رواية بين الأطلال – الجزء الأول

رواية بين الأطلال الجزء الأول

رواية بين الأطلال – الجزء الأول

رواية بين الأطلال الجزء الأول
رواية بين الأطلال الجزء الأول

سوط على قلب

امتحان

1

أطالت ” سامية ” الوقوف أمام المرآة .. وأخذت تفحص نفسها جيداً .

إنها تشعر لأول مرة .. أنها تهم باستعمال سلاح طالما احتقرته .. واستكبرت عليه .. وأنفت من استعماله .

إنها توشك أن تستعمل سلاح جمالها وفتنتها .. وهو سلاح عتيق في نظرها ما ظنت قط أن الظروف ستلجئها إليه .

ولكنها الآن وهي تستعرضه أمامها بعد أن باتت في حاجة إليه .. ترى أنه لن يخذلها .. إنه ليس بمفلول ولا صديء .

كانت ” سامية ” مخلوقة ذكية .. مفرطة الذكاء .. شديدة الثقة بذهنها وسلامة تفكيرها .. وقد دفعها هذا الاعتداد بعقلها .. إلى الانكباب على الدراسة والميل إلى التحصيل والاندفاع وراء الشهادات .

كانت تلميذة أكثر منها أي شيء آخر .

ويعلم الله أيهما كان أسبق من الآخر .. أو أيهما كان علة الآخر ، أهو برودها العاطفي وضعف الأنوثة في نفسها الذي سبب اندفاعها إلى الدراسة ، وإفراطها في التحصيل والقراءة .. أم أن هذا الاندفاع والإفراط هما اللذان سببا برودها وعدم إحساسها بأنوثتها ؟

على أية حال .. سواء أكان هذا سبب ذاك .. أم ذاك سبب هذا .. لقد كانت هي لا تشعر بأية غرابة في تصرفها وإحساسها . بل كانت تجد أن هذا هو الطريق الطبيعي الذي يجب أن تسير فيه كل فتاة .

كانت تدرك أن هذا هو طريق استقلال المرأة .. وحصولها على حريتها في التصرف في الحياة .. والبت في مصير نفسها .

كانت تعرف أن سبب الاستبعاد هو العجز والحاجة ، فالمرأة مستعبدة .. لأنها تجلس على قارعة طريق الحياة .. منتظرة من يأخذ بيدها فيأويها ويطعمها ويكسوها .. ويعطيها اسماً ومعاشاً .. إن مصيرها في الحياة وأملها في الأرض معلقان على عابر السبيل الذي سيتناولها من بين آلاف المنتظرات .. ليسير بها في ركب الحياة .. وبغير هذا تبقى العمر مترقبة تتلهف في إعياء ويأس .

حمق !! وغباوة !! هذا هذا هو ما جعل النساء في الأرض مستعبدات ذليلات .. إنهن يشكون لأن الرجل يتحكم في مصيرهن !

ماذا يمنعه من ذلك ؟ . ما دمن هن قد وضعن مصيرهن في يده ، وعلقن به حياتهن .. لا .. لا .. يجب عليها ألا تجلس في انتظاره .. إنها ستسير من البداية في الركب .. إن حاجته إليها أكثر من حاجتها إليه .. ستسير معه جنباً إلى جنب ، بل ستسبقه في السير .. ستكون هي المسيطرة على نفسها .. المتحكمة في مصيرها .. وإنهالن تجلس قط في انتظار ” العروس ” .. بل لن تحاول أن تشعر نفسها أنها في حاجة إلى رجل .. ولن تدع مخلوقاً يتحكم في مصيرها .

وبهذا التفكير .. أخرجت من ذهنها ومن قلبها كل إحساس بأنوثة .

كانت تكره العجز الاستكانة ، وكانت تشعر في نفسها أنها أذكى من كل من حولها .. فلم لا تسير في طريق الاستقلال دون أن يكون لأحد سيطرة عليها .. كقلب .. أو روح .. أو جسد ؟

ولقد نجحت في خطتها ولا شك .. إن طبيعتها الهادئة ، وتفكيرها الرزين ، وتربيتها الطيبة .. وعاطفتها المستكينة في هدوء بلغ حد البرود .. كل ذلك قد ساعدها في ميلها ، وجعل منها نموذجاً لطالبة علم .

وإن لم تحاول ” سامية ” أن تتبع طريق الوقار والجد والتحفظ ، والمبالغة في الاحتشام والانطواء ، فقد كان هذا لا يلائم طبيعتها ولا ذكاءها ، وكانت تعرف أن هذا طريق كبت ووجوم لا يلبث أن يؤدي بها إلى الضيق بحياتها والتبرم بدراستها .

وكانت مخلوقة ، ضاحكة ، وكان مظهرها المرح لا ينبئ عن هذا التفوق الذي تحصل عليه ، ولذا فقد كانت دائماً موضع دهش مدرساتها اللاتي كن يتهمنها دائماً بأنها ” لعبية ” .

وعندما حصلت على ” البكالوريا ” أنبأت أمها أنها تريد أن تتم دراستها في الجامعة ، فرحبت أمها بطلبها ، إذ كانت دائمة الترحيب بكل مطلب لها فهي شديدة الحب لها والثقة بها .

وفي الجامعة وجدت مشقة كبيرة في الاستمرار على طريقتها في معاملة الناس ، فقد كان من العسير عليها المحافظة على سمعتها الطيبة مع مرحها وعدم تكلفها .

كانت المسألة تختلف كل الاختلاف عن مدرستها الثانوية التي لم يكن بها سوى البنات ، والتي لم يكن هناك موضع لسوء تأويل مرحها وبساطتها وضحكها وحبها لزميلاتها .

لقد بدأت تقاسي في الجامعة من الفتية ما لم تتعوده . كانت كل ضحكة استهتاراً ، وكل ابتسامة .. غمزة ، وكل كلمة رقيقة وقوعاً في هوى .

قاست طبيعتها في أول الأمر .. ولكنها لم تلبث أن تفرض عليهم شخصيتها كما هي ، ولم يلبث الكل أن فهموها على حقيقتها ، وعندما فشل كل فتى في أن يجعل منها حبيبة خاصة ، أحبوها بالإجماع حباً يملؤه الاحترام والتقدير وجعلوا منها صديقتهم جميعاً .

كانت مخلوقة جذابة مسيطرة .. لم تحاول قط أن تستعمل في سيطرتها سلاح المرأة .. فقد كانت تعلم أنه قد يكون مرهفاً حاداً ، ولكنه قصير الحد ، سطحي الإصابة ، محدود الأثر .. أما سلاح الذكاء وفطانة الذهن ، وطيب الخلق ، وحسن المعاملة ، فقد كان أوسع أثراً وأبعد مدى .

وكانت تكره أن يمتدح أحد مظهرها ، ولم تحاول قط أن تفحص بعين الإعجاب وجهها أو تتبين قوامها .. فقد كانت لا تجد في هذه الميزات السطحية ما يستحق الفخر ، وكانت دائمة الصد لكل هجوم عاطفي .. شديدة التباعد عن كل إرهاف للحس وإثارة للمشاعر .

وانتهت الدراسة الجامعية ، وحصلت على دبلوم الآداب بتفوق .. ولم تكن سنها تزيد على الاثنين والعشرين عاماً .

وسألتها أمها وهي تقبلها وتضمها إليها :

  • ماذا تنوين بعد هذا ؟
  • الدكتوراه .

وهزت أمها رأسها في عجب وتساءلت :

  • وما آخر هذا .. إنك تجهدين نفسك ، وأنت لست في حاجة إلى كل هذه الشهادات .. إن مصيرك إلى الزواج كمصير أي فتاة ، ولن تكون الدكتوراه التي ستتعبين نفسك في الحصول عليها ، بذات أثر كبير عندما تقبعين في بيتك .
  • لن أقبع في بيت .. سأواصل الدراسة حتى النهاية . إني لن أتزوج ، ولن أفكر في الزواج .

وضحكت أمها وربتت على كتفها وقالت لها كأنها غدت طفلة غريرة :

  • بل ستتزوجين يا حلوة .. وستنسين كل هذه الخرافات التي تدرسينها ولن تحتاجي إلا إلى مهارتك في تربية أولادك والسهر على راحتهم وترويض زوجك على ما فيه سعادتكما ، ولا أظن الدكتوراه ستمنحك خبرة كبيرة في هذه المسائل .
  • لا تخشي عليّ .. ستسمعين عني في الغد .. سأجعلك أماً لأول وزيرة في مصر . إن لي أهدافاً كبيرة . سأحرر المرأة وأعطيها حقوقها .

وهزت الأم رأسها في يأس . وقالت لها :

  • يا لك من فتاة حمقاء ! .. ألا تعلمين أن حق المرأة في بيتها .. بين زوجها وأولادها !
  • إن هذا هو الذي يفسد كل شيء . إن حق المرأة في الحياة والمجتمع كحق الرجل سواء بسواء .
  • ما علينا .. أنت وما تشائين .. قومي للعشاء .

واستقر رأيها أخيراً على الطريقة التي تحصل بها على الدكتوراه .

كان عليها أن تدخل معهد الصحافة ، فتدرس به ثلاث سنوات .. فإذا ما حصلت على الماجستير أمكنها أن تتقدم برسالتها للحصول على الدكتوراه .

وكان سبب اختيارها لمعهد الصحافة .. هو ميلها إلى الكتابة واعتقادها أن طريق الصحافة هو خير وسيلة لتحقيق غرضها وبلوغها أهدافها التي تسعى إليها في تحرير المرأة .

وكان عليها أن تؤدي امتحان الدخول . وفي عصر اليوم المحدد كانت تجلس في المدرج المتسع لمئات الطلاب والطالبات ، وكان المدرج يطن بأحاديثهم كأنه خلية النحل وقد أخذوا يتحدثون قبل بدء الامتحان .

واستطاعت أن تميز الكثيرين والكثيرات من زملائها وزميلاتها في الكلية ، وأخذت توزع التحيات والابتسامات والضحكات هنا وهناك ، وكان بين الممتحنين كثيرون من خريجي الكليات الأخرى ممن لم ترهم من قبل .

وبدأ المراقبون يتوافدون الواحد بعد الآخر ، ثم أخذوا في توزيع أوراق الإجابة ، وبعد برهة قصيرة أقبل أحد الأساتذة يحمل مظروفاً به ورق الأسئلة ، ووزعت الأسئلة ، وساد السكون إلا من بضعة أسئلة تتصاعد من هنا وهناك .. ما لبثت حتى خفتت وانهمك الكل في الإجابة .

ولم تكن قد استعدت للامتحان استعداداً خاصاً ، فقد كان الامتحان غير محدود الأبواب وكان لا يستلزم إلا معلومات عامة .. كان امتحاناً في العربية والإنجليزية والترجمة .

ولم تكن تقيم وزناً لامتحان العربية .. فقد كانت تعتبر نفسها في العربية أستاذة .. كانت كاتبة مجيدة ، وكثيراً ما نشرت لها الصحف الكثير من المقالات .

ولم تكن أيضاً تأبه للترجمة ، لأنها كانت تعرف أنها ترجمة من الإنجليزية إلى العربية ، ولو كانت العكس .. لأقضت مضجعها .

أما الذي كانت تكرهه وتخشاه فهو امتحان الإنجليزية ، لقد كانت على قوتها في كل المواد .. تكاد لا تحصل في الإنجليزية من الدرجات إلا على الكفاف ، على ما يكاد يجعلها تمر ، وكانت تقول مازحة .. إنها تقصد مقاطعة الإنجليز وإعلانهخم بكرهها لهم ورغبتها في جلائهم .

وكان أول امتحان هو الإنجليزية .

وجلست تقرأ الورقة مرة ثانية ، وهي تتسلى بقضم أظافرها .. عادة مخزية في مثل سنها .. إذ كانت لا تترك لأظافرها فرصة للنمو والطلاء ، ولكنها لم تكن تستطيع التخلص منها .

كان الامتحان لا يزيد على كتابة موضوع إنشاء .. وكانت مطمئنة إلى أنها ستعرف كيف ” تدردرش ” . وإن عجزها في الإنجليزية لن يمنعها عن ملء بضعة صفحات بالكلام ” الفارغ ” .

ولكنها فوجئت في رأس الموضوع الأول ، بكلمة لا تعرف لها معنى .. كلمة لم تسمع بها من قبل .

وتركت الموضوع الأول ـ حمداً لله ـ إن لديها فرصة للاختيار .

وهبطت بنظرها إلى الموضوع الثاني .. إنه يبدو سهلاً !! ولكن سحقاً له .. ما معنى هذه الكلمة ؟ . إنها لم تسمع بها أيضاً من قبل .

وتملكها ارتباك شديد .. ماذا يقصدون بهذا ؟ وماذا تستطيع أن تكتب وهي لا تفهم ماذا يطلبون منها ؟

ولتفتت حولها في قلق فلم تجد أحداً تعرفه ممن يحيطون بها .

ويحها ! أهكذا يخذلها الامتحان هذا الخذلان ؟ أترسب في امتحان الدكتوراه ؟ . أتقف كلمة في سبيل مستقبلها ، وتحريرها للمرأة ؟

لو تعرف نساء مصر أن مصيرهن معلق بهذه الكلمة ، لأحضرن لها قواميس الأرض .

ولكنها لن تخذل . لن تيئس .. إنها ستسأل جارها .. إنه يبدو سميناً ” كالحلوف ” وقد أكب على ورقته ، وأخذ يزفر ، وينفخ ، ويمسح العرق المتصبب من وجهه ، كأنه في عراك مع ورقة الإجابة . ترى من أية كلية هو ؟ إنه لا يبدو متخرجاً في كليات .. إن به شبهاً كبيراً من بقال رومي قريب من دارهم . كيف سمحوا له بدخول الامتحان ؟ ولكن ما لها هي ولهذا . إن عليها أن تسأله فقد يجيبها .

وتلفتت نحوه ، ثم همست متسائلة عن معنى الكلمة . لم يبد عليه أنه سمعها .. فعادت تهمس مرة أخرى . وأخيراً تلفت إليها في ضيق ، ونفخ بأنفه نفخة حارة .. ثم عاود الانكباب على الورق .

وأحست بالخيبة ، وعادت تقرأ ورقة الأسئلة ، ثم هزت رأسها في يأس .

وتلفتت نحو المراقبين ، وقد تناثروا في أنحاء المدرج . إنها تعرف أحدهم ، معيداً في اللغة العربية . ترى هل يعرف معنى الكلمة ؟ لا أظن ، وياللسخافة !! ما فائدة أن يحضروا مدرس العربية في امتحان الإنجليزية !

وهي تعرف البعض الآخر بمجرد النظر .. سبق لها أن رأتهم في أنحاء الكلية ، ولكنهم لا تعرفهم معرفة شخصية . لا شك أنهم لن يبخلوا بالإجابة .

