تمويل البحث العلمي في إسرائيل..الدوافع والمخرجات

تمويل البحث العلمي في إسرائيل..الدوافع والمخرجات

تمويل البحث العلمي في إسرائيل الدوافع والمخرجات
تمويل البحث العلمي في إسرائيل الدوافع والمخرجات
  • مقدمة

يلمح الدارس للتجربة البحثية الإسرائيلية عوامل رئيسية وقفت وراء النهضة العلمية والتقدم التقني فيها، من أهمها: الموارد البشرية التي اعتمدت أساساً على موجات الهجرة، رؤوس الأموال من الخارج، والسياسة العلمية، وارتباط عملية التطور الشامل بصورة وثيقة بالتطور العلمي الذي أدى لتطور مجالات الحياة الأخرى.

ويعود بروز الجامعات الإسرائيلية في البحث العلمي إلى تخصيص ميزانية مستقلة ومشجعة للبحوث العلمية، كما أن الحصول على منحة بحثية لا يستغرق إجراءات طويلة ومعقدة مع الجهات المانحة، فضلاً عن كونها لا تركز فقط على عملية التدريس، بل تمنح قسطاً وافراً من تركيزها على البحوث العلمية لأسباب عدة، وهي ترصد الميزانيات الضخمة للبحوث العلمية لمعرفتها بالعوائد الضخمة التي تغطي أضعاف ما أنفقته.

ولذلك يرمي البحث لدراسة محاور الإستراتيجية العلمية البحثية الإسرائيلية، من خلال تتبع آليات وطرق التمويل، الرسمي والأهلي، لها عبر المحاور التالية:

1- إبراز عناصر إستراتيجية تمويل البحث العلمي في “إسرائيل”،

2- دراسة مدى تأثير التمويل بشقيه الرسمي والأهلي على مسار التقدم البحثي،

3- إبراز الانجازات التي تحققت نتيجة لهذه الإستراتيجية التمويلية،

ويهدف البحث لتحقيق جملة من الأهداف والأغراض، من أهمها:

1- التعرف على طرق تمويل البحث العلمي في “إسرائيل”، وبيان أثره في تعدد مجالاته، والدور الذي يقوم به في مجال التنمية، والتعرف على الأجهزة القائمة عليه،

3- الكشف عن مدى إسهام بعض الجامعات الإسرائيلية في توفير بعض الإمكانات الضرورية لأعضاء الهيئات التدريسية فيما يخص البحث العلمي،

4- تسليط الضوء على حجم دعم وتمويل مؤسسات ومراكز البحث العلمي في “إسرائيل”، ومعرفة الاتجاهات البحثية الأكثر دعماً فيها.

سيعتمد البحث على المنهج الوصفي، لأنه يناسب طبيعة الدراسة، حيث يمكن الاستفادة منه في وصف التطور الذي مرت به مسيرة تمويل البحث العلمي في “إسرائيل”، من حيث نشأته وتطوره، ودوره في تحقيق مطالب التنمية، ومتطلباته ومجالاته.

أولاً: مواكبة البحث العلمي للمشروع الصهيوني

شهدت مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين بين عامي 1918-1948 إنشاء البنية العلمية التي نما منها الجهد العلمي الإسرائيلي الحديث، فقد أقيمت الجامعة العبرية بالقدس، وجامعات “بار إيلان”، و”بن غوريون”، و”حيفا”، و”تل أبيب”، ومعهد العلوم التطبيقية “التخنيون”، ومحطة الأبحاث الزراعية في “رحوفوت”، ومعهد “وايزمان”، والمعهد الجيولوجي، ومختبر الفيزياء.

كما أسست لجنة الطاقة النووية، وأقيم أول حاسوب الكتروني، ومعهد أبحاث النقب، وإنشاء مركز الأبحاث الصناعية وشركة أبحاث البحار، ويمكن القول أن هذه المؤسسات والمراكز البحثية شكلت مرحلة بناء البنية المؤسسية للجوانب العلمية والبحثية.

