات الطريق.

في الوطن العربي، مقارنة بالواقع العالمي، لا وجود لاستراتيجية واضحة للبحث العلمي، ولا ميزانية مستقلة ومشجعة، فضلاً عن افتقار أغلب المؤسسات العلمية والجامعات العربية إلى أجهزة متخصصة بتسويق الأبحاث ونتائجها وفق خطة اقتصادية إلى الجهات المستفيدة مما يدل على ضعف التنسيق بين مراكز البحوث والقطاع الخاص. كذلك يسجل الخبراء غياب المؤسسات الاستشارية المختصة بتوظيف نتائج البحث العلمي وتمويله من أجل تحويل تلك النتائج إلى مشروعات اقتصادية مربحة. إضافة إلى ضعف القطاعات الاقتصادية المنتجة واعتمادها على شراء المعرفة.

صانع القرار الإسرائيلي هو ابن البيئة العلمية، ونتاجها، لذلك كثيراً ما يلجأ إلى مراكز الأبحاث العلمية وأصحاب العلم والاختصاص، من اجل اخذ الرأي والمشورة في القرارات المختلفة التي تهم الدولة، وتعتبر مراكز الدراسات المختصة بالفكر والبحث العلمي واستطلاع الرأي مؤثرة في سياسات صانع القرار الإسرائيلي.1

ما هو الدور الذي تقوم به مراكز أبحاث العلوم الإنسانية في إسرائيل؟ وما هي أهم مراكز الأبحاث في الكيان الصهيوني؟ وهل لمراكز الأبحاث في إسرائيل دور مؤثّر في صناعة القرار؟

ما حفّزني لطرق هذا الموضوع لم يكن الفارق في الإهتمام الرسمي والخاص ما بين دولة الكيان الغاصب والدول العربية، فقط، بل، لقد لمست لمس اليد كباحث أو خبير في قضايا أمنية واستراتيجية أن المعلومات الموثوقة التي أستقي منها مواقفي هي صادرة عن مراكز بحوث أجنبية ونادرا ما تكون عربية، ووجدت نفسي أنني أصبحت “المتلقي” للدراسات الغربية ما يقودنا الى “تسويق” مفاهيم وأفكار غريبة عن مجتمعنا وأمتنا. وقد رمت من هذا البحث دق ناقوس الخطر قبل “الإستتباع اللا إرادي” للأفكار المفروضة علينا، لعل من يسمع!

سنتناول، بداية، في القسم الأول من هذا البحث، أهم هذه المراكز البحثية العلمية في إسرائيل، واهتماماتها الرئيسة، ودورها في صناعة القرار الأمني والإستراتيجي والإقتصادي. فيما يتطرق القسم الثاني إلى سبر أغوار الإهتمام الرسمي العربي بالبحث العلمي، ونفصِّل المساهمة اللبنانية في هذا المجال، ونلقي بعض الضوء على أسباب ضعف البحث العلمي العربي وموقعه العالمي. ونعرض، في الختام، لرؤية منظمة الأونيسكو في تقريرها العلمي الأخير، 2015، للحلول الممكنة لواقع البحث العلمي العربي.

تبلورت في العالم الغربي مع نهاية الحرب العالمية الثانية نظرية تفيد بأنّ العلم والبحث العلمي هما الضامنان لنمو ورفاه المجتمع الحر، وبأنهما لن ينجحا دون تخصيص موارد كبيرة لهما من الميزانية العامة.2 من أهم الوثائق حول هذا التوجه ما كتبه فانيفار بوش Vannevar Bush، رئيس مكتب تطوير البحث العلمي في الحكومة الأمريكية عام 1945، بعنوان “العلم: جبهة غير منتهية” Science the Endless Frontier, 1945. نصت الوثيقة على أهمية العلوم الاجتماعية والفلسفة، وبأنها لا تقلّ أهمية عن العلوم الطبيعية، وقد نتج عن توصيات الوثيقة تأسيس الصندوق القومي العلمي بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1950، بهدف دعم البحث العلمي. تضمنت الوثيقة مصطلح رأس المال العلمي، الذي يمكن تحصيله من خلال مراكمة المعرفة والبحث العلمي، وتحقيق عدة متطلبات، من أهمها3:

–  زيادة الاهتمام بالبحث العلمي في الجامعات ومراكز الأبحاث غير الرسمية.

– تخصيص ميزانيات فيدرالية كبيرة لتمويل نشاطات البحث العلمي.