ولكن من هذا ؟

إنه فتى صغير ، يتحدث مع أحدهما ، لا شك أنه طالب . ولكن ماذا أوقفه في زمرة المراقبين ؟ ولماذا لا يجلس للامتحان ؟ قد يكون طالباً من الخارج ، يسأل عن أي شيء ؟ ولكن ما له يتحدث هكذا بدون كلفة ، ويتكئ بيده على المنضدة ؟ قلة أدب ، إنه طالب وقح .. إنها تكره الطلاب الوقحين ، على أية حال هذا ليس وقته الآن .. المهم أن تجد من يذكر لها معنى الكلمة .

ووجدت الفتى قد غادر موقفه أمام المراقب ، ثم أخذ يتجول في المدرج .. منتهى قلة الأدب . إن شكله لا بأس به .. فهو أنيق إلى حد ما .. ولكن هذا لا يعطيه الحق في التجول في مدرج الامتحان . إنه يقترب منها .. يقترب . يقترب .. لقد وصل بجوارها .

ورفعت رأسها تحدق فيه بدهش .. وأصابه من تحديقها شيء من الارتباك . وتحسس كرافتته وياقته ، ليطمئن على أن ليس به شيء مثير .. ثم لم يتمالك أن هز رأسه وسألها مستنكراً :

  • فيه حاجة ؟

وقاحة . ماله ومالها .. وسألته بنفس الاستنكار :

  • ماذا تفعل هنا ؟

وعلت وجهه الدهشة وأجابها ببساطة ؟

  • أراقب .
  • تراقب ؟ تراقب من ؟
  • الممتحنين .. أنت وأمثالك ؟
  • أنت مراقب ؟
  • أجل ! أفي ذلك ما يزعجك ؟
  • أبداً .. أبداً .. فقط ظننتك طالباً .

وبدأ كأن الحديث قد أزعج ” الحلوف ” المنهمك في الكتابة بجوارها . فقد التفت إليها في غيظ وقال مسكتاً إياها وعلى وجهه علامات الحنق :

  • هش .

وأومأت برأسها مهدئة ، وقالت له :

  • حاضر .. لقد سكت .

وأكبت على الورقة في صمت . فسألها الفتى ( كانت تأبى أن تسميه في ذهنها إلا كذلك ) المراقب :

  • ما بالك لا كتبين ؟
  • سأكتب .
  • ولكن مضى نصف ساعة أو أكثر وأنت لم تكتبي شيئاً !
  • وما أستطيع أن أكتب ، وأنا لا أعرف ماذا يريدون مني أن أكتب ؟
  • ماذا تقصدين ؟
  • لست أفهم رأس الموضوع .
  • اكتبي عن الآخر .
  • ولا الآخر .
  • كيف ؟

وعاد ” الحلوف ” ينظر إليها مغتاظاً ويزجرها بقوله :

  • هش .

ولكنها صاحبت به ثائرة :

  • هش أنت .. بلاوي .. حد عملك حاجة ؟

ثم أردفت قائلة للمراقب :

  • يوجد كلمة لا أعرف لها معنى .
  • ما هي ؟
  • أتظنك ستعرفها ؟
  • ربما .. فإني مدرس إنجليزية .
  • أنت ـ مدرس إنجليزية ؟
  • أجل !

ودفعت الورق أمامه ، وأشارت بقلمها إلى الكلمتين واضعة خطاً تحت كل منهما . وأجابها المراقب ببساطة :

  • هذه تعني كذا ، تلك تعني كذا .. أظنك تستطعين الكتابة الآن ، بدل الحملقة في المراقبين , والتشويش على الممتحنين .

وخرجت من الامتحان راضية .. وعادت إلى الدار فقصت على أمها القصة ضاحكة .

وبعد بضعة أيام انتهى الامتحان .

وبضعة أيام أخر ظهرت النتيجة ، فإذا بها قد اجتازت الامتحان .

هزلت

2

وفي أكتوبر حل موعد الدراسة ، وكانت قد حصلت من قبل على جدول الدراسة ومواعيدها .. كانت الدراسة تبدأ يومياً من الرابعة إلى الثامنة ، وكانت العلوم في نظرها ( لطيفة ) ولا شيء يبدو معقداً ، أو عسيراً .. ومعظم الأساتذة الذين سيقومون بالتدريس لها هم الذين درسوا لها في الكلية : أستاذ العربية ، والإنجليزية ، والترجمة .. أما بقية العلوم كالقانون والمذاهب الاجتماعية ، فإن الذين سيقومون بتدريسها أساتذة معروفون سبق أن سمعت بهم ، وكذلك ما يختص بالصحافة .

وكانت تقطن في ” الدقي ” في أحد الشوارع المتفرعة من ميدان ” عبد المنعم ” في ” فيلا ” صغيرة كانت تسكنها هي وأمها منذ طفولتها ، وقد تعودت أن تقطع المسافة بينها وبين الجامعة سيراً على الأقدام ، إلا إذا كانت في عجلة ، أو كان الجو رديئاً .

ولم تكن اليوم في عجلة ، وكان الجو خريفاً صحواً من قصاصات السحاب المتناثرة في السماء ، المتلاحقة على وجه الشمس ، وكانت تشعر بنشاط وسعادة ، لأنها مقبلة على مرحلة جديدة من الدراسة ، الدراسة العليا التي ستهيئها للدكتوراه ، وستجعل منها ” الدكتورة سامية ” رئيسة الحزب النسائي ، ومحررة المرأة ، ووزيرة الشئون الاجتماعية وربما ( لو اختشى الحظ على دمعه وتساهل معها ) تكون رئيسة وزراء .

ولم تكن تحمل حقيبتها ، التي تعودت أن تحملها دائماً وهي ذاهبة إلى الجامعة ، فهي لا تعرف ماذا سيطلبون منها من كتب .. كل ما كانت تحمله هي كراسة بيضاء ، كتبت الجدول في صفحة منها .

وكانت ترتدي ثيابها التقليدية التي لا تحاول تغييرها وهي ” التايير ” أبيض في الصيف ، ورمادي في الخريف ، وكحلياً أو بنياً في الشتاء .

كانت ترى أن هذا هو الزي النموذجي للدراسة . وأنه يجب أن يوحد بين جميع الطلبة والطالبات ، على أن يستبدل بالجيب بنطلون للطلبة ، وكان وجهها نظيفاً أبيض متورداً بلا مساحيق ولا طلاء .. وشعرها معقوصاً في مؤخرة رأسها وكانت تسير بخطوة منتظمة أشبه بالمشية العسكرية .

ولم تكن بها في الواقع أنوثة فياضة أو جمال فاتن .. لم تكن ناعسة الطرف ، ولا دعجاء ، ولا حوراء ،ولا كان بها ما يبهر أو يثير أو يبعث على الاشتهاء ، ولكنها كانت ما نسميه ” لطيفة ” . لم يكن فيها إغراء يجذب عن بعد ، ولكن عندما يجالسها المرء ويتمعن فيها ، ويسمع حديثها ، يحس بجاذبيتها ، ويحبها ، ولا يصيبه منها ملل ولا سآمة ، ويود أن يطيل الجلوس إليها ورؤيتها مرة ثانية وثالثة .

كان ساذجة في كل شيء .. ساذجة حتى في تركيب جسدها ووجهها .. فهي أميل إلى النحافة ، لا بروز كبير في صدرها وردفيها ، ولكنها مع ذلك لم تكن ممسوحة جرداء .. بل ملفوفة في شيء من الضمور ” مكسمة ” ، رشيقة في غير امتلاء .. أما وجهها فكان منتظم التقاطيع ، دقيق الملامح ، بفمها بعض الاتساع ، ولكنه اتساع مستحب ، ينفرج عن أسنان منتظمة بيض ، وينتهي بفرجتين لطيفتين .

ووصلت إلى الجامعة واتجهت يميناً إلى مبنى الكلية ، وأقبل عليها فراش المعهد ، وكان يعرفها جيداً وحياها بقوله :

  • مبروك يا ست سامية .. عقبى للماجستير والدكتوراه إن شاء الله .. أظن الدراسة ستكون في المدرج ” جـ ” أول مدرج على يدك اليمنى .
  • ألم يحضر أحد من الطلبة بعد ؟
  • أظن واحداً قد حضر ، ودخل المدرج .. والدكتور ” زكي ” حضر .. وهو منتظر في مكتب الأساتذة .

واتجهت إلى المدرج ودلفت إلى داخله ، فوجدت به الطالب الوحيد الذي حضر .. ولم يكن غريباً عليها .. كان ” الحلوف ” المتأفف من حديثها في الامتحان .

عجيب أن ينجح .. إن عليها أن تحتمل رفقته ثلاثة أعوام !

وأومأت إليه برأسها بتحية خفيفة ، فصاح مرحباً :

  • أهلاً وسهلاً .. نهارك سعيد مبارك .

واتخذت مكانها في أول مقعد في الصف الأول .. وأخذت تتسلى بقراءة مجلة كانت تحملها مع الكراسة البيضاء .

وبدأ صاحبها يجاذبها أطراف الحديث . قال بصوت أجش وهو يجفف عرقه بمنديل في يده :

  • حضرتك خريجة الآداب ؟
  • أجل !
  • أي قسم ؟
  • الفلسفة .
  • فلسفة ؟ وأي صلة بين الفلسفة والصحافة .. ماذا دفع بك إلى هذا المعهد ؟
  • كلها دراسة ، وكل دراسة تنفع
  • طبعاً !
  • وأنت متخرج في أي كلية ؟
  • من الطب البيطري .

ولم تستطع أن تكتم ضحكتها ، ولم تستطيع كذلك أن تكتم النكتة التي انطلقت إلى شفتيها .. وكان ذلك من شر عيوبها ، وسألته ضاحكة :

  • طبيب . وإلا .. مريض ؟

وهز ” الحلوف ” رأسه .. إنه لم يفهمها . هذا ستر من الله . وإلا ماذا كان مصيرها . لو فهمها ؟!

وواصلت هي حديثها بسرعة حتى لا تعطيه فرصة لإعادة التفكير فيها .. خشية أن يكتشف ما فيها من إهانة .. قالت لهجة حادة :

  • الصلة كبيرة بين الطب البيطري والصحافة ، أقوى بكثير من صلة الفلسفة بالصحافة ، والواقع أنك ستستفيد كثيراً من دخول المعهد .

وأشار برأسه مؤمناً على قولها .

وبدأ الطلبة يتوافدون . وانتظموا في أماكنهم بعد بضع تحيات فيما بينهم ، كانت تعرف منهم البعض ممن شاركوها دراستها في الكلية ومن بينهم فتاة تدعى ” زينب زكي ” خجولة صامتة ، لا تنبس بأكثر من بضع كلمات في الساعة .

ودقت ساعة الجامعة الرابعة مؤذنة ببدء الحصة ، ولم تكد تنتهي دقاتها حتى أقبل الأستاذ .

كانت قد سمعت عنه من قبل ، وكان له ما يقرب من عشرة مؤلفات ، وكانت تجدها فرصة طيبة لأن تعرفه وتسمع محاضراته ، ولكنه لم يكد ” يهل ” من الباب حتى تذكرت المثل ” تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ” .

دخل الأستاذ المعيدي .. وبيده ” منشة ” ، وباليد الأخرى كتابان ، وعلى عينيه منظار ” دوبلكس ” سميك ، ووجهه أبيض منتفخ ، وجسده قصير بدين أكرش ورأسه أبيض لامع من غير سوء إلا بضع شعرات مرفوعة من جانب الرأس في شبه فرق وملقاة على ” قراعة ” الرأس في محاولة لحجب الصلع ، وقد التصقت بلحم الرأس والتوت أطرافها في شبه علامة استفهام .

ولم يكن شكله أو تكوين جسده بمثير عجبها أو بخافض من قدره في نظرها ، إذ لم تكن تقيم للشكل وزناً كبيراً .

وكانت ترى أن هذا الشكل هو المفروض أن يكون عليه الأساتذة والعلماء والكتبة والعرضحالجية والحلاقون وغيرهم من عباد الله المشتغلين بالرءوس .. رءوسهم .. أو رءوس الغير .. لم ي كن هذا بالعجيب في أستاذ القانون ولكن العجب كان في إفراطه في الأناقة بطريقته الخاصة التي تثير الضحك .

كان يرتدي حلة كحلية ، وحذاء أصفر شبيهاً ” بالبلغ الفاسي ” ، وصديرياً أصفر من الصفوف ورباط رقبة أصفر بنقط حمر .

كان به شبه كبير من ” القرد أو صديري ” لا يكاد يفترق عنه إلا بوردة حمراء في ” عروة الجاكتة ” ، وبأن ” القرد ” ليس بأستاذ وليس له عشرة كتب .

ولا شك أن الأستاذ كان يمكن أن يكون معتدلاً .. لولا ” الطقم ” الأصفر الفاقع الذي شذ به عن الناس ، ولا شك أيضاً أن عنده مرآة رأى فيها نفسه ، ولا شك أن عنده بعض التمييز ليرى أنه يبدو مخلوقاً مضحكاً ، ومع ذلك فقد ارتداه .

وجلس على مقعده ، وكما ارتدى اللبس الذي لم يكن يجب أن يرتديه .. جلس الجلسة التي لم يكن يجب أن يجلسها . لقد وضع ساقاً على ساق ، وساقاه قصيرتان ، وبطنه مدلى والأمر يحتاج إلى جهد ، والجلسة غير مريحة ، ومع ذلك فعلها ، وكشف ـ بتشمير ساق البنطلون ـ عن ساق بيضاء جرداء .. كأنها قطعة من العجين .

ولكن مالها ولكل هذا ، لعنة الله على عينيها الناقدتين ، وعقلها الساخر .. بكل شيء .. أليس من الخير أن تنظر إلى وجه الرجل وتركز ذهنها في حديثه بدل هذا التثقيل في شكله ورسمه ؟! ثم .. إنه أستاذ .. رجل علم .. ومفروض فيه أن يكون على شيء من الشذوذ .

وأخيراً عندما نجحت في تركيز ذهنها في حديثه .. كانت قد مضت نصف الحصة ، وبدأت تلتقط بضعة ألفاظ عامة عن حرية الرأي ، والتشريع ، والقانون .

وبدأ الأستاذ الإملاء ، وانهمكت في الكتابة ، فلم يكن لديها فرصة سانحة في معاودة فحص بقية الطلبة .

وانتهت الحصة ، وانتهت التي بعدها ، وغادرت الجامعة عائدة إلى البيت .

كان الظلام قد حل ، وكانت قد أحست بشيء من التعب ، فسارت متجهة إلى محطة الأوتوبيس ، ولكنها ما كادت تتحرك بضع خطوات حتى سمعت صوتاً يصيح :

  • إلى ذاهب إلى ميدان الإسماعيلية ، من يريد أن أوصله فليتفضل .

ونظرت خلفها فوجدت أحد الزملاء يقف أمام سيارة فخمة داعياً زملاءه لتوصيلهم .

وبمنتهى البساطة عادت إلى السيارة وقالت له :

  • تسمح بتوصيلي في طريقك إلى ميدان عبد المنعم ؟
  • بكل سرور .

وجلست بجواره وجلس طالب آخر في المعقد الخلفي ، ولم يجب الدعوة غيرهما من الزملاء .

وأمام البيت هبطت من العربة وحيته شاكرة ودلفت إلى الداخل .