وعينت الحكومة الإسرائيلية في وقت لاحق مجلساً للأبحاث العلمية والصناعية، مهمته الأساسية ربط الطاقة العلمية بالجهد الحربي، وشكل نموذجاً أولياً للمعالجة الرسمية لقضايا العلم والتكنولوجيا، وغيرها الكثير مما بات وثيق الصلة بمراكز صنع القرار لاسيما في المجالين الاقتصادي والأمني، فضلاً عن الجانب العسكري.

ومن منطلق اعتبار البحث العلمي أولوية قومية، كان لابد من تخطيط إسرائيل للسياسة التعليمية، وتحديداً التعليم العالي والبحث العلمي، بما يمكنها من تخصيص كل قطاع أو فرع بحاجته من الموارد البشرية والمالية.

ولفهم مدى مخرجات المراكز التعليمية والمعاهد البحثية ومؤسسات التعليم العالي في إسرائيل، بات الخريجون في اختصاصات العلوم الأساسية والتطبيقية المصدر الأول لكوادر العلماء، ففي عام 1973 توفر لديها 2400 عالم، وبعد عشر سنوات 1983 ارتفعوا إلى 4600، وفي عام 1990 بلغوا 25 ألفاً، وفي أواخر التسعينات وصل عدد العلماء والمهندسين 135 ألفاً، ما يعني أن هناك عالماً لكل 10 آلاف إسرائيلي. (فرجاني، 1999، ص42).

وفي عام 2000 بلغ عدد المهندسين الإسرائيليين العاملين في البحث والتطوير 3.8 بالألف من السكان، عشرة أمثال الرقم في حالة العالم العربي، حيث يتصدر معهد “التخنيون” مؤسسات التعليم العالي والمراكز البحثية، فقد تخرج منه حتى أخر عام 1997 نحو 40 ألف مهندس وعالم ومهندس عمارة وأطباء وخبراء في شتى العلوم والتكنولوجيا.

ويتوزع هؤلاء في مراكز البحث الإسرائيلية على مختلف القطاعات العلمية والصناعية والزراعية وسواها، لاسيما وأن قطاع الالكترونيات لوحده يستوعب 40 ألف مهندس، ثلثهم من خريجي الجامعات، و60% منهم مهندسون وتقنيون. (شوفاني، 2002، ص558).

ما تقدم يشير إلى أن هذه المخرجات العالية لمؤسسات التعليم العالي والمراكز البحثية ساهمت بجانب الهجرة، في انتقال “إسرائيل” لمجتمع صناعي جديد، نسبة العاملين في العلوم والتكنولوجيا أواسط الثمانينات تبلغ 33% من مجموع القوة البشرية العاملة.

 

ثانياً: الإنفاق على استقدام الكفاءات البحثية، والتكفل بكلفة الإنتاج البحثي

تعتبر أنشطة البحث العلمي التي تجري في إطار المراكز والجامعات الإسرائيلية من أقوى الأنشطة البحثية في العالم، بسبب كثرة عدد الباحثين والمختصين، ووفرة تكوين فرق بحثية متكاملة، وانشغال عدد كبير من أعضاء هيئة التدريس في المجالات البحثية والتجارب العلمية، وعدم استحواذ الميزانيات الإدارية على النصيب الأوفر من المخصصات الجامعية.

وفي حين أن دولة عربية كبرى كمصر، لا يزيد إنفاقها على البحث العلمي 1% من ناتجها القومي، وفى البلدان الغربية يصل 4،3%، تبلغ ميزانية “إسرائيل” 4 أضعاف ما تنفقه مصر على البحث العلمي، كما إن اهتمامها بمتابعة وقراءة كل ما يتم نشره وبثه عبر وسائل الإعلام المختلفة، جعلها أكثر قدرة وتأثيراً على القرارات الدولية، وتحتل المركز الثالث في تكنولوجيا المعلومات، بينما تحتل مصر المرتبة الستين بين دول العالم، مما يؤدى بالتالي لانخفاض معدل إنتاجية البحث العلمي فيها. (الريس، 1985، ص54).