–  ضمان تدفق الدعم المالي للباحثين في مراكز الأبحاث، لفترة لا تقل عن 5 سنوات.

–  الاعتبار الوحيد لتخصيص الميزانيات للبحث العلمي هو التميز والجودة العالية للبحث.

–  ضمان مطلق للحرية الأكاديمية للباحث، وعدم التدخل في أهداف البحوث ووسائلها.

–  تخصيص موارد فيدرالية لوضع خطط هدفها تدريب وتأهيل الباحثين عبر المنح، ودعم الباحثين الطلاب في مؤسسات التعليم العالي.

مفهوم البحث العلمي

بداية لا بد من توضيح مفهوم البحث العلمي حيث يعرف على أنه مجموعة من النشاطات والتقنيات والأدوات التي تبحث في الظواهر المحيطة والتي تهدف إلى زيادة المعرفة وتسخيرها في عمليات التنمية لمختلف جوانب الحياة.4 ويسمى البحث علمياً إذا اعتمد على تجميع معلومات كافية ناتجة من تجارب علمية يمكن قياسها والتحقق من دقتها عن طريق الملاحظة أو التجربة وتصنيف نتائجها ومن ثم يصار إلى وضع فرضيات معينة لتفسير تلك الظواهر وتصميم تجارب أخرى لاختبار تلك الفرضيات وتحويلها إلى نظريات.

القسم الأول: مراكز الأبحاث في إسرائيل واهتماماتها ودورها في صنع القرار

 

تتوزع اهتمامات مراكز الأبحاث الإسرائيلية على عدة مجالات. ورغم صعوبة تصنيفها، إلا أنه وبالرجوع إلى النبذة التعريفية المنشورة على المواقع الرسمية لتلك المراكز، ونتاجها البحثي، يمكننا استنتاج الجانب الأبرز لاهتمام كلّ مركز، وبالتالي يمكن توزيعها على تسعة مجالات متداخلة، وهي: الأمن، الأمن والسلام، التخطيط الإستراتيجي والسياسات العامة، القضايا الاجتماعية، الفكر، الاقتصاد، التعليم، التاريخ، تعزيز التعايش. ومن المهم التنويه إلى أن التعريف بهذه المراكز، ونشاطاتها واهتماماتها، يستند إلى النبذة التعريفية المنشورة على مواقعها الرسمية.5 وعلى أهمية كل المراكز واهتماماتها، سنعنى بالشق الأمني والإستراتيجي من تلك المراكز البحثية، وهي:

أولاً: المراكز البحثية الأمنية

أ‌. معهد أبحاث الأمن القومي

تأسس المعهد عام 1977 ليكون مركزًا للأبحاث الإستراتيجية تابعًا لجامعة تل أبيب. تركزت أعماله في قضايا الأمن والدفاع عن إسرائيل. في عام 1983 تغير اسمه ليصبح مركز يافا للأبحاث الإستراتيجية، وبعد أن تطوَّر المركز أصبح اسمه في عام 2006 معهد أبحاث الأمن القومي، وتحوَّل إلى مؤسسة أكاديمية تابعة لجامعة تل أبيب، لكنه يتمتع باستقلال مادي عنها.

قام المعهد بتوسيع مجالات اهتمامه لتشمل: الرأي العامّ، والعلاقات المتبادلة بين المجتمع والجيش، والعلاقة بين المستويات العسكريّة والمدنيّة. يَصدر عن المعهد أوراق تقدير موقف، ومجلة “نظرة عليا”، بالإضافة إلى التقرير الإستراتيجي. معهد أبحاث الأمن القومي، 2016.

ب‌. مركز دراسات الأمن القومي

تأسس المركز في جامعة حيفا عام 2000 لتعزيز البحث والمناقشة العامة فيما يتعلق بالأمن القومي الإسرائيلي، ويهتم بتطوير البحوث متعددة التخصصات وواسعة النطاق، والتي تشمل مجموعة كاملة من مكونات الأمن القومي، السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية، والمساهمة في تشكيل التصورات لدى صناع القرار والمسؤولين في النظام السياسي والعسكري، وذلك بهدف فهم النظام الداخلي والسياق الإقليمي والدولي.

ويسعى المركز إلى إضفاء الطابع المؤسسي على بناء علاقات مع مؤسسات الأمن القومي في العالم، كما يساهم عبر أبحاثه في تشكيل الخطاب العام المتعلق بأمن إسرائيل القومي، وفي تدريب المسؤولين وكبار الضباط في هذا المجال، بالإضافة إلى تدريب الأجيال القادمة من الباحثين.