ومضت أربعة أيام ، وفي كل يوم عندما تنتهي الدراسة كان يدعوها للركوب فلتلبي دعوته ببساطتها المعهودة .

وعرفت منه أنه يعمل بالمحاماة ، وكان يبدو إنساناً رقيقاً مهذباً ، حسن المظهر ، عريق الأصل ، طيب المنبت .

وكانت تجده إنساناً محتملاً .. يمكن احتماله خلال بضع الدقائق عندما تركب بجواره ليوصلها إلى بيتها ، ولم تكن حمقاء حتى لا تدرك أن ركوبها بجواره سيثير لغط الزملاء ولكنها لم تكن  تخشى اللغط ولا تحاول تجنبه ، بل كانت تقدم على ما لا تجد فيه خطأ ولا جرماً ، وتترك اللغط يثار ، وتستمر في مظهرها المرح الساذج وحقيقتها الجادة المستقيمة .. حتى تصمت الألسنة خجلاً أو يأساً ، وحتى يهبط الغبار من حولها ، وتبدو محبوبة بشخصيتها المحترمة وخلقها القويم .

ولم تكن تجهل أنها تثير مطامعه بركوبها بجواره . وأنه قد يتوهمها غنيمة سهلة ، ولكنها لم تكن المرة الأولى أن تتعرض لمثل هذه التجارب ، ولو كانت المرة الأولى التي تخرج منها .. مرفوعة الرأس ، موفورة الكرامة .

وكانت بعض الزميلات ينصحنها بأن توفر على نفسها التجارب ، ولكنها كانت تحب المقاومة وتكره الهدوء والانطواء .

وفي اليوم الخامس ذهبت متأخرة بعض الوقت .. إذ استلقت في فراشها بعد الظهر ، وكانت قد سهرت في الليلة السابقة ، استغرقت في النوم فلم تستيقظ إلا في الرابعة .

وارتدت ثيابها على عجل وهرولت في الطريق ، وتصادف مجيء الأوتوبيس فصعدت إليه ، وبعد بضع دقائق كانت في طريقها على سلم الكلية .

وصادفت عبد السلام الفراش ، وكانت تجد فيه شخصية هزلية تساوي المعهد بأكمله .. كانت له آراء عجيبة في المدرسين والأساتذة ، ولم تكن هذه الآراء بالطبع أو على الأقل معظمها .. مما تنشرح له نفوس الأساتذة .

كان عبد السلام سمين الجسد أسمر البشرة ، دائم احمرار العينين ، غير حليق ولا ملتح .. بل يتناثر الشعر الرمادي الخليط بين الأسود والأبيض على ذقنه ورقبته وصفحة وجهه ، وهو دائماً ـ أعني شعر ذقنه ـ بنفس الطول .. ولست تدري كيف يبقى على حاله .. إن كان يحلقه فلابد أن يقصر في أي يوم .. وإذا كان لا يحلقه فلابد أن يطول في اليوم الآخر ، ولكنه يبدو كأنما يحلقه ولا يحلقه ، وهو يرتدي حلة صفراء من حلل جنود الجيش المصري ، ولكن يبدو أن الجيش المصري لا يعرتف بحجم عبد السلام ، فالسترة لا يكاد يزرر منها إلا زراران العلوي والسفلي .. أما الباقي فهي مفتوحة حتى تعطي لبطنه الفرصة للتحرر والانطلاق فهو يبدو كأنه قتيل متحرك ذو كرش مفتوح .. أو بطن مبقور .. لاسيما وأن البنطلون قد اشترك مع الجاكتة في تهيئة فرصة التحرر هذه .. فلم تنطبق أزراره العلوية وبقي مفتوحاً من أعلى لا يستبقيه في مكانه من بطن عبد السلام إلا ” دكة لباس ” ربط بها .

أما الحذاء فقد بدا كأنه من الممتلكات السابقة لأستاذ القانون .. إذ به أثر لصفرة حائلة وبه نفس الكعب العالي الذي تعود أن يلبسه الأستاذ .

وأقبل عليها عبد السلام مرحباً وهي تهرول مسرعة نحو المدرج فقال لها :

  • على مهلك يا ست سامية .
  • عندنا درس إنجليزي ، المستر ” لي ” يكره التأخير .
  • إن المستر ” لي ” لم يأت .
  • لم يأت بعد ؟
  • ولا قبل ، ولن يأتي .. إنه لم يحضر من أجازته من بلده ، وقد عينوا بدله مدرساً جديداً .. جدع صغير ، لا يملأ العين ، لقد هزلت ، منذ بضع سنين كان الأستاذ …

ولم تسمع ” سامية ” بقية حديثه عن الأستاذ منذ بضع سنين ، بل طرقت الباب ودخلت ، وفي أذنها يطن قول عبد السلام ” لقد هزلت ” .

حقاً .. لقد هزلت .. إنه هو بعينه ، الفتى التي قد ظنته طالباً .. إنه سيقوم بالتدريس لها ، هذه منتهى المهزلة .. ولكن لا بأس .. إنها لن تزيد عن حصة أو حصتين ، يحضر بعدها المدرس الأصلي .

ونظر إليها المدرس الفتى ، وأشار لها في شيء من العبوس والتجهم :

  • تفضلي .

ماله يعبس هكسا .. كأنما يظن نفسه مدرساً حقاً .. ولكنه لا شك يعتريه مركب النقص .. إنه بالطبع سيبالغ في الجد .. حتى يبدو محترماً .. لا بأس عليه ، ستعرف كيف تزيل هيبته وعبوسه .

وكان قد وقف أمام المنضدة ، ووضع أمامه كتاباً مغلفاً وأخذ يتحدث بالإنجليزية الملتوية :

– سنعيد ما قلنا من أجل الآنسة .. ك نا نقول إن المنهج المقرر هذا العام سيشمل عصر النهضة ، ثم تطور الفكر في أوروبا في خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، وسنقدم لهذا بالطبع بشيء عن الحضارة الإغريقية ثم دراسة موجزة لعهد الإقطاع أو ما نسميه العصور المظلمة لأوروبا ، وسأملي عليكم الآن المراجع التي يمكن الرجوع إليها .

ثم أخذ يملي عناوين بضعة كتب إنجليزية .

وكتبت هي حوالي عشرة عناوين ، ثم رفعت رأسها في دهشة متسائلة :

  • سنقرأ كل هذه الكتب ؟
  • هذا هو المفروض .
  • وغير المفروض ؟
  • إلا تقرئيها ترسبي ، ولا أظنك ستجدين دائماً من يذكر لك معاني الكلمات في كل امتحان !

إذاً فهو يذكرها . يذكرها كمخلوقة غبية بالطبع . لا بأس ! ستريه كيف يحترمها . إنهع مخلوق مغرور ، صعب المراس ، ولكنها ستعرف كيف تروضه .

وعاود الأستاذ حديثه قائلاً في تؤده وثقة كبار الأساتذة :

– إن طريقتي في الدراسة هي التركيز في الجوهر ، وهذه هي الطريقة التي أنصح باتباعها ، إذا قرأ أحدكم كتاباً أو موضوعاً ، فيجب أولاً أن يعرف الهدف الذي يرمي إليه الموضوع . ثم يتحسس بذهنه صلب الموضوع .. أو الأركان التي يرتكز عليها .. إن كل موضوع يرتكز على بضع نقط يمكن تلخيصها في بضع كلمات .. أما  طريقة العلاج أو الحشو فهي تأتي بعد ذلك في الأهمية .. لأـنك لو عملت النقط الأساسية ، لاستطعت بشيء من المران في اللغة أن تملأ الموضوع .. على أية حال أنا أحب التركيز وأكره الإسهاب ، وأفضل لأي منكم أن يكتب في الامتحان صفحة واحدة صواباً من أن يكتب أربع صفحات خطأ .

وهزت رأسها في شيء من الدهش وتمتمت قائلة :

  • طبعاً هذا بديهي معروف .. مفهوم تماماً .. ولكن الذي نود التأكد منه مسألى أخرى .
  • ما هي ؟
  • إن صفحة صواب خير بالطبع من ثلاث صفحات خطأ .. ولكن عندما لا يعرف الإنسان الصواب ( وهو الأمر الذي غالباً ما يحدث ) فأي شيء تفضل .. صفحة خطأ أم ثلاثاً خطأ ؟

وحاول المدرس أن يكسو نفسه حلة من الوقار وأن يكتم ضحكة توشك أن تفلت من شفتيه ، ولاحظت هي ذلك ولم تستطع أن تمنع نفسها من أن تقول له بسذاجة :

  • اضحك ما شئت .. فاضحك ليس ممنوعاً على الأستاذة .. قد يحرم الأساتذة الضحك على الطلبة ، ولكن الطلبة لا يحرمونه على الأساتذة .

وضحك الطلبة .. وضحك المدرس .

هذه الفتاة .. دمها خفيف ، ولكن يجب ألا يتساهل معها أكثر من ذلك ، إذ تبدو أنها من نوع لعوب .. يجب قمعها حتى لا تتمادى .

وبعد أن تمالك نفسه أجابها في تؤدة :

  • صفحة من الخطأ تستوي مع ثلاث صفحات ، لأني لن أقرأ سوى بضعة أسطر .. ثم أشطب الباقي .
  • إذاً من الأفضل كتابة بضعة الأسطر التي ستقرؤها ولا داعي للباقي حتى نوفر عليك مشقة الشطب .

بهذا بدأت المعرفة بينهما ، هو يراها فتاة لعوباً ، قبيحة طويلة اللسان ، قليلة الأدب .. وهي تراه فتى دفعه الحظ إلى أن يسبقها في الدراسة بسنة أو سنتين فأضحى مكانه أستاذاً لها ، بدل أن يجلس كتلميذ بجوارها أو بدلاً من أن تكون هي أستاذة له .

هذه هي عقبة أخرى من العقبات .. ستزيلها من طريق المرأة .. يجب أن تتخذ المرأة مكانتها في الجامعة كأستاذة وكعميدة .

صبراً .. صبراً .. أيها الرجال .. ستريكم الدكتورة ” سامية ” مركزكم وقيمتكم .

غيبة

3

انتهى الدرس ، وكان الأستاذ يتحدث بطلاقة وثقة ، ولكنها مع ذلك أصرت على احتقاره ، وإن كانت لم تستطع أن تمنع عينيها من استراق النظر إلى وجهه وقوامه وثيابه .

إن وجهه جذاب ، ولكن ذلك لا يعنيها في شيء ، ولن تشفع له وجاهته ، فهي لابد أن تزيل غروره .

وغادر المدرج دون أن يلقي إليها بنظرة .. لقد أشار بتحية عامة للطلبة جميعاً ، تماماً كما يفعل كبار الأساتذة .

وأبصرته وهو يجلس في سيارة صغيرة ثم يغادر الجامعة ، وجلست هي بجوار صاحبها الذي تعود أن يوصلها إلى بيتها وتحركت بهما السيارة .

وفي الطريق سألها ببساطة :

  • أتذهبين إلى السينما ؟

ابتدأت المحادثات ، وابتدأت السخافات ، هذه هي أول بشائر الهجوم العاطفي الصبياني !

والتفتت إليه في دهش وقالت :

  • وهل هناك مخلوق متمدين لا يذهب إلى السينما ؟
  • أعني تذهبين وحدك ؟
  • ولِمَ ؟
  • أقصد أن نذهب معاً لكي نتسلى برفقة بعضنا .
  • إني أذهب إلى السينما لمشاهدة السينما ، بحيث لا يكون لديّ وقت للتسلية برفقة أحد ، وهذا لا يعني أني أكره أن أذهب إلى السينما معك .. فأنا أجلس أحياناً بجوار رجال ، إذ لا أستطيع أن أحجز صفاً من السينما ليكون خالياً لي ، ولا أستطيع أن أجلس في ( لوج ) بمفردي .. وسواء عندي أن أجلس بجوار غريب أو بجوارك ، فلا أظنك ستضايقني كثيراً .. ولكن ليس هناك ما يدعو لأن نذهب معاً عن قصد .. اذهب أنت إلى السينما وسأذهب أنا إلى السينما ، فإذا تصادف أن كانت السينما واحدة وتصادف كذلك أن كان مقعدانا متجاورين جلسنا معاً .. ولكني لا أرى هناك ما يدعو أن نكلف نفسينا مشقة تحديد المواعيد وارتباط كل منا بموعد الآخر . ليس بيننا ما يحتم علينا هذه المشقة . أليس كذلك ؟ اللهم إلا إذا اعتبرت جميلك في توصيلي إلى البيت بسيارتك ، يعطيك حقاً عليّ ، يحتم عليّ رده .

وكانت قد وصلت إلى بيتها ، وأحس صاحبنا أنها قد لقنته درساً هادئاً ، ولم يملك إلا أن يقول لها متمتماً :

  • إني آسف .
  • لا داعي للأسف .. كان لابد من شيء كهذا لكي تفهمني على حقيقتي .

وفي اليوم التالي عند انتهاء الدراسة وجدته يسير بجوارها متردداً ثم يهمس بقوله :

  • هل أستطيع أن أوصلك كما تعودت ؟

وهتفت بصراحتها وسذاجتها :

  • طبعاً .. إذا لم أكن قد أغضبتك بقولي أمس ؟
  • لا .. لا .. إني أرجو ألا أكون أنا أغضبتك !
  • أبداً .. لا غضب مطلقاً ، نستطيع أن نعتبر المسألة انتهت في وقتها .

وجلست بجواره في السيارة كعادتها ، وأوصلها حتى البيت دون أن ينبس أحدهما ببنت شفة .

ومرت بضعة أيام .. وفي يوم الأربعاء . أحست وهي ترتدي ثيابها للذهاب إلى الجامعة ، بشيء من الحبور والرضا .. لقد كانت منشرحة الصدر في معظم أوقاتها ، ولكنها أحست بمزيد من الانشراح وهي ترتدي ثيابها .

كان انشراحاً أكثر مما يستلزمه ذهابها إلى الجامعة ، كان انشراح الذاهبة إلى حفلة لطيفة ، أو الذاهبة إلى السينما لتشاهد رواية جيدة . كان اليوم موعد الدرس الإنجليزي وسيسرها أن ترى الأستاذ المغرور ، وتقدم إليه بعض ما عندها من المشاكسات والسخريات .

إنها بالطبع ليست معجبة به ، ولو أن به بعض ما يستحق الإعجاب .. ولكنها فقط ، تجده موضع تسلية .

وجلست في المدرج تنتظر هي وبقية الطلبة .. وكانت تسأل زميلها ” الحلوف البيطري ” :

  • ما آخر أنباء مرضاك ؟
  • بخير والحمد لله ، يهدونك أزكى السلام .

ودخل صاحبنا ، الأستاذ الفتى ، وهو يتأبط كتابه ويكسو وجهه العبوس اللازم ، وبدأ دراسته جاداً .

استمر في حديثه عن السفسطائيين وأفلاطون ومذهب الفرد والدولة ، وهي محدقة فيه ، يشرد ذهنها تارة ليجول جولة في شتى المتناقضات ، ويحضر تارة أخرى ليلتقط بعض الرذاذ من المعلومات المتقطعة عن جور جياس وبروتاجوراس وأنتيفون وجلوكون ، ولم يحاول هو أن يوجه إليها نظرة واحدة رغم تنقل بصره بين الطلبة ، كان يتجاوزها بنظره كأنها غير كائنة .