أكثر من ذلك، فإن عدد الأبحاث العلمية المصرية المعترف بها دولياً خلال العشرين عاماً الماضية لا يزيد عن 43 بحثاً، وهو العدد الذي تقوم “إسرائيل” بإنتاجه خلال شهر واحد، كما أن عدد المراكز البحثية الغربية البالغة ألف مركزاً، وتضم العديد من العلماء والباحثين في المجالات المختلفة، وقيامهم باستخدام خلاصة الفكر العلمي، ووضعه في خدمة صانع القرار الدولي.

وتقوم سياسة البحث العلمي في “إسرائيل” على إيجاد التكامل بين السياسات العلمية في الدولة، وتتمثل قدرات برامج البحث والتطوير في عدد من المؤسسات الحكومية، في توفير الحد الأقصى من الإنفاق والتمويل لجملة من هذه المؤسسات، ومنها:

أ- هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية ومؤسساتها، وهي أخطر المراكز العلمية، كونها تشرف على جميع الأبحاث الذرية في الجامعات والمعاهد التكنولوجية،

ب- المجلس القومي للبحث والتطوير ومؤسساته: وقد تأسس ليتولى صياغة سياسات البحوث العلمية، والتنسيق بين المؤسسات في أنشطة البحث والتطوير، والإشراف على الأنشطة البحثية في 7 جامعات 12 معهداً حكومياً وأهلياً، ويتبع المجلس عدد من المؤسسات المختصة.

ج- دائرة التطوير: وتختص بالبحث والتطوير في صناعة التكنولوجيا الحديثة التي تقوم على الإلكترونيات والبيولوجيا والعلوم الذرية وعلوم الفضاء، ويتولى علماؤها اقتراح مجال الأبحاث على المعاهد والمختبرات العلمية، ومتابعة الاختراعات الجديدة لدراسة مدى الاستفادة منها في “إسرائيل”، وتوجيه طلاب المرحلة الثانوية لمجال الدراسة المتفق مع ميولهم.

وهناك مؤسسات علمية غير حكومية، وروابط مهنية مختلفة تعمل جميعاً في إطار منسجم، وتعتبر اتفاقيات التعاون العلمي والتكنولوجي التي أقامتها “إسرائيل” مع دول العالم المتقدمة، وما نتج عنها من مؤسسات بحوث مشتركة ركناً أساسياً في منظومتها العلمية والتكنولوجية، وتوفر عدداً من الإيجابيات البحثية، من أهمها:

  1. تفتح للعلماء الإسرائيليين مراكز البحث والمختبرات الأمريكية والغربية،
  2. تنفيذ برامج بحثية في العلوم الطبيعية والتكنولوجيا،
  3. إجراء بحوث علمية دورية، مدة الدورة البحثية 3 سنوات بتكلفة 3 ملايين جنيه إسترليني،
  4. تأسيس جمعيات إسرائيلية غربية للبحث والتطوير العلمي والتكنولوجي بميزانيات قدرها عدة ملايين من الدولارات لتمويل عشرات المشاريع البحثية المشتركة، في مجالات إنتاج الأجهزة النانومترية، والإلكترونيات الدقيقة،
  5. مساهمة “إسرائيل” في البرامج الأوروبية للبحث التكنولوجي،
  6. حصول الباحثين الإسرائيليين على تمويل مالي أوروبي وأمريكي. (شعبان، 1999، ص87).

وتتبوأ إسرائيل المركز الرابع في العالم في النشاط العلمي، حسب معطيات جمعها مجلس التعليم العالي، ويتقدم عليها فقط كل من سويسرا والسويد والدانمرك، من حيث عدد المقالات العلمية لكل مليون مواطن، فقد نشر الباحثون الإسرائيليون خلال عام 2005 فقط، 6309 بحثاً في دوريات علمية أجنبية، كما أن دورهم في النشاط العلمي العالمي يقارب 10 أضعاف نسبتهم من سكان العالم، أما الجدير بالملاحظة فهو عدد المرات التي استشهد فيها علماء أجانب بمواد سبق ورودها ضمن مقالات الإسرائيليين. (عبد العال، 2002، ص54).

ولما أدركت “إسرائيل” ما تعيشه الجامعات العربية عموماً، من ظاهرة هروب الطلاب من الأقسام العلمية، مما قد ينذر بانقراض العلماء مستقبلاً، فقد قامت بإجراءات إدارية وإنفاق موازنات طائلة حتى لا تنتشر ظاهرة هروب الكفاءات العلمية إلى الخارج بحثاً عن مناخ أفضل للمعيشة والبحث العلمي، نتيجة انخفاض الدخل المادي للباحثين مما يصرفهم عن بحوثهم، وعدم مواكبة التقدم العلمي في الخارج، نتيجة استنزاف طاقاتهم في توفير متطلباتهم الأساسية، وتحسين مستوى معيشتهم، في ظل ضعف التمويل المادي للبحوث والدراسات الجادة، وعدم توافر الأجهزة والمعامل اللازمة في مجال العلوم البحتة، وكل ذلك قد يجعل المجتمع الإسرائيلي “بيئة طاردة للعقول”، والكفاءات العلمية إلى الخارج. (زحلان، 2000، ص114).

ولذلك، عرض وزير التربية والتعليم الإسرائيلي “غدعون ساعار” على مجلس الوزراء خطة تهدف لتعزيز البحث العلمي، من شأنها منع هجرة الأدمغة، وتشجيع علماء إسرائيليين متفوقين في الخارج على العودة لـ”إسرائيل”، وبموجب هذه الخطة ستقام 4 مراكز تفوق في 4 مجالات علمية، بكلفة 45 مليون شيكل، ما يوازي 14 مليون دولار، لكل مركز، وتشمل هذه المجالات بحث الأسس الجزيئية لأمراض البشر، وبحث العمليات المعرفية، وعلوم الحواسيب، ومصادر الطاقة المتجددة. (أوبر، إيلي، 2010).

ورغم أن عدد الأفراد الإسرائيليين المشتغلين بأنشطة البحث العلمي غير معلوم بالدقة المطلوبة، فإن هناك عشرات الآلاف من العلماء ممن يضمون بينهم شخصيات علمية متميزة، وكفاءات نادرة في أنشطة العلم والتكنولوجيا، يحصلون على مكافآت مجزية، يتوزعون بين قطاعات الأداء العديدة كالتعليم، والإنتاج، والخدمات، وهناك متخصصون في العلوم الطبيعية، الطبية، الهندسية والتكنولوجية، الزراعية، والاجتماعية.

كما باتت المؤسسات العلمية البحثية في “إسرائيل” تشكل نقطة لاستقطاب العلماء، من خلال ما تقدم لهم من “إغراءات” محفزة، لاسيما في مجال المكافآت المالية، وتوفير الأدوات البحثية اللازمة، وذلك لسد الفجوات التكنولوجية فيها، وتختص معاهدها البحثية بالمجالات المتقدمة، وعلوم الصدارة التي أصبحت ضرورة لتحقيق النهضة التكنولوجية، وتطويع التطورات العلمية في خدمة الإنتاج والخدمات.

كما تعمل المؤسسات الإسرائيلية على رفع القدرات البحثية للعلماء الشباب، والاستفادة منهم في المهجر، والربط التطبيقي بين البحوث العلمية واحتياجات السوق في قطاعي الإنتاج والخدمات، وإشراك القطاع الخاص فيها ضماناً لتوجهها للاحتياجات الفعلية، والعمل على التنبؤ التكنولوجي باحتياجات الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية لضمان القدرة على المنافسة فيها، لعلها تسهم في صنع نهضة تكنولوجية تساير منجزات العلم، وتخدم المجتمع، وكل ذلك لن يتحقق بدون دعم سخي، ونفقات عالية المستوى والحجم.