وضايقها ذلك وقويت لديها الرغبة في تحديه ومشاكسته ، ولم يكن هناك بد من تركيز ذهنها لكي تعي ما يقول حتى تستطيع معارضته ومناقشته .

وأنصتت إليه وهو يسترسل في الشرح قائلاً :

  • كان مذهب كاليكليز هو الرفض التام لعدل القانون العرفي والإيمان المتطرف بأن الحق الطبيعي هو القوة أينما وجدت ، لأن القانون جميعه نتاج للعقود التي صاغها الضعفاء ليخدعوا بها الأقوياء عن حقهم العادل الذي تخوله إياه قوتهم ، فالقانون يشرع أخلاق الأرقاء وهي ليست أخلاقاً حقيقية ، لأن الطبيعة والقانون يتعارضان ، والطبيعة هي السنة الحقيقية للحياة الإنسانية ، وعدم المساواة هي قاعدة الطبيعة . أما العرف ، فيطالب الناس بالمساواة . والقوة في كاليكليز هي قوة الجسم والعقل ، ولو نهض السربرمان في قوته فسيلغي سيطرة القطيع وسيتجلى فيه عدل الطبيعة .

وهنا وجدت فرصة سانحة للجدل والمعارضة والمشاكسة ولكن الإقدام عليها لم يكن بالأمر اليسير ، ولم تكن المشكلة في مجرد المعارضة ، فهي طويلة اللسان قوية الحجة ، ولكنها كانت في لغة المعارضة .. لقد كان عليها أن تتحدث بالإنجليزية ، فهو ـ من فرط ” غروره ” ـ يرفض أن يقبل كلمة واحدة بغير الإنجليزية خلال الدرس ، وهي تعتبر إقدامها على المناقشة باللغة الإنجليزية مغامرة في حد ذاتها . فهي لابد أن تحضر في ذهنها مقدماً ما تنوي قوله ، وكان هذا على صعوبته مستطاعاً أما الذي لم يكن مستطاعاً أبداً ، فهو الرد على ما يمكن أن يرد عليها به .. رداً سليماً وسريعاً وبدون أخطاء .. وإلا أصبحت محل استهزاء وسخرية .

ورغم كل هذا فقد دفعتها روح العراك والمشاكسة إلى مقاطعته بقولها :

  • هذا محض خطأ .. فالمساواة هي قاعدة الطبيعة .. ولقد خلقنا الله …

وتوقف المدرس عن حديثه ، ونظر  إليها في دهش وقال لها بهدوء :

  • أولاً .. هذه الكلمة لا تنطق كما تنطقينها ولكن تنطق كذا ( ونطقها نطقاً سليماً ) ، أعيدي نطقها من فضلك يجب عليك أن تتعودي النطق الصحيح .

ولم تجد بداً من أن تكرر الكلمة عدة مرات كأنها تلميذة في الروضة .

وعاد هو يقول في هدوء :

  • وثانياً نحن لا نستعمل هذه الكلمة بالمعنى الذي تقصدينه ، ولكننا نستعمل .. كلمة كذا .

أحست بالندم يتصاعد إلى وجهها ، والخجل يتمكلها بعد أن أوقفها موقف الصبية الصغيرة بمنتهى السهولة .

  • وثالثاً أنا لا أحب أن يقاطعني في حديثي أحد .

وهنا وجدت منفذاً فغضبها فقالت في حدة :

  • ولكن مادمت لا أقرأ رأيك هذا ، فيجب أن أبدي رأيي ..
  • تستطيعين أن تنتظري حتى نهاية المحاضرة ، ثم تبدي ما تشائين من الآراء .
  • إن ما أريد أن أبديه كثير ، فأنا أخالف رأيك على طول الخط .. وإن لم أبد رأيي أولاً فأولاً .. فسأنسى في النهاية ما أريد أن أقوله .
  • تستطيعين أن تكتبي نقطاً تذكرك بما تودين إبداءه . ثم إنه ليس هناك ما يبرر أن تزعجيني وتزعجي نفسك بمخالفتي في الرأي ، لأنه ليس رأيي أنا .. إنه رأي كاليكليز ، وقد أكون أنا نفسي أخالفه في الرأي ، ولكن ذلك لا يمنع من عرض رأيه وشرحه ، وبعد كل هذا أرجوك ألا تقاطعيني .. وإلا اضطررت إلى منعك من حضور محاضراتي .

قالها في حدة وشدة وإصرار ، ثم واصل الحديث في موضوع المحاضرة .

واحمر وجهها خجلاً ، ولم تملك سوى الصمت .. لقد كانت تحب الجدل ، ولكن ذلك لم يكن يدفعها إلى أن تبلغ حد الوقاحة .

كان أقصى ما فعلته هو أن قطبت جبينها وكست وجهها سيماء التجهم طول الدرس .

هذا الفتى المغرور قد هزمها في المعركة وانتصر عليها أعظم انتصار .. لقد هزأ بها وسخر منها وعرف كيف يسكتها ، ويوقفها عند حدها …

وجلست في السيارة بجوار الأستاذ ” أنور ” المحامي وعلى وجهها علامات الغضب ، وتحركت السيارة في طريقها إلى البيت .. ونظر إليها ” أنور ” فوجدها مازالت مقطبة الجبين ، فقال لها في رقة :

  • لا تضايقي نفسك بما قال .. إنه وقح قليل الأدب ، جاهل محدث .. ثقيل الدم .. الحمد لله أنه لن يستمر في التدريس طول العام ، فلا يلبث حتى يأتي المدرس الأصلي ، ويريحنا من ثقله وغطرسته .

هذا ما قاله صاحبنا محاولاً الترفيه عن نفسها ، ولكنها مع ذلك لم تشعر من قوله بشيء من الترفيه .. بل أحست منه بضيق شديد .

والواقع أنها لم تكن في حاجة إلى ترفيه .. إذ لم يكن هناك ـ في قرارة نفسها ـ ما يحزنها ، ولم يكن عبوسها إلا استمراراً لذلك العبوس المصطنع الشكلي الذي كست وجهها به عندما نهرها المدرس !

عجيب أنها لم تكرهه ، ولم تشعر بضيق منه ! وعجيب أن كهرت صاحبنا الذي يجلس بجوارها لأنه انهال عليه بالسباب ، وتضايقت منه لأنه ذكرها بأنه لن يستمر في التدريس لهم حتى نهاية العام .

إن هناك ما يعجبها في هذا المدرس الفتى المغرور .. قد يكون غروره ، وقد يكون شكله ، وقد تكون طريقة حديثه ، أو ” ربطة كرافتته ” ، أو تضفيف شعره .. شيء ما يحدث لها ذلك الانشراح الذي تحس به وهي مقبلة على درسه ، ويسبب لها تلك المتعة الخفية التي تحسها وهي ترقبه خلال انهماكه في الدرس .

إنها ترقبه بنفس المتعة ، التي كانت ترقب بها ” الأراجوز ” في طفولتها ولكنه ليس في نظرها ” أراجوزاً ” . بالطبع ، فهو يمتاز عنه بعض الشيء ملبسه أنيق ، وكبرياؤه أشد .

واتبسمت لنفسها وهي تتصور حاله لو سمع رأيها فيه ، وعرف أنه يشبه عندها ” الأراجوز ” .

وظن ” أنور ” من ابتسامتها أنه قد نجح في تبديد عبوسها بسبب المدرس المأفون ، فأردف يقول ضاحكاً :

  • على أية حال .. لقد عرفت كيف تهزئين به ، وتسكتينه .

كذاب منافق ، إنه هو الذي عرف كيف يهزأ بها ويسكتها ، ولكنها مع ذلك لم تملك إلا أن تجاريه في قوله فقالت ضاحكة :

  • وسأريه إن شاء الله في الدرس القادم ، سأعرفه قيمته ومركزه .. من أين حصل على شهادته ؟
  • يقولون إنه حصل عليها من كمبردج ، لقد تخرج حديثاً ..
  • ألهذا ينفخه الغرور ؟
  • محدث !
  • سأريه من منا الذي سيمنع الآخر من حضور المحاضرات .

وكانت السيارة قد وصلت إلى البيت وستر الظلام قد بدأت في التهدل ، وكان بالجو ريح أميل إلى البرودة والشدة ، تنفخ في أشجار الكافور التي اصطفت على جانبي الطريق ، الذي قام به المنزل .

ومدت يدها تصافحه وهي تطلق ضحكة مرحة ساخرة ، وهمت بجذب يدها والدخول إلى البيت ، ولكنها أحست أنه قد تشبث بيدها مستبقياً إياها في كفه .

وأصابتها دهشة خفيفة وارتباك بسيط ، واشتمت رائحة سخافة جديدة من صاحبها .

ويحه لقد نسى الدرس ، ولكنها ستطعيه درساً جديداً .

ولم تحاول أن تسحب يدها بحركة عنف فاستبقتها قليلاً عله يتركها من تلقاء نفسه ، ولم تجد بداً من التشاغل بأي حديث حتى لا يزيد الصمت من حرج الموقف ، وقالت متسائلة :

  • ماذا لدينا باكراً ؟

ولم يجيبها ، وبدأ كأنه مصر على شيء .

وعادت هي تجيب نفسها :

  • أظن ترجمة ؟

ولم يجبها أيضاً ، ولكنها سمعته يهتف باسمها بطريقة هامسة مرهفة .. هذا الأحمق .. مصر على أن يلقي بحماقته ، ليلقها إذاً ولينته ، وأجابته على همسه بهدوء وفتور :

  • نعم .

واستمر هو بنفس لهجته الحارة .

  • أريد منك مطلباً !

ترى ماذا يريد هذه المرة .. لقد كانت السينما المرة السابقة ، أما الآن فلعلها تكون نزهة خلوية . كلهم كذلك يأبون إلا أن يندمجوا في أدوار العشق والصبابة ، لا جديد على وجه الأرض .. أو لا جديد بين جدران الجامعة ، لقد كانت كل نظرة ترسلها .. أو كل كلمة رقيقة تقولها ، يؤولها متلقيها على أنها بداية غرام .

وأية غرابة في أمر صاحبنا .. إذا كان الحلوف البيطري ، قد بدأ ينسج حولها شباك غرامه .. ألم يعطها بالأمس ” فلة ” وسألها أن تحتفظ بها !!

وغيره ، وغيره .. من الزملاء والأساتذة ، زميلها الصيدلي ، وطبيب الأسنان ، وموظف الإذاعة ، هذا الخليط العجيب قد بدأ كله يصوب إليها سهام الغزل والحب والتودد .. كل واحد على حدة وبطريقته المضحكة الخاصة . كل يريد أن يختص بها نفسه ، وهي لا تصدهم ، ولن تصدهم ، ولكنها ـ كعادتها ـ ستجعلهم يحبونها بالجملة كزميلة وصديقة ، لا كأنثى معشوقة .

وبدا لها أن صابنا هذا أكثر جدياً في حبه وأشد هياماً ، فهو لا ينفك يصوب إليها النظرات الولهى خلال الدرس ، لا يكاد يحول عنها بصره وهو يقف الآن شارداً واجماً ، وقد أطبق على يدها ، يأبى إفلاتها ، وهو يقول لها في صوته الصب إن له مطلباً .

وأجابته في لهجة لا تخلو من الاستنكار :

  • ما هو ؟

وصمت برهة وبدا عليه التردد .

لعل الأحمق يريد موعد غرام ، أو مقابلة ما .

فقالت له باسمة :

  • أفصح وانته ، لا فض فوك . ماذا تريد ؟

وأخيراً نطق في همس ووجل :

  • أريد أن أقبل يدك .

وكان لابد لها أن تضحك .. يقبل يدها مرة واحدة ؟ كأنها شيخ م عمم مبجل ! ولي من أولياء الله ! . ولكنها كتمت ضحكتها ، فهي لا تريد أن تسخر منه ولا تريد أن تشجعه .

وتمالكت نفسها وقالت في هدوء :

  • ولكن ليس هناك أي موجب ولا مبرر لتقبيل يدي . إن الزملاء لا يقبلون أيدي بعضهم .

وأجابها في استعطاف :

  • أرجوك .. لا تسخري . إنك دائماً تأبين إلا مجابهتي بعقلك لا بعواطفك ، إني أسألك بحسي ، فأجيبي بحسك .
  • وإذا لم يكن لديّ حس ؟
  • غير معقول ؟
  • ولكني كذلك ، إني مخلوقة بعقل وبلا حس .
  • ولكن حتى بعقلك .. لا أظنك ترفضين أن تدعيني أقبل يدك .. إنها ستمنحني متعة كبرى ، ولن تضيرك بشيء . لن تضير كرامتك ولن تؤذي مشاعرك .
  • إنني لا أخشاها ، ولكني أخشى ما تشجع عليه .. أخشى ما يمكن أن يتلوها أو يسأل بعدها .
  • أقسم لك .. إني لن أسألك بعدها شيئاً ، ولن أطمع في شيء . إنها أقصى ما أريد .

ولأول مرة أحست الفتاة المرحة .. الطليقة القلب .. المتحررة من قيود العاطفة ، المتملكة زمام مشاعرها ، المطيعة لعقلها ، الراضخة لسلامة تفكيرها .. لأول مرة تحس الفتاة بما يشبه رجفة في القلب .

هذا المخلوق الرقيق المهذب .. يعتبر تقبيل يدها هو أقصى أمانيه .. قد يكون أحمق .. ولكنه صادق مخلص .

وصمتت لحظة ، وتخلصت من جمودها وأجابته بصوت رقيق :

  • خذها .

وفي سكون أحنى هامته ورفع يدها بمنتهى الرفق كأنه يخشى عليها من التفتت وألصق بها شفتيه برهة ، ثم تركها تهبط بهدوء وهمس :

  • شكراً .

وانطلق بسيارته في الطريق المظلم ، ودخلت دارها وهي تهز رأسها عجباً !

قاتل الله كل قلب مرهف خفاق .. إنه يورد صاحبه موارد المذلة والضعف والحاجة .

قبلة من يدها ؟! ما قيمتها حتى يتوسل لطلبها كل هذا التوسل ؟!

يدها ؟!

وأخذت تقلب يدها .. ثم انطلقت منها ضحكة ساخرة . وهتفت :

  • حمقى .. مخابيل .. وقانا الله مثل مصيرهم .

دخلت هي الدار ، وانطلق هو بالسيارة .. هي متعجبة دهشة ، وهو راض قرير هانئ سعيد .

يالها من مخلوقة عجيبة !! هكذا كان يحدث نفسه ، وهو يحرك عجلة القيادة ببطء بين يديه !

لقد عرف من قبلها الكثيرات وصاحب الكثيرات ، فهو إذاً لم يكن محدث غرام .. بل كانت سيارته الفخمة تسهل له اصطياد أية فتاة .. وكانت قلوبهن مفتوحة أمامه على مصراعيها .