إلى جانب اهتمام “إسرائيل” في استقطاب العلماء والباحثين والأساتذة والمتخصصين، للمساهمة بتطوير البحوث والدراسات من جهة, ولتأسيس جيل إسرائيلي علمي من جهة أخرى, ولتحقيق ذلك توجه قادتها بدعوة كل العلماء اليهود بأن يهرعوا لـ”إسرائيل” ليضيفوا علمهم إلى عوامل أمنه وبقائه.

وقد مثلت الدول الغربية والشرقية المتقدمة، وفي طليعتها الولايات المتحدة، معيناً لا ينضب استمدت منه “إسرائيل” كل أشكال الدعم المالي والمادي لرفد البحث العلمي والتفوق التكنولوجي، وفي ظل قانون الجنسية المزدوج أصبح كل عالم أو تقني يهودي موظفاً لخدمة المشروع الصهيوني يمده بآخر المنجزات التي دفعت الدول الأخرى ثمناً غالياً مقابل الحصول عليها، وإذا ما توافرت شروط هجرته الكاملة حمل خلاصة جهوده وجهود زملائه العلماء إلى “إسرائيل” هدية مجانية! (حيدر، 2004، ص265).

هذه الأرقام وغيرها تشير إلى أن ما وصل “إسرائيل” كانت هجرات نوعية تمثل قطاعات رفيعة التعليم، متميزة الدراسة، والكثير منها عمل في قطاعات علمية وتكنولوجية شديدة التقدم والحساسية، وكل ذلك ألقى بظلاله، وأعطى تأثيراً هائلاً على مسيرة البحث العلمي فيها.

كما يتمحور التعاون في البحث العلمي الإسرائيلي مع دول الخارج حول 3 محاور:

  1. علاقات مهنية بين علماء ومؤسسات بحثية من دول مختلفة،
  2. تمويل البحوث في “إسرائيل” من خلال صناديق أبحاث في الخارج،
  3. علاقات علمية وتكنولوجية ضمن إطار اتفاقيات رسمية.

ولذلك، تشترك “إسرائيل” في أغلب المؤتمرات العلمية ذات المستوي الرفيع المنعقدة في الخارج، وجاءت في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في ترتيب الدول المشاركة في المؤتمرات العلمية، ولعل المستوى الرفيع للبحوث الإسرائيلية في الخارج هو ما أثار اهتمام صناديق البحوث في العالم، ودفعها للمساهمة بمسيرة البحث العلمي في “إسرائيل”.

ففي إطار الاتفاقات الموقعة مع الخارج سافر من “إسرائيل”، وحضر إليها نحو 1000 باحث خلال 5 سنوات، ضمن إطار هذه الاتفاقات، كما يعقد كل سنة 10-15 ندوة مشتركة، ويوجد نحو 50 برنامج بحثي مشترك بين علماء إسرائيليين وآخرين من الخارج.

كما طرأ تطور نوعي على علاقات “إسرائيل” العلمية مع الخارج بعد توقيع الاتفاقية العلمية مع السوق الأوربية المشتركة، وأصبح بمقتضاها تحت تصرف “إسرائيل” مجمل المنجزات العلمية الجماعية لدول المجموعة الأوروبية.

أما التطور الأكبر فهو الذي نتج من تطور العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وأبرز تعبير عنه تمثل في الصندوق القومي الأمريكي الإسرائيلي للبحوث، وبدء عمل صندوق قومي آخر للبحوث الصناعية، ومشاركة “إسرائيل” فيما أطلق عليه “مشروع حرب البحوث” خلال عهد الرئيس الأمريكي الأسبق “رونالد ريغان”، باعتباره الانجاز الأكبر. (حسين، بيروت، 1989).

مع الأخذ بعين الاعتبار أن واشنطن ما كانت تنوي إشراك أحد في هذا المشروع العلمي الخطير، لما ترتب عليه من منح خزانة التكنولوجيا والبحث العلمي الأمريكية أمام “إسرائيل”، لولا المستوى المتميز للباحثين الإسرائيليين، حيث قدمت 150 بحثاً لبرنامج “حرب النجوم”، ما يدل على أنها قطعت شوطاً بعيداً في ميدان البحوث العلمية. (حسين، 1989، ص96).

ثالثاً: المخصصات المالية المجزية للبحث العلمي

يعود بروز الجامعات الإسرائيلية في البحث العلمي إلى تخصيص ميزانية مستقلة ومشجعة للبحوث العلمية، كما أن الحصول على منحة بحثية لا يستغرق إجراءات طويلة ومعقدة مع الجهات المانحة، فضلاً عن كونها لا تركز فقط على عملية التدريس، بل تمنح قسطاً وافراً من تركيزها على البحوث العلمية لأسباب عدة، وهي ترصد الميزانيات الضخمة للبحوث العلمية لمعرفتها بالعوائد الضخمة التي تغطي أضعاف ما أنفقته.

علماً بأن الإنفاق العالمي عام 1990 بلغ 450 مليار دولار على البحث العلمي والتطوير، ولهذا فإن مخصصات البحث العلمي في “إسرائيل” تزداد عاماً بعد آخر، وتتضاعف كل ثلاث سنوات تقريباً، وتتجاوز نسبة مخصصات البحث العلمي في بعض السنوات 4٪ من إجمالي الناتج القومي. (الريس، 2000، ص217).

والمتأمل لتاريخ حركة البحث العلمي في “إسرائيل” وروافدها، يظهر له الدور الحيوي الذي لعبه التمويل الخارجي لأنشطة البحث العلمي في المراحل الأولى من تأسيس الدولة، حيث إن 40% من مصادره كانت إعانات من دول شتى على رأسها الولايات المتحدة ثم فرنسا والاتحاد الأوروبي، إضافة لاعتمادها على نظام “الحالوكاه”، أي صدقات اليهود في الخارج.

وبعد تشكل كيان الدولة ومؤسساتها أظهرت الحكومة مصداقية إيمانها بأهمية البحث العلمي في تحقيق قفزات متقدمة، فخصصت 3% من دخلها في تمويل البحث العلمي، متخطية بهذه النسبة جميع دول العالم، وكان تأثير هذه السياسة ظاهراً على المؤسسات التعليمية الإسرائيلية، سواء في تعدد المراكز والمعاهد البحثية المستقلة منها، أو الملحقة بمؤسسات التعليم العالي.

وقد جاءت “إسرائيل” وإيسلندا والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية والدانمارك في المراكز الخمس الأولى عالمياً من حيث الإنفاق على التعليم بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي، وكانت “إسرائيل” الأولى بإنفاق يبلغ 8.3% على التعليم من ناتجها المحلي، وإيسلندا 8%، وأميركا 7.4%، وكوريا الجنوبية والدانمارك 7.25% لكل منهما. (نعمان، 2007، ص12).

ومن دلالات الأهمية القصوى والمكانة المتميزة للبحث العلمي في “إسرائيل”، ذلك الإنفاق السخي عليه، وتخصيص نسبة ملائمة من الناتج المحلي لميزانية الأبحاث، وقد تطورت هذه النسبة من1.5% عام 1965، إلى 2.2% عام 1977، ثم 3% سنة 1984، فـ3.7% عام 2000، لتصل 4.8% عام 2002، وإذا علمنا أن الناتج المحلي الإجمالي لـ”إسرائيل” 110 مليار دولار، فإن نصيب البحث العلمي 5.3 مليار دولار!

كما يساهم القطاع الخاص بنسبة 74% من الموارد المخصصة للبحث العلمي، ما يؤشر على دور ووظيفة إنتاجية البحث العلمي، وعائده التراكمي المجزي، بحيث يجري اقتطاع النسبة، لأن تلك البحوث ساهمت بتحسين الإنتاج وتعظيمه، وهذا الإنفاق دلالة على الدور الاجتماعي لها، وارتباط البحث العلمي بالإنتاج.