ولكن هذه الفتاة ، من نوع لم يصادفه من قبل .. أو على الأصح ، هي ليست من نوع أصلاً .. لأنها فرد بذاتها ، لا شبيه لها .. إن لها شخصية عجيبة مسيطرة ، وهي تجبر من أمامها على أن يضعها في مستوى فوق مستواه .. وعلى احترامها قبل حبها .

إنه لا يشتهيها ولكنه يقدسها .. رغم أنه عندما أبصرها أول مرة في امتحان الدخول ، لم تثر به أي اهتمام نحوها ، ولا وجد بها ما يلفت النظر .

إنها أول مخلوقة تجعله يفكر في الزواج .. إنه يتمنى لو تصبح أم أولاده وربة بيته ، ولقد خيل إليه أول الأمر أنها تبادله بعض الشعور ، وبدا له من رضائها وركوبها سيارته .. أنها تكن له إحساساً خاصاً ، ولكنه على مر الأيام تبين له أنها لا تعتبره أكثر من زميل .

واتجاه إلى البيت مباشرة .. لم يمر على جروبي أو سمراميس حيث تعود أن يمضي وقته مع بعض الرفاق ، فقد كان يحس برغبة في الاختلاء بنفسه ، كان يرغب في التمتع بطعم القبلة في هدوء .

وصل إلى بيته في جاردن سيتي .. بيت جميل مطل على النيل ، ووضع العربة في ( الجاراج ) وانطلق يصعد الدرج في خفة ومرح .

والتقى بأمه فطبع على جبينها قبلة ، ثم ذهب إلى حجرته وجلس في الشرفة يرقب النيل ، وعندما حان موعد العشاء وجلس هو وأمه وأبوه وإخوته ، سأل أمه ضاحكاً :

  • متى تنوين أن تفرحي بي ؟

ونظرت إليه أمه في تشكك وسألته مستنكرة :

  • بتتنأور والا إيه ؟
  • أبداً والله .
  • لِمَ ؟! ماذا حدث في الدنيا ؟ أمات يهودي ؟
  • أفي هذا غرابة !! إني أتكلم جاداً .
  • متى ؟
  • لابد للإنسان أن يتزوج ويستقر .. إن الزواج أفضل شيء للمرء !
  • واللف ، والدوران ، والجري وراء بنات الناس ؟ أتستطيع الكف عنها ؟
  • سأطلقها ثلاثاً .
  • عجباً ! , ماذا جرى لك ؟ كنت دائماً لا أكاد أذكر سيرة الزواج أمامك حتى تهب فيّ كأني كفرت .. كنت تقول عن الزواج جنون .
  • كنت طائشاً .
  • والآن عقلت ؟
  • جداً .
  • الحمد لله الذي هداك .. إن لديّ عروساً لك .. مدهشة .
  • لست أريد عرائسك .. سأختار عروسي بنفسي ، نحن في القرن العشرين ، لقد مضى عهد الخاطبة .
  • اختر من تشاء .

وتدخل أبوه فتساءل ضاحكاً :

  • كيف يختار من يشاء ؟ يجب أن يعرضها على أبيه أولاً .

وقالت الأم في يأس :

  • لا تتعب نفسك .. إنه يهزر . مادامت لديه ” المدعوقة ” السيارة ، فلن يفكر في الزواج .

ولكنه مع ذلك كان يفكر جدياً ، وكان لا يكاد يخلو إلى نفسه حتى يتخيلها بجواره ، تنهي وتأمر في داره ، وتنهر وتزجر بنيه ، وتسأله ماذا يريد أن يأكل اليوم . وأين يريد أن يذهب .

إنه لن يسمح لها بإتمام الدراسة ، فليس هناك أحب إليه من أن يراها ترتدي فوطة بيضاء وتتحرك في المطبخ أو تتجول في الحديقة .. إنها توحي إليه دائماً بالقدرة والحياة .

آه لو تركت يدها على شفتيه فترة أطول .. لقد كانت قاسية معه ، ولكنه يحب قسوتها .

وفي تلك اللحظة التي ازدحمت في ذهنه الخواطر والأسئلة .. كانت هي ـ يعني المخلوقة التي كان يفكر فيها ـ قد استلقت في فراشصها متمطية متثائبة ، وكانت تحدث نفسها بمثل قوله .

كانت تقول لنفسها .. لقد كان قاسياً معي ، ولكني أحب قسوته . ولم تكن تقصد صاحبنا الذي شرد ذهنه فيها .. بل كانت تقصد مخلوقاً آخر ، هي أبعد ما تكون عن ذهنه في تلك اللحظة .

كانت تفكر في الفتى مدرس الإنجليزية .. الأحمق المغرور ، اللطيف المنظر ، وكانت تحس أنها تفكر فيه أكثر مما يجب .. ولكنها مع ذلك لم تحاول أن تنهى نفسها عنه .

إنها لا تنهى نفسها أبداً .. لأنها واثقة من نفسها مطمئنة إليها .

إنها إذا فكرت فيه .. كان تفكيرها لا يزيد على أنه ( أراجوز ) أو كما كانت تفكر في ( الأراجوز ) عند انصرافها عقب مشاهدتها له .. تفكر كيف تحرك ، وكيف تكلم .

ولم يكن هناك خطورة عليها من تفكيرها في أراجوز طفولتها ، وكذلك لن يكون هناك خطر عليها من تفكيرها في أراجوز صباها .

أجل ! إنه لا يزيد على مبعث تسلية .

كان قاسياً في نهره لها ، ولكنها لا شك قسوة مصطنعة .

لقد هزمها في أول جولة ، ولكن صبراً .. الأيام دول ، والحرب سجال .

وهكذا كان صاحبنا ” أنور ” مستلقياً على فراشه يفكر فيها كزوجة مثالية ، وكانت هي مستلقية في فراشها تفكر في ” كمال ” ، كلعبة مسلية لطيفة .

ترى فيم كان يفكر ” كمال ” وقتذاك ؟ وأين كان ؟

كان في داره .. الفيلا الكائنة بحدائق القبة في أحد الشوارع المتفرعة من شارع ( الملك ) والتي كان يقطنها هو وأبوه والحاجة .

ولم يكن يفكر فيها بالطبع ، ولا كان يخطر بباله أن يفكر فيها .

إن كل تأثيرها في نفسه لا يتجاوز وقت الدراسة . كان يراها مخلوقة لطيفة ، بوجهها المميز بين عشرات الوجوه ، المميز بدقة قسماته ودائم بسمته ، والفرجتان في طرفي شفتيه .

كان بودّه لو استطاع إطالة النظر في وجهها ، وبودّه أيضاً أن يبادلها مرحها وضحكها ونكاتها ورغبتها في الجدل والمناقشة والمشاكسة ، فهو لم يكن قط مخلوقاً فظاً عبوساً ، ولكن لم يكن يستطيع أن يترك نفسه تفعل ما تشاء ، فقد كانت رغبته في المحافظة على هيبته ووقاره ، تغلب أية رغبة أخرى . كان يخشى من هذه الفتاة المرحة أن ينساق  معها فتذهب وقاره وتضيّع قيمته . فهذا النوع من الطالبات ، يجب أن يحذر منه ، فإن أي تشجيع لها سيجعلها تمعن في مزاحها ومجونها . ولن يستطيع بعد ذلك السيطرة عليها أو ردعها ، ولا شك أنها ستثير حوله القيل والقال ، وهو ما زال في مستهل عمله .

وعلى هذا عزم على أن يوقفها عند حدها . وكان صده لها ، وزجره إياها عن سابق تفكير ، فهو صد مع سبق الإصرار ، بل لقد كان يتحين لها الفرصة حتى يوجه إليها صدمة توقفها عند حدها .

ولكنه مع ذلك شعر بأسف شديد عندما أبصرها مقطبة الجبين عابسة الوجه ، ولكن هذا أفضل حتى ترتدع .

ولكنه أساء إليها ، وأساء إلى نفسه ، فلا شك أنها ستحتفظ له في ذهنها بصورة مشوهة لا تطابق حقيقته ، ستتصوره فظاً قاسياً جلفاً ، وهو ليس كذلك .

لتتصوره كما تشاء ، فهي لا تهمه في شيء ، إنها تلميذة فحسب …

ولكنه مع ذلك يستطيع على مر الزمن أن يضيع هذه الصورة المشوهة . أجل . أجل . إنه سيمحوها من رأسها .

رويداً .. رويداً .

هذا هو أقصى ما طاف برأسه عنها ، في الدرس ، وبعد الدرس ، وهو في طريقه إلى السيارة ، متجهاً إلى داره .

لم يذكرها بعد ذلك قط ، ولم تخطر على مخيلته فقد كان في ذهنه من المشاغل ما هو كفيل بطردها شر طردة .

كان في اللحظة التي تفكر هي فيه وهي مستلقية في فراشها قد جلس في ( الصالة ) على م قعد خيزران أمام أبيه الذي اضطجع بدوره في كرسي ( فوتيل ) وكان هو في جلسته هذه محني الظهر ، متكئاً بمرفقه على ركبته ، واضعاً ذقنه في راحته ، وقد تدلت ذراعه الثانية فوق ساقه الأخرى .

وكان يبدو على الاثنين ـ الأب والابن ـ تجهم شديد ، ولم يكن السكون السائد بينهما ينبئ بخير ، بل كان يجزم بعاصفة على الأبواب .

وكان الابن أول من تكلم . قال :

  • لقد استقر رأيي على أن أرسل في إحضارها ، ما رأيك ؟
  • ما دمت قد كبرت وأصبح رأيك حراً في أن يستقر على ما تشاء ، فلماذا تستشيرني ؟ ثم إنك تعرف رأيي تماماً في الموضوع ، فما الفائدة من تكرار الكلام فيه ؟
  • لست أعرف سبب إصرارك على رأيك .. لست أرى له أي مبرر ؟
  • عجباً .. لا ترى أي مبرر لرأيي ؟ ولكنك ترى المبررات كثيرة لرأيك أنت ، إنك ترى منتهى الحكمة والعقل ، أن ترسل في إحضار زوجة أ<نبية من لندن كأن مصر كلها قد عقمت فلم تنجب الزوجة التي تنفع لك ، وتملأ عينيك . ما شاء الله !! من تكون ؟ نبي ، أو إله ؟ وهذه الإنجليزية التي تنوي إحضارها ستعيش بها في المجتمع المصري بين أهلك المصريين وأصدقائك المصريين ؟ أم ترى تنوي أن تعيش بها في السفارة الإنجليزية ، وفي نادي الجزيرة ؟ ستجعلها تهضم بسهولة المجتمع المصري أم ستظل أنت متجلنزاً مثلها ؟ هل تعرف أنها ستكون أماً طيبة لأولادك المصريين المسلمين ؟
  • لست أول من تزوج إنجليزية ، ولن أكون أول من ينجب أولاداً من إنجليزية .
  • أجل . أجل . أعرف هذا .. لن تكون أولهم ، ولا آخرهم ، ولكنك ستكون أحدهم ، أحد هؤلاء ” الولايا ” الذين أنجبوا أبناء لا يمتون لهم بصلة ولا شبه ، ولا كان لهم سلطان على نشأتهم وتربيتهم . أنا أعرفهم جيداً .. أعرف واحداً منهم له ابن اسمه براين أو جم .. أو شيء من هذا القبيل ، والرجل ” المرأة ” يقول من باب التفاخر ، إن ابنه لا يعرف العربية . وأعرف آخر مسلماً قد أنجب ابنة تذهب إلى الكنيسة في كل يوم أحد ، وهي لم تسمع باسم محمد .. إلا كبواب في بيتهم . وأعرف آخر يسمع بأذنيه احتقار امرأته للمصريين .. فلا يثور ، ولا يمنعها ، بل يشاركها فيه . فإذا سرك أنت أن تكون أحد هؤلاء ، فإنني لا يسرني ـ بعد أن اشتركت في ثورة 1919 لإخراج الإنجليز ـ أن أكون على آخر الزمن جداً لأحفاد إنجليز ، وأن آوي في بيتي امرأة إنجليزية .. مهما دار الزمن ، ومهما فعلت وقلت ، فلن تنزع من نفسها احتقارها للمصريين .
  • لا داعي لأن تسكنها في بيتك ، فلم أطلب أنا منك ذلك ، سأعيش في بيت مستقل .
  • عش حيثما تشاء ولكني لن أعرفك ، ولا أدخل لك بيتاً . سأقط كل صلة لي بك ، وأعتبرك في حكم الأموات .. فإذا لم يزعجك هذا كثيراً .. فأحضرها ، وتزوجها .
  • لا داعي لهذا العناد والإصرار يا أبي ! أنت تعرف قيمتك لديّ ، ومنزلتك عندي .. وتعرف أنه ليس لديّ في الدنيا سواك ، وليس لديك في الدنيا سواي ، ولن يستطيع أحدنا أن يستغني عن الآخر ، وأنت رجل عاقل متحرر الذهن ، سليم التفكير ، سديد الرأي ، وما كنت في وقت من أوقات حياتك بالرجعي الجامد ، بل كنت دائماً تتركني حراً في أن أختار ما يحلو لي ، فلماذا تصر على أن تفرض عليّ مسلكاً معيناً في أمر أنا وحدي الذي يجب أن يبت فيه ، أمر تتوقف عليه حياتي أنا ، وليست حياتك أنت .. إني أكثر الناس فهماً لموقفي ، وتقديراً لمصلحتي وإدراكاً لما يجب أن أفعله !!
  • افعل ما تشاء .
  • سأفعل ما أشاء ، ولكن يجب أن تشاءه أنت أيضاً قبل أن أفعله ، يجب أن تكون مقتنعاً به تمام الاقتناع وإلا فلن أفعله .. حتى ولو أدى إلى تدمير حياتي وتبديد سعادتي .
  • أقتنع بماذا ؟ إذا كنت تستطيع إقناعي فأقنعني ؟ أقنعني كيف أقبل أن أكون جداً لإنجليز ؟
  • أي إنجليز ؟ لا تقل هذا أبداً .. إني سأجعلها هي مصرية ، إنها تحبني وتحترمني ، وتحب المصريين وتحترمهم من أجلي .. إن نشأة الأبناء تتوقف على سيطرة الأب وشخصيته ، فإذا كان رجلاً ضعيفاً قد جرفته شخصية امرأة فأنجبت أولاده حسبما تريد هي لا كما يريد هو ، فليس هذا داعياً لأن تتخذ الأمر قاعدة ، فتجعل كل ابن هو ابن أمه . ثم إني أحبها .. ولقد اتفقنا على الزواج وانتهى الأمر . لقد كانت خير عون لي .. وأنا غريب في بلادها .. إنها مرضتني ثلاثة أشهر لم يغمض لها جفن ليلة واحدة ؟ إنها لم تخذلني قط .. فكيف أخذلها الآن ؟
  • إذاً هي مسألة شفقة ، ورد جميل ، ووفاء بوعد ؟
  • ليكن هذا أو ليكن غيره ، أي ضرر في ذلك ! لقد تركتني حراً في أن أختار كل شيء في حياتي .. أفلا تتركني حراً في اختيار زوجتي .. على أية حالة ، إذا كنت ـ بعد كل ما قلت لك ـ لم تقتنع ، فإني لن أفعل إلا ما يرضيك ، فمشيئتك أولاً ، ويأتي بعد ذلك كل شيء .

وصمت الأب وأطرق ، ومضت برهة سكون ، وأخيراً رفع رأسه ، وقال :

  • ليس هناك ما يقنعني بأن أكون جداً لإنجليز ، ولكني مع ذلك لا أملك إلا أن أترك لك الخيار في أن تفعل ما تشاء .. إنك لم تعد صغيراً ، والمسألة كمات قلت حياتك أنت وليست حياتي أنا .

ونهض الابن فضم الأب بذراعيه وقبله قائلاً :

  • لا تخش أن يكون أحفادك برين وجيم ، سأنجب لك حنفي وزينهم وزكية وسنية ، وسأجعلهم يحفظون القرآن .. هذا عهد بيني وبينك .

ولم يملك الأب إلا أن يزيل العبوس من وجهه وينهض مقهقهاً .. وجلس ” كمال ” إلى مكتبه يكتب لصاحبته في لندن يسألها الاستعداد للمجيء .. وإخباره بموعد مجيئها .

مضى أسبوع على تلك الليلة .. والثلاثة : سامية وأنور وكمال .. لم يطرأ عليهم جديد .. ” سامية ” في حياتها المرحة البسيطة بين أمها والزملاء وكراريس المحاضرات والسينما في بعض الأحيان .. و ” أنور ” مندفع في حبه الجديد .. وفي تصميم مشروع زواجه وحياته المستقبلة .. و ” كمال ” في دروسه وانتظاره رد صاحبته .

وعندما حل يوم الأربعاء .. يوم المحاضرة الإنجليزية .. بدأ الانشراح المعهود يتسلل إلى نفس ” سامية ” منذ صباح اليوم .. بل منذ الليلة السابقة له .. هذا إذا تجاوزنا الانشراح الدائم الذي كان يداخلها طول الوقت .

كانت ترتب في ذهنها الأحاديث والمشاغبات والمهاجمات ولكن لم تكد الساعة تبلغ العاشرة حتى أحست بتثاقل في رأسها وسخونة في جسدها .

واستلقت على الفراش ، تتطلب الراحة .. ولكنها ازدادت تعباً وشعرت بمرض يثقل عليها ساعة بعد أخرى ، فلم يحل موعد ذهابها إلى الجامعة حتى تغلب عليها المرض وكانت تستلقي في إنهاك تام .

وأصابها ضيق شديد ، ضيق بالمرض كمرض ، وضيق بالمرض كمانع من ذهابها إلى الجامعة والتسلية بمشاهدة ” الأراجوز ” الذي يقوم بتدريس اللغة الإنجليزية .. كان نفس الضيق الذي يصيبها عندما تمرض وهي طفلة في يوم عيد أو قبيل نزهة لطيفة .

ولم يكن أمامها سوى الاستسلام والرقاد ، والتعرض لجزع أمها ، والرضوخ لأوامر الطبيب ونصائحه وأدويته ، وكشف الأطعمة التي حرم عليها تناولها .

وعندما دخل الأستاذ ” كمال ” إلى المدرج في ذلك اليوم ، أحس بشيء من الخيبة .. وهو يبحث عن وجهها المميز الصبوح الضاحك ، فلا يجدها ، كان يود أن يزيل ما علق بذهنها عن فظاظته وغلظته ، وكان يأمل أن يتلطف معها حتى يذهب أثر نهره وزجره ، ولكنها بعدم مجيئها قد خيبت أمله .

لماذا لم تحضر ؟ أتراها قد غضبت منه ونوتا أن تقاطعه فلا تحضر هي محاضراته من تلقاء نفسها ؟ أتراها قد أساءتها الإهانة إلى هذا الحد ؟ أجل .. لابد أن يكون هذا هو ما حدث .

قاتله الله .. كان يجب أن يكون أكثر رفقاً بها فهي لم تفعل ما تستحق عليه أن ينهرها بمثل هذه القسوة .. وهي مخلوقة لطيفة مهذبة . إنه يشعر كأن المدرج ينقصه شيء هام ، ينقصه شيء من الرونق والبهاء كانت تضفيهما عليه ، ولا شك أن بقية الطلبة يشعرون بذلك ويفتقدون غيابها ، فهم وجوم كالبوم ، ولكن ربما لا تكون قد غضبت ، وربما تكون آتية في طريقها ، أو تكون تأخرت بعض الوقت .

أجل .. إنها لا شك قادمة في الطريق .

وبهذا الاقتناع ، استمر يلقي درسه ، وهو ينتظر قدومها بين آونة وأخرى ، ولكن الدرس انتهى دون أن تحضر .

وتمنى لو استطاع السؤال عنها ، ولكن خشي أن يثير سؤاله لغط الطلبة ، وهم ـ كما يعرف جيداً ـ سفلة رعاع ، يجيدون اللغط والتشكك وإثارة الإشاعات .

لا .. لا .. يجب ألا يسأل عنها .

ولكن لِمَ ؟ إنها طالبة ضمن بقية الطلبة والطالبات ، وهو أستاذ ، وليس بعجيب أن يسأل أستاذ عن طالبته ، عندما تغيب ، على الأقل من باب الذوق وتأدية الواجب . إنه لا شك سائل عن أي طالب عنده إذا ما غاب ، ولكن أحقاً سيفعل ذلك ؟ بل .. أحقاً سيكشف غيبة أي طالب إذا ما غاب ؟ بل هي يعرف وجوه الطلبة الذين يدرس لهم واحداً واحداً !! حتى يميز من غاب ومن حضر ؟!

إنه يمكر بنفسه ويخدع نفسه ، ومع ذلك فسيسأل عنها ، ليقولوا ما يقولون فلابد من الاطمئنان عليها .

وفي طريقه إلى الباب تمهل قليلاً ثم تساءل بطريقة سريعة عابرة :

  • أين ؟

وأشار إلى مكانها الخالي ، ولم ينطق باسمها كأنه لا يعرفه ، ثم حاول تعريفها بقوله في سخرية :

  • .. صاحبتنا الثرثارة ؟

وتطوع أحد الطلبة بالرد قائلاً :

  • لم تحضر اليوم .
  • خيراً .. ماذا بها ؟
  • لا أعرف .. لقد كانت هنا أمس وأول أمس ، ولم تغب إلا اليوم .

لعلها غاضبة كما توقع ، أو لعل عذراً طارئاً قد منعها . لا بأس .. سيراها في الأسبوع القادم .

ولم يطل المرض بـ ” سامية ” فقد كان مجرد إنفلونزا ، لم تلبث حتى أبلت منها في اليوم التالي .

وواصلت ” سامية ” كعادتها ذهابها إلى الجامعة في بقية الأيام .. حتى حل يوم الأربعاء التالي .

وكان الطلبة قد أنبأوها بسؤاله عنها ووصفه إياها .. ” بالثرثارة ” .

ولقد أظهرت امتعاضها واستياءها ووصفته بأنه ” قليل الأدب ” ، ولكنها في باطنها سرها كثيراً أن يسأل عنها ، وأن يفتقد غيابها ويصفها ” بالثرثارة ” . وماذا في ذلك ؟ ألا تصفه هي فيما بينها وبين نفسها ” بالأراجوز الإنجليزي ” ؟

لقد سرها أن يزج بنفسه معها في معركة ، فهي تستطيع أن تعتبر وصفها بالثرثارة كتحد منه ، وأن تستند إليه كبداية معركة طويلة .

وكانت ترسم في رأسها الخطط وتحضر الأقوال حتى أضحت تحفظها عن ظهر قلب .. كانت لا تريد أن تخطئ في الإنجليزية ، حتى لا تدع له مجالاً للسخرية بها ، ولإخراجها عن موضوع الحديث .

أعدت الأقوال وحفظتها .. ومع ذلك لم تقلها .. لأنها لم تذهب .

كانت أمها هذه المرة هي السبب . فلقد استيقظت متوعكة المزاج ، وظلت في فراشها طول اليوم .. مرتفعة الحرارة مثقلة الأجفان ، ورغم أن ” سامية ” كانت تتوق إلى الذهاب إلى الجامعة في هذا اليوم بالذات .. ورغم أن بقاءها في الدار كان سيثقل عليها كثيراً ، فقد اضطرت إلى البقاء لأن أمها كانت أعز عليها من كل شيء ، ولم يكن هناك سبب ـ أياً كان ـ يجعلها تترك أمها في مرضها .

أمنية تتحقق

4

أقبل ” كمال ” على الدرس وقد أعد في ذهنه ما يمكن أن يصالحها به ويزيل كل ما علق بنفسها منه ، وكان لا يستطيع أن ينكر من نفسه ذلك الحنين إلى رؤيتها والشوق إلى سماع جدلها الإنجليزي الركيك .

ولم يحاول أن يكسو وجهه ذلك العبوس المصطنع الذي كان يتخذه كلما دخل الفصل ، فقد شغله التفكير فيها .. عن التفكير في وقاره وهيبته ، ولكن العبوس ما لبث حتى علا وجهه .

هذه المرة .. كان عبوساً طبيعياً ، منشؤه أنه لم يجد الوجه المحبوب لديه مرة أخرى .. ما بالها لم تأت بعد ؟ . أمريضة هي ، أم غضبى ؟

ولم يستطع أن يكتم السؤال في جوفه طويلاً ، فقد كان ضيقه من غيبتها لا يدع له مجالاً للتروي والتمهل .

وسأل ببساطة :

  • ألم تحضر سامية ؟

وتطوع جارها بالإجابة :

  • لقد حضرت طيلة الأسبوع ، ولم تغب إلا اليوم .

إذن فقد ذهب الشك ووضح اليقين .. إنها غضبى !

الحمقاء الصغيرة !! أتنوي حقاً أن تقاطع محاضراته ؟ ولكن علام كل هذا ؟!

إنه لم يفعل ما يغضبها بهذا القدر .

ولكن ألم يهددها بالطرد من محاضراته ؟ ياله من وقح محدث ؟! كان يجب أن يكون أكثر من هذا أدباً . لو لم تكن الفتاة مهذبة لعرفت كيف ترد عليه وتسخر منه كما سخر منها …

ولكن ما العمل الآن ؟ إنه على أتم استعداد لأن يعتذر لها في صراحة .. وأمام الطلبة إذا أرادت . ولكن كيف يعتذر .. إذا كانت لا تأتي في يومه ؟ كيف يلقاها ؟ أيحضر لها في أي يوم آخر غير يوم محاضراته ؟ ولكن ماذا يقول الطلبة ؟ إن هذا هو حقاً مما يستدعي لغطهم وأقاويلهم .. سيقولون إنه أتى خصيصاً لمقابلتها .. وهو المفروض فيه أن يكون أستاذاً محترماً ، لا .. لا .. إنه لن يفعل هذا .. لعنة الله عليها .. مخلوقة متعبة .

ولكن هناك طريقة أسهل ، قد تكون ناجحة وتردع الفتاة .. إنه يستطيع أن يلجأ إلى تهديدها ، أن يطلب من الطلبة تحذيرها من التخلف وإلا فقد يخفض نسبة الحضور التي يجب أن تحصل عليها واضطر إلى حرمانها من الامتحان .

أجل .. أجل .. هذه خير وسيلة .

ولكن من يدريه أن الفتاة العنيدة لن تركب رأسها وتتحداه فلا تحضر .. وهي لن تعدم الوسيلة في الدخول إلى الامتحان كما يفعل معظم الطلاب .

على أية حال يجب أن يفعل شيئاً .

وأخيراً استقر رأيه على حل وسط .. وقال للطلبة ببساطة :

  • إذا حضرت في الغد فأنبئوها ألا تتغيب عن الدرس القادم .. وإلا فلن تستطيع اللحاق بنا بعد ذلك .

هذا قول معقول جداً ، لن يثير لغط الطلبة ، ولن يثير تحديها .

وفي اليوم التالي أنبأوها بقوله .. وتملكها منه غبطة شديدة ، وإن كانت تعرف أنها لم تكن في حاجة إليه .. فقد كانت عازمة على الحضور في الحصة القادمة مهما حدث .

ومضى الأسبوع .. و ” أنور ” مستمر في توصيلها كل يوم كعادته ، ولم يكن يحاول أن يزعجها بشيء من مظاهر حبه .. ولم يضايقه هذا .. فقد كان قانعاً برؤيتها كل يوم في المعهد .. وتوصيلها إلى بيتها ، قريراً بآماله فيها ، مطمئناً إلى مستقبله معها .

وفي يوم الأربعاء التالي .. كانت قد أعدت نفسها مرة أخرى للمعركة . ولكن استعدادها هذه المرة قد طرأ عليه شيء جديد ، لم يكن مجرد استعداد ذهني .. بل استعداد شكلي .

كان سلاحها دائماً هو عقلها ولسانها ، فما حاولت قط ـ كما سبق القول ـ أن تستعمل سلاح المرأة الطبيعي في أي هجوم لها ، فقد كانت تزدريه كسلاح ، وكانت ترى نفسها أسمى وأعقل من أن تستعمله .

ولكنها اليوم أطالت الوقوف أمام المرآة ، وأخذت تدور حول نفسها وترفع رأسها وتدير عنقها يمنة ويسرة .

” مش بطالة ” !!

ولو فكرت هذه العقصة في شعرها وتركته ينسدل على كتفيها لبدت أحسن كثيراً .. أجل .. هكذا .

ووجهها ” في جملته ” لا بأس به ، وعندما تضحك يكون شكلها أفضل ، فالغمازتان تضفيان عليها نوعاً من الفتنة .

وضحكت في المرآة ، ثم عادت فعبست ، وعادت فضحكت مرة أخرى .

ما هذا البله الذي صارت إليه ؟ . يجب أن تحتشم ، فهي فتاة عاقلة .. تدرس دراسة عليا ، وتنوي الحصول على الدكتوراه ، وستصبح في يوم ما شيئاً هاماً في هذا البلد الذي ليس به أي شيء هام .

ولكن ما دخل هذا في أن ترى شكلها .. و .. ليس هناك من يراها .. وهي تستطيع أن تفعل في خلوتها ما تشاء .

إن جسدها لا بأس به . إن الثياب لا تبديه كما يجب ، إنه بلا ثياب أفضل كثيراً .. فالثياب لا تظهر جيداً بروز ثدييها واستدارة ردفيها .

ولكن لِمَ تريد أن تظهر هذه الأشياء التي لم تحس بها من قبل ؟ إذا كانت الثياب لا تظهرها ، فلتسر بلا ثياب ، وماذا في ذلك ، ألم تجن ؟! إن هذا هو ما ينقصها بعد كل ما فعلت .

لعنة الله عليها .. إن في نفسها كثيراً من التفاهة المستترة ، إن الناس مخدوعون فيها كثيراً ، يجب أن تعقل وأن تحتشم .

ولكن بعض الأحمر الخفيف جداً ، الذي يكاد لا يظهر . لو وضع على خديها ، لجعلها تبدو أكثر بهاء وأكمل رونقاً .