وقد احتلت “إسرائيل” المرتبة الأولى عالمياً من حيث نصيب الفرد من الإنفاق على البحث العلمي، وجاءت بعدها الولايات المتحدة الأمريكية، ثم اليابان، أما الدول العربية، فهي مائة مرة أقل منها، فـ”إسرائيل” تنفق 1272.8 دولار سنوياً للفرد، والدول العربية في آسيا بما فيها الدول النفطية نصيب الفرد 11.9 دولار فقط على البحث العلمي.    (حسان، 2006، ص54).

وبالنظر لنسبة الإنفاق على البحث العلمي من حيث الدخل القومي، فإنها تتساوى في الصرف على البحث العلمي مع اليابان والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، بل إنها تتقدم على دول كإسبانيا وتركيا. (الكتاب السنوي الإسرائيلي، 1993، ص603).

وفي مصادر أخرى، فإن “إسرائيل” تنفق على البحث العلمي ما يساوي 1% مما ينفق في العالم أجمع، وتنفق ضعف ما تنفقه الدول العربية مجتمعة على البحث العلمي والتطوير، وهي أعلى دولة في العالم من حيث نسبة الإنفاق على البحث العلمي من الناتج القومي.

رابعاً: تمويل تشجيع الابتكار والمبادرات الفردية

هذا العامل يعتبر “سبباً ونتيجة” في نفس الوقت، لأن المناخ المواتي للبحث العلمي من إنفاق مادي وبنية تحتية واهتمام الدولة، ووجود عائد مجزي له في تعظيم الإنتاج، وتوافر المعرفة العلمية أكاديمياً وتجريبياً، يهيئ المناخ الملائم للمبادرات الفردية والإبداع المتمثل ببراءات الاختراع، حيث ارتفع عددها في “إسرائيل” من 210 عام 1949 إلى 790 عام 1985 ثم 1212 عام 2002، وتكاتف إسهام الداخل والخارج برفع عددها، سواء المنتجة أو المسجلة فيها.

وقد استطاعت “إسرائيل” إيجاد آليات، واعتمدت على وسائل مكنتها من توفير الأموال اللازمة للإنفاق على البحث العلمي، وتنويع مصادره، والإنفاق عليه بسخاء من ميزانياتها، مع العلم أن نسبة إنفاق الأقطار العربية على البحث العلمي بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي لم تتعد 0.3٪ كافة، بما يعادل 1.7 مليار دولار فقط، وهي نسبة ضئيلة عند مقارنتها بما تنفقه “إسرائيل”، التي تنفق على الجوانب البحثية العلمية، ما عدا العسكري، 9.8 مليارات شيكل، بما يوازي 2.6٪ من حجم ناتجها الوطني عام 1999، أما عام 2004 فقد وصلت النسبة 4.7٪.

علماً بأن معدل ما تصرفه على البحث والتطوير في مؤسسات التعليم العالي يوازي 30.6٪ من الموازنة الحكومية المخصصة للتعليم العالي، ويصرف الباقي على التمويل الخاص بالرواتب والمنشآت والصيانة والتجهيزات، بعكس ما يحدث في البلدان العربية، إذ أغلب الموازنة المخصصة للبحث العلمي تصرف على الرواتب والمكافآت والبدلات وغيرها، كما أن المؤسسات التجارية والصناعية الإسرائيلية تنفق ضعفي ما تنفقه الحكومة على التعليم العالي. (ربايعة، مركز أبحاث المعلوماتية في الجامعة الأمريكية، 2010).