وما من داع هناك لهذا التايير ، ” ككبيرة المرشدات ” إنها تبدو أكثر امتلاء وفتنة في الفستان الحريري الأزرق ذي النقط البيض .

لكن لمَ كل هذا ؟

أمن أجل ” الأراجوز ” ؟

لا .. لا .. !!

ونفت بشدة عن نفسها هذا الجواب ، إنه مجرد تغيير ، لا أكثر ولا أقل .

ومن يكون هو .. حتى تلبس من أجله ثوباً مخصوصاً ؟

وانتهت من ارتداء ثيابها ، وأنبأتها آخر نظرة عما في المرآة .. أنها جميلة ، بل جميلة جداً .

وأكدت لها أمها حديث المرآة بقولها وهي منصرفة نحو الباب :

  • ما هذا الجمال والأناقة .. أذاهبة إلى حفلة ؟

ولم تعرف كيف تجيب ، ولكنها اضطرت إلى الكذب فقالت موافقة باختصار :

  • أجل !
  • أي حفلة ؟
  • حفلة شاي لتكريم الأساتذة .

وغادرت البيت متجهة إلى الجامعة .

وعندما اجتازت بهو الكلية في طريقها إلى المدرج صادفت في طريقها ” عبد السلام ” الفراش فحياها قائلاً :

  • أستاذ الإنجليزي سأل عليك . فقلت له لم تحضر بعد .
  • وأين هو ؟
  • جالس في حجرة الأساتذة .

وأحست بدافع خفي شرير يدفعها إلى أن تذهب لمقابلته في حجرة الأساتذة .. لِمَ يسأل عنها ؟ لا شك أنه يريدها في مسألة عاجلة !

واتجهت رأساً إلى حجرة الأساتذة وهي تعلم تماماً أنه ليس بينها وبينه أمور مستعجلة ، ولا غير مستعجلة .. وأنها تستطيع أن تنتظر في حجرة الدراسة لتلقاه مع بقية الطلبة ، ولكنها مع ذلك لم تشأ أن تترك فرصة لقائه على حدة تفلت منها .. إنها تستطيع أن تكون أكثر حرية في الاقتصاص منه .

” ثرثارة ! ” ستريه أنها حقاً ” ثرثارة ” . وستريه كيف يهددها بالطرد من حصته .. حقيقة إن له جميلاً سابقاً عليها وأنه لولاه لما دخلت المعهد ، ولكن ذلك لا يرغمها على قبول وقاحته ، والسخرية منها .

وبفرحة المقدمة على مشاهدة ” الأراجوز ” اجتازت باب غرفة الأساتذة ، فوجدته قد جلس وحيداً على أحد المكاتب وقد أخذ يقلب كتاباً بين يديه فقالت باسمة :

  • نهارك سعيد يا أستاذ .
  • أهلاً وسهلاً .. نهارك سعيد .

كان وجهه بادي البشاشة ، خالياً من تلك العبوسة التي تعودت أن تكسوه خلال الدراسة ، لقد سبب دخولها المفاجئ عليه فرحة شديدة لم يستطع أن يخفيها ، بل لم يأبه لأن يخفيها .. ولاسيما وأنهما وحدهما .

وسألته في لهجة جادة :

  • بلغني أنك سألت عني ؟
  • أجل !
  • من أجل ؟

وحاول أن يكسو وجهه مظهر الجد وأجاب بقوله :

  • من أجل مصلحتك ، إني أخشى إن استمررت في التغيب أن تكون النتيجة رسوبك في نهاية السنة .
  • لم أعرف الرسوب في حياتي .
  • لا يمنع ذلك من أن تعريفه الآن .. فلابد أن يعرف الإنسان كل شيء . حتى الفشل .
  • أهذا كل ما تريدني لأجله ؟

وعلت وجهه ابتسامة ، وزالت عنه مظاهر الجد وهو يقول ضاحكاً :

  • ولقد أوحشتني غيبتك ، وخشيت أن أكون قد أسأتك في المرة الأخيرة وأردت الاعتذار إليك .
  • شكراً .. المسألة بسيطة لا تستحق الاعتذار . ولقد كنت أنوي ردها إليك ، ولكن ما دمت قد اعتذرت .. فكفى الله المؤمنين القتال .
  • الحمد لله على أنها ” جت سليمة ” .

ومضت برهة صمت .. أحس كلاهما بشيء من الارتباك ولكنه ما لبث حتى سألها :

  • أتجدين أي صعوبة في دراسة ما أخذناه حتى الآن ؟
  • لا صعوبة ولا سهولة ، لأني لا أعرف ماذا أخذنا .
  • ولكن يجب أن تقرئي أولاً فأول .
  • لا أستطيع .. إني أنتظر حتى آخر العام .. وآخذها كلها جرعة واحدة ، كما نفعل تماماً بالدواء المر .
  • إلى هذا الحد ؟
  • وأكثر . إني لا أكره شيئاً في حياتي كاللغة الإنجليزية ولي فيها ماض غير مشرف .

وضحك من قولها وأجابها :

  • ولكن يبدو أن لك مستقبلاً مجيداً ؟
  • بعد هذا العمر ؟
  • ولم لا ؟
  • إني أقول .. يا الله حسن الختام .. لا أمل لي في إتقان هذه اللغة اللعينة .
  • ولكني أستطيع أن أجعلك فيها قوية جداً .
  • وكيف ؟
  • بالقراءة .. اقرئي كثيراً .
  • أقرأ كثيراً ؟ ولو كنت أستطيع أن أقرأ كثيراً ، أعتبر نفسي ضعيفة في الإنجليزية ! إني لا أستطيع أن أقرأ لا كثيراً ولا قليلاً .. ليس أثقل عليّ من قراءة الإنجليزية .. إني أقرأ كثيراً جداً .. ولكن بالعربية .. لغة بلادي .. أما بالإنجليزية فإني أكاد لا أقرأ إلا الدروس .
  • شيئاً فشيئاً ، يجب أن تبتدئي بالقراءة في موضوعات سهلة لطيفة مشوقة .
  • مثل ؟
  • هذا الكتاب الذي في يدي مثلاً ، إنه مجموعة قصائد الشاعر كيتس .. آية في البداعة .. لن تمليه قط .
  • شاعر إنجليزي ؟ أنا أقرأ شعر إنجليزي ؟ إنك حسن الظن بي !
  • ولِمَ لا تقرئينه ؟
  • لأني لا أفهمه .
  • إني أستطيع تفهيمك وشرح ما يبهم عليك .
  • ومن أين لي بأستاذ مثلك أستعين به في كل قراءة . الأساتذة ليسوا بمثل هذا الرخص وهذه الوفرة ، إذا كانت كل تلميذة تستطيع أن تحصل على أستاذ يبقى تحت تصرفها ليشرح لها كل سطر ، لما بقي في مصر جاهل ولا جاهلة .
  • أنت غلباوية .. قلت إني على استعداد لمعاونتك في القراءة ، وأنا أعني ما أقول . على أية حال خذي الكتاب وحاولي أن تقرئيه .. وفي المحاضرة القادمة أنبئيني عما استطعت قراءته .

ودقت ساعة الجامعة مؤذنة بالرابعة ، فنهض من مكانه وهو يعطيها الكتاب فأخذته وهي تقول :

  • شكراً .. سأحاول قراءة أكبر قدر ممكن منه . وسأستعين بالقاموس .
  • أظننا قد اصطلحنا ؟
  • طبعاً .
  • لم يبق في نفسك شيء مني ؟
  • شيء واحد .
  • ما هو ؟
  • لم أنبئك بعد برأيي في كاليكليز .
  • دعينا منه .. إنه سخافة دراسية .. هذه أشياء لابد من قولها .. لأنها في البرنامج .. لا تضايقي ذهنك بها كثيراً .

ودخلا معاً مدرج الدراسة .. وجلست هي في مقعدها وجلس هو على منضدته وبدأ الدرس .

وفي خلال الأسبوع التالي لم يكن لها من عمل سوى القراءة في كتاب ” الشعر ” .

حقيقة أنها كانت ضعيفة في الإنجليزية ، ولكنها كانت قوية الإرادة .. شديدة الجلد .. وكانت تعتبر المسألة واجباً لا تسلية ، فقد أرادت أن تكون كفئاً للنقاش معه وألا يعاملها كمجرد تلميذة .

وانتقت قصيدة قصيرة سهلة .. وانكبت على حفظها .

وفي يوم الأربعاء ذهبت مبكرة عن موعد الدراسة ما يقرب من نصف الساعة .. وسألت عنه عبد السلام .. فأنبأها بوجوده في المكتب .

لقد التقى الاثنان في خططهما ، لقد قدم هو مبكراً بأمل أن تكون هي قد جاءت مبكرة ، وقدمت هي معللة بنفس الأمل .

وقصدت تواً إلى حجرة الأساتذة .. وطرقت الباب طرقاً خفيفاً .. ثم دلفت إلى الداخل قائلة :

  • نهارك سعيد يا أستاذ .
  • نهارك سعيد يا سامية .

كانت المرة الأولى التي يناديها بغير ” يا آنسة ” وأحبت منه نطقه باسمها .. أو أحبت اسمها حين نطق به .

ومدت يدها إليه بالكتاب وهي تقول :

  • شكراً .. كتاب لطيف .. لم أجد صعوبة في قراءته ، على عكس ما كنت أظن .
  • ألم أقل لك ؟ .. ماذا أعجبك به ؟

وكان هذا السؤال الذي أعدت نفسها تماماً للإجابة عليه وأخذت تسرد عليه بضعة عناوين ، وفي النهاية قالت :

  • أما القصيدة التي هزت مشاعري فهي قصيدة ” عيد الميلاد ” لقد قرأتها مرتين فحفظتها عن ظهر قلب .

ثم انفعت تتلوها .

فلما انتهت قال بإعجاب :

  • مدهشة ! لماذا تدعين إذاً كرهك للإنجليزية ؟
  • الظاهر إني شاعرة دون أن أدري .. أو شاعرة .. دون أن أشعر .. لقد أحببت الشعر كثيراً .
  • وعلى ذلك ليست في حاجة لمساعدتي ؟
  • بل في أشد الحاجة إليها .. إن هناك قصائد كثيرة لم أفهمها .
  • نقرؤها معاً إذاً !
  • متى ؟
  • في أي وقت تريدين .
  • وأين ؟
  • حيث تشائين .. إني تحت أمرك .

وهكذا مرة واحدة ؟ هذا العبوس المغرور المتكبر قد أضحى تحت أمرها . وبدون كثير تفكير قالات متسائلة :

  • بعد انتهاء الدرس ؟
  • ليكن .
  • أين ؟
  • يوجد كازينو هادئ على النيل .. نستطيع القراءة به في أتم هدوء .
  • كما تشاء .

وغادرت الحجرة متجهة إلى مدرج الدراسة .

طائشة .. حمقاء ؟! لقد أحست لأول مرة في حياتها أنها قد اندفعت في خطأ .

ما هذا الذي فعلته ؟ أي شعر هذا الذي ستقرؤه معه في كازينو على النيل ؟ كازينو هادئ ، أشبه بملجأ للعشاق .

أبينهما من العشق ما يستدعي هذا الحرج والاندفاع ، وتعريض السمعة للأقاويل والشبهات ؟

إن حجتها دائماً في كل ما أقدمت عليه ، هي أنها سليمة القصد .. وبسلامة قصدها كانت تدحض كل إشاعة سوء تلحقها . إنها كانت تقدم بشجاعة على كل ما توحي به نفسها . لم تكن تأبه كثيراً بأقوال الناس ، مادام غرضاً صائباً .. وكان الناس يحترمونها دائماً في النهاية ، ويندمون علىما قد ظنوه بها من سوء .

ولكن الآن .. هل تستيع أن تحتج على هذا العمل الأخرق الذي توشك أن تقدم عليه .. بحسن القصد ،  أو بصواب الغرض ؟

لا .. لا .. يجب ألا تخدع نفسها .. يجب أن تكون صريحة في هذا الأمر .. على الأقل مع نفسها .

إن هذا الشخص بالذات قد نال من نفسها اهتماماً خاصاً واتخذ مركزاً ممتازاً .. إنها تشعر من التفكير فيه بسرور .. وسواء ادعت أنه كالأراجوز ، أو غير الأراجوز .. فهي تحب لقاءه والتفكير فيه . ومن العبث أن تنكر هذا ..

وهي بلا شك لا يهمها كثيراً .. الشعر الإنجليزي .. ولو قال لها قائل : اجلسي في كازينو على النيل واقرئي كتاب شعر إنجليزي لضحكت ملء شدقيها ، واتهمته بالجنون .

أما الآن فهي تقدم على هذا العمل ببساطة وبرغبة .. لأنه سيزيد على الشعر الإنجليزي والكازينو على الشاطئ ، شيء جديد ، هذا الشيء هو : هو .. فوجوده إذاً جعل ما كان الإقدام عليه يسمى جنوناً .. قد أضحى عملاً طبيعياً لا غبار عليه .

إذاً فهو قد أضحى نقطة التحول في تصرفاتها وفي تفكيرها وهي لا تستطيع أن تنزعه من نفسها ، ولا تستطيع أن توقف تلك المشاعر الداخلة في باطنها ، التي يثيرها فيها .. مشاعر السعادة والمتعة . هذه أشياء أصابتها برغمها ، وستبقى برغمها أرادت أم لم ترد .

ولكن ذلك لا يمنع من أنها تستطيع بشيء من الإرادة السيطرة على أعمالها الظاهرة ، والحد من ذلك الاندفاع ، والحرية التي كانت تسمح بها تصرفاتها من قبل ، عندما كان باطنها خالياً .. لا يشوبه شعور معين .. ولا يتجه لناحية بالذات .

أجل ! يجب عليها من الآن أن تتصرف بحذر .

عندما كانت خالية بريئة ، كان لها أن تفعل كل ما تشاء . أما الآن وهي تشعر في داخلها أنها مذنبة ، وغير خالية . فيجب أن تتروى ، وأن تحسب حساباً لأقوال الناس ، وإشاعاتهم ، لأنهم هذه المرة سيجدون أساساً يستندون إليه .

كل ذلك دار بذهنها وهي تجلس أثناء المحاضرة .

وكان تفكيرها إذ ذاك منطقياً سليماً .. انتهى بها إلى وجوب الاعتذار عن موعد اليوم .. لا اعتذاراً نهائياً ، ولكن تأجيله إلى ” فرصة ” مواتية تكون فيها الأمور أكثر تدبيراً .

ولم يخل ذهنه هو أيضاً من نفس التفكير .. لقد اقتنع بأنه يميل إلى الفتاة ، وأنه يسعد بلقائها والحديث معها .. ولكنه اقتنع أيضاً بأن من الحمق والوقاحة أن يخرج وإياها من الجامعة أمام الطلبة في سيارته ، وأن يجلسا معاً في كازينو .. أقل ما يقال فيه إنه ليس مكاناً لدراسة شعر ، ولا للقاء أستاذ بطالبة !