وحظيت الجامعات الإسرائيلية بمراكز متقدمة على المستوى العالمي حسب التصنيفات الدولية، خاصة الجامعة العبرية التي احتلت المركز 64 على مستوى العالم، بينما لم يرد ذكر أي من الجامعات العربية في الخمسمائة جامعة الأولى، كما حاز 9 علماء إسرائيليون على جائزة نوبل، ويقدر عدد العلماء والباحثين العرب في جميع الدول العربية بـ124 ألفاً، بينما في “إسرائيل” وحدها 24 ألفا، وفي مصادر أخرى يقدر عددهم بـ90 ألف عالم ومهندس يعملون في البحث العلمي، وتصنيع التكنولوجيا المتقدمة، خاصة الإلكترونيات الدقيقة والتكنولوجيا الحيوية.

وبالنسبة لبراءات الاختراع، المؤشر الأكثر تبايناً بين الدول العربية و”إسرائيل”، فقد سجلت الأولى مجتمعة 836 براءة، بنسبة 5% من المسجلة في الثانية، التي سجلت 16805 براءة، وقامت عام 2008 بتسجيل 1166 براءة، لتفوق إنتاج الدول العربية مجتمعة في تاريخها!

وقد عرفت “إسرائيل” في وقت مبكر ما يعرف بـ”مشروع الحاضنات التكنولوجية”، وهي مؤسسة تهدف لتقديم الفرصة للمبتكرين لتطوير وتحويل ابتكاراتهم إلى مشروعات جديدة، وتسويق منتجاتها، وبدأ المشروع بـ350 مشروع مبتدئ، حيث تمتلك الحاضنة 20% من رأس ماله، ويهدف لدعم القدرات الابتكارية في مراحلها المبكرة، ومساعدة المبتكرين في تطبيق أفكارهم، وتتولي كل حاضنة 10-15 مشروع في نفس الوقت، وتقوم بتقديم الدعم والمساعدة في:

أ- تحديد إمكانية تطبيق وتسويق الفكرة المطروحة،

ب- تصميم خطة البحث والتطوير، وتنظيم فريق البحث،

ج- توفير رأس المال اللازم للتسويق،

د- الخدمات الإدارية والمحاسبية والاستشارات القانونية. (إيلي، 2010).

كما نشر الباحثون الإسرائيليون 138,881 بحثاً, ونشر نظراؤهم العرب 140 ألفاً، ورغم أن العدد متقارب, إلا أن جودة ونوعية الأبحاث الإسرائيلية أعلى بكثير من نظيرتها العربية, وفقاً لتقدير منظمة اليونسكو، وهو أمر يمكن الاستدلال عليه من عدد اقتباسات الأبحاث المنشورة.

كما يتبين أن “إسرائيل” تعتمد بشكل كبير على المراكز البحثية القائمة داخل الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، حيث تبلغ معدلات الإنفاق الحكومي على البحوث فيها أعلى نسبة في العالم بنسبة 30.6٪، بينما يصرف القطاع الخاص 52٪ من الإنفاق العام على الأبحاث والتطوير، مما يجعلها تحتل المركز الثالث في العالم في صناعة التكنولوجيا المتقدمة، والمركز الخامس عشر بين الدول الأولى في العالم المنتجة للأبحاث والاختراعات.

وبالنسبة لعدد سكانها قياساً لمساحتها فهي الأولى في العالم على صعيد إنتاج البحوث العلمية. (ربيع، مركز الزيتونة، 2011).

وقد تبين أن “إسرائيل” تتداول أسهم أكثر من 100 شركة في البورصة التكنولوجية، وأنها تصدر اليوم من بضائع التكنولوجيا العالية 40٪ من إجمالي صادراتها، وبالتالي، فإن إلقاء نظرة متأنية لما يجري في قطاع البحث العلمي في “إسرائيل”، ومراقبة التطور المذهل لصناعة التكنولوجيا العالية فيها، واستغلالها وعملها المتنامي على توسيع أسواق لمنتجاتها، وجذب رؤوس أمول أجنبية، يشير إلى حجم التحدي الذي سيواجه الجامعات ومراكز البحوث العربية، خاصة وأن المواجهة العلمية لزمن السلم، ربما تكون أصعب بكثير من المواجهة في زمن الحرب!