وهكذا ما كاد ينتهي الدرس ، حتى تبعته وهو في طريقه إلى حجرة الأساتذة وقالت له :

  • أظن من الخير أن نؤجل موعد اليوم يا أستاذ .. لأني تذكرت أن لديّ عملاً هاماً .
  • حسن .. نستطيع أن نؤجله إلى أي وقت تشائين . أي موعد يناسبك .
  • في الغد .. في مثل هذا الوقت سأنتظر عند محطة الجيزة .. ولا أرى داعياً للجولس في هذا الكازينو .. فأنت تعلم أقوال الناس .
  • أجل ! أجل . سنتفق غداً على أي مكان ترغبين .

وركبت السيارة مع أنور إلى البيت في هذا اليوم كعادتها وهي شاردة واجمة .. وعندما ذهبت إلى الفراش لتستسلم للنعاس أصابها الأرق طويلاً قبل أن يغمض لها جفن .

كانت قلقة . إنها تعودت التحرر والانطلاق .. تعودت أن تذهب مع هذا وذاك حيث تشاء .. ولكن لم تشعر بمثل هذا القلق الذي تشعر به الآن ، إن بها قلق المقدم على مغامرة المقبل على أمر خطر .

وفي اليوم التالي اعتذرت لأنور عقب الدراسة وأنبأته أنها لن تذهب إلى البيت .. لأنها على موعد مع إحدى الصاحبات في بيت قريب وستسير إليه على أقدامها .

وألح ” أنور ” في توصيلها حيث تشاء ، ولكنها أصرت على الاعتذار شاكرة له جميله .

وبعد لحظات كانت تقف في قلق ، وإحساس بالوزر ، في ميدان الجيزة .. ولم تنتظر إلا قليلاً ، حتى أقبل عليها ” كمال ” بسيارته واتجها في طريق الهرم .

وران صمت طويل .. صمت بالإحساس بالخطأ .. ولم يحاول أحد منهما بينه وبين نفسه أن يتعلل بالشعر ، فقد كان كل منهما يعرف أنه لم يكن أكثر من معبر للقاء . وأن كلاً منهما يحب الجلوس بجوار الآخر ، ويرغب في رؤيته ، وسماع حديثه .. هذا هو ما يريد كل منهما .. فلا داعي بعد ذلك للتعليل بالشعر ، والارتكاز على القصائد .

ومع ذلك فلم يجرؤ على المصارحة بمشاعره ولاسيما هو ، فقد كان يحس بفداحة ذنبه ، وعظيم جرمه .

كانت الأفكار تصطخب في رأسه ، فلا تترك له فرصة للإحساس بمتعة وجودها إلى جواره ، والخلوة معاً في مكان ناءٍ بعيد .

ما قصده من كل هذا ؟ إنه يحب الفتاة ويقدرها ويحترمها وكان خليقاً به ، والأمر كذلك ، ألا يندفع في خلق علاقة بينهما تتجاوز علاقة المدرس بالطالب . كان خليقاً به ألا يجلسها الآن بجواره حيث يتجهان وحيدين في طريق خال بلا قصد معين أو بقصد مضحك ، هو قراءة كتاب من الشعر .

ماذا يريد منها ؟!

لو أنه إنسان غير مقيد ، لقالها بملء فمه : الزواج .

أجل ! إنها لا شك تستطيع أن تسعد أي مخلوق متزوج .. إنها مخلوقة نموذجية .

ولقد أحس منذ رأى وجهها وسط عشرات الوجوه أن لها موضعاً خاصاً في نفسه ، وأنها يمكن أن تكون ذات شأن في حياته .

كل ذلك مقبول وحسن لو أنه حر يستطيع زواجها . أجل . ليس هناك ما يمنعه من الاندفاع نحوها والانسياق في حبها ، ولقائها والخروج معها ، لو أنه يستطيع أن يختم كل هذا بخاتمة جدية .

أما أن ينساق معها لمجرد إرضاء النفس ، فهذا هو العبث والحمق ، وإثارة اللغط والأقاويل وتشويه السمعة ، سمعته وسمعتها .

إنه يعتبر نفسه في حكم المتزوج ، ففي خلال أيام يصل إليه رد خطابه ، الذي ستحدد فيه زوجته القادمة موعد مجيئها .

لقد كان أبوه على حق في كل ما قال .

أجل . ليس هناك وجه للمقارنة على الإطلاق بين الفتاة الإنجليزية القادمة ، والمصرية الجالسة بجواره .

ما ضرّ القدر لِمَ ساقها إليه قبل ذلك بقليل ! ما ضرّه لو جعله يحس بقيمتها في قلبه قبل أن يرسل الخطاب الذي حدد به مصيره وقيد به نفسه ؟

أهو يحب الإنجليزية حقاً ؟ أم أن المسألة لا تعدو ـ كما قال أبوه ـ مجرد شفقة ووفاء بوعد ؟

أي وعد !! إنه لم يعدها بزواج ، ولكنه عاهد نفسه على أن يرسل في طلبها بمجرد المجيء إلى مصر .. إنه مجرد عهد بينه وبين نفسه .

تباً له من مغرور أحمق !

ولكن ما فائدة كل هذا الآن . إن خير ما يفعله هو أن يكون رجلاً ، فلا يحاول أن يزج بالفتاة في علاقة لا فائدة له منها .. يجب ألا يورطها أو يتورط معها .

إلى هذا انتهى به تفكيره اليائس ، ألا ينزلق معها وأن يبعد نفسه عنها ، وأن يتحاشاها قدر ما يستطيع .

ولكنها لم تكن في تفكيرها كذلك ، لم تكن قط يائسة ، على النقيض إنها كانت تحس ـ رغم قلقها من الجلوس بجواره ـ بالأمل ينساب أمامها .. أملاً يفتح آفاقاً متسعة لم تتفتح من قبل .. كانت تشعر أن هذا المخلوق العزيز عليها الجالس بجوارها ، يمكن أن يصبح ملكاً لها في يوم ما .. ويمكن أن تصبح ملكاً له ، وأن يضمهما بيت واحد ويربطهما أولاد مشتركون .. أجل . يمكن أن يكون كلاهما مخلوقاً واحداً .

هذا شيء جميل .. ممتع .. أمتع كثيراً من الدراسة والدكتوراه ، ورئاسة الحزب النسائي ، والوزارة ، ورئاسة الوزراء .. إن كل هذه تبدو سخافات ومهاترات أو زبداً ذاهباً جفاء .

أما هذا الاندماج الذي باتت تتلهف عليه . فهو الثابت الباقي ، هو الربح الحقيقي الذي يمكن أن تحصل عليه من الحياة .

لقد كانت تعيب على المرأة جلوسها على قارعة الحياة ، ومد يدها لعابر سبيل يتولى أمرها وتشاركه حياته وربحه ومصيره .

كانت تكره ذلك .. وتعيبه على النساء .. ومع هذا فأشد ما يسعدها أن تجلس الآن لتمد يدها إلى ذلك الجالس بجوارها لكي يتناولها ويضمها إليه .. ويمتلكها ويشرك مصيرها في مصيره .

لقد كانت تكره تبعية المرأة للرجل .. ومع ذلك فأشد ما باتت ـ وهي تجلس بجواره مرهفة الحس ـ تتلهف على هذه التبعية .

إن المرأة إذا أحبت .. فهي تفضل مسح حذاء زوجها على رئاسة الوزارة .

حمداً لله .. أن خلق بعض النساء بحيث لا يمكن أن يندمجن في حب ، حتى يستطعن المناداة بحق المرأة وحريتها .

كانت تشعر .. وهي تجلس بجواره .. أنها لأول مرة ، قد باتت أنثى . وكانت تتوق إلى الالتصاق به والارتماء بين أحضانه .

هكذا كانت مشاعرها ، وذلك كان تفكيرها . ومع ذلك فقد كانت لا تملك إلا الجلوس في قلق وشرود وخوف واضطراب .

وأخيراً وقفت العربة .. وسألها في رقة :

  • أتفضلين البقاء في العربة .. أم الجلوس في هذا المقهى ؟
  • الجلوس في العربة أفضل .

وببساطة .. أخرج كتاب الشعر .. وفتحه وبدأ في القراءة والشرح .

ما هذه الغباوة ؟ من قال له إنها تريد أن تسمع شعراً ؟ إنها تريد أن تسمع حديثه هو عن نفسه وعن آماله وعن حياته .

ومع ذلك فقد استمر في القراءة والشرح .. كان عازماً على المقاومة ، وعلى الوقوف عند هذا الحد ، حد الأستاذ والتلميذة .

ولم تملك هي إلا الإنصات بذهن شارد تائه .

وأخيراً نظر إلى الساعة ثم قال :

  • أظن هذا يكفي اليوم ، ومن الخير أن نعود الآن ؟
  • أجل . يكفي هذا اليوم .

وأدار العربة ثم عاد من حيث أتى .

وتملكها أثناء عودتهما خليط من الإحساس بالخيبة والفشل .

أحقاً يظنها في حاجة إلى تعلم الشعر الإنجليزي ؟! أكل ما يشعر به نحوها هو مجرد رغبته في تعليمها ؟

تباً له من أحمق مأفون .

ولكنها مع ذلك لم تملك سوى الشعور بالارتياح والغبطة من مجرد جلوسها بجواره ، هذا خير من لا شيء .

وعندما وصلت العربة إلى ميدان عبد المنعم طلبت منه الوقوف أول الشصارع ولم تتركه يوصلها حتى باب البيت كما كان يفعل أنور ، لسبب واحد هو أنها تشعر أنها مذنبة .

وودعها ، دون أن يحدد موعداً آخر للقاء .

لشدما خذلها وخيب أملها ، لو لا بقية من كبرياء ، لسألته هي اللقاء .. ما علته ، هذا الأحمق المغرور ، لِمَ لم يسألها لقاء آخر !

ودخلت البيت واجمة وهي تحسب كم يوم تبقى حتى تراه في الدرس مرة  أخرى .. ستة أيام .. مدة طويلة جداً .. ما ضره لو وعدها بلقاء غداً ، وبعد غد .. هكذا أضحى تفكيرها طائشاً مندفعاً .

أما هو فقد عاد إلى بيته محزوناً مكتئباً ، وأخذ يستعرض أقوال أبيه وهو يحاول منعه من الإقدام على الزواج بالإنجليزية .

كان كله كلاماً معقولاً . كيف عميت بصيرته عن إدراكه ، ولكن ماذا يفعل الآن ؟ لقد قضي الأمر ، وانتهى كل شيء .

وقبل أن يدخل حجرته أقبلت عليه ” الحاجة ” وهي ” الدادة ” التي قامت بتربيته طول عمره والتي كانت له بمثابة أم بعد وفاة أمه التي لم يبصر لها وجهاً .

ومدت ” الحاجة ” يدها بخطاب لمح عليه طابع بريد لندن ورفعت المرأة يديها إلى السماء وهي تقول في استسلام :

  • منك لله .

كانت هي الأخرى ، غير راضية عن الإنجليزية ، وقد حاولت من قبل نصحه عبثاً .

انتهى الأمر ولا فائدة من التراجع .. إنها قد تكون قادمة في طريقها .. ومن الجنون أن يحاول إعادتها وخذلانها .

وفتح الخطاب ليعرف تاريخ وصولها ، ولكنه لم يكد يقرأ بضعة أسطر حتى رفع حاجبيه في دهش !!

ما هذا !! إنها تأسف جداً ، وتقول له إن خطبتها من أحد أقاربها قد تمت ، وأنها ستتزوج بعد بضعة أيام ، وتقول إنها ستذكره دائماً وتتمنى له مستقبلاً هنيئاً وحياة سعيدة .

بديع !

هذا الخطاب تستحق عليه ” الحاجة ” قبلة .. وناداها بصوت مرتفع :

  • يا حاجة !

وأقبلت الحاجة بخطى متثاقلة وأجابته في ملل :

  • نعم .. ” الأملة ” قادمة في الطريق ؟! نعلق الأعلام ونفرش الرمل ؟
  • ” الأملة ” ليست قادمة ، لن تأتي أبداً . ما رأيك ؟
  • لن تأتي ؟!
  • أجل ! لقد تزوجت ، والحمد لله .
  • الحمد لله .. أمغتبط أنت لزواجها ؟ .. كنت أظنك تنتظر قدومها بفارغ الصبر .
  • كان ذلك فيما مضى .
  • والآن ؟
  • تبدل الأمر .. لقد كنت أنتظر قدومها ككارثة .
  • يا ساتر يا رب ، وما الذي بدلك ؟
  • تعالي أقبلك أولاً .. أنت امرأة طيبة . وكلك بركة .

وضحكت الحاجة وضمته إليها وقبلته ، ثم تساءلت في تخابث :

  • قل لي ماذا أصابك ؟
  • لا شيء .
  • غير ممكن ! لابد أن هناك شيئاً !
  • هناك أشياء .. سأتزوج قريباً .
  • ممن ؟ ” خواجاية ” أخرى ؟
  • لا .. لا .. أبداً .. اطمئني .. مصرية بنت مصرية ، ستعجبك كثيراً .
  • مادامت مصرية .. فستعجبني حتى ولو كانت شحاذة .
  • ولكن أين أبي ؟
  • في الخارج لم يأت بعد .
  • عندما يأتي أنبئيني ، فإني أريد التحدث معه .

ولم يكد ينتهي من حديثه ، حتى سمع وقع أقدام أبيه المتثاقلة تصعد الدرج .

وجلس الأب على المقعد الذي تعود أن يجلس عليه ، وجلس الابن قبالته ، ومضت فترة صمت تمالك الأب فيها أنفاسه ، ثم قال لابنه كسؤال عابر :

  • كيف الحال ؟!
  • الحمد لله .
  • وكيف التدريس والطلبة ؟
  • على ما يرام .

وجرى بينما الحديث في شتى الشئون .. شئون السياسة والجو والحرب والغلاء . وأخيراً قال ” كمال ” :

  • لديّ نبأ قد يهمك بعض الشيء .
  • ما هو ؟
  • نبأ معافاتك من الأحفاد الإنجليز .

ثم انطلق ضاحكاً . وتساءل الأب مكرراً قوله في عجب :

  • أحفاد إيه ؟!
  • إنجليز . ألم يكن هذا ما يقض مضجعك ؟ ألم يسؤك بعد أن اشتركت في ثورة 1919 أن تكون جداً لأحفاد إنجليز ؟!
  • أجل ! يسيئني بالطبع .
  • لقد عافيتك من هذا .
  • كيف ؟
  • لقد أرسلت إليّ ردها تقول إنها ستتزوج من أحد أقاربها .

ونظر إليه الأب متعجباً من طريقة إلقائه الخبر ببساطة ثم تساءل :

  • وأنت .. ألم تصدم ؟
  • لا .. كله يهون . لقد كانت معارضتك في محلها . والحمد لله الذي أنتج العواقب سليمة .
  • الحمد لله .

وعاد ” كمال ” إلى غرفته ، وهو يحس بسعادة عجيبة .

ليته يستطيع أن يذهب إليها الآن ليسرد لها كل ما حدث وينبئها أنه قد بات حراً ، وأنه يستطيع الزواج منها .

ولكن كيف يذهب ، وهو لا يعرف بيتها .. إن عليه الانتظار ستة أيام طويلة أخرى .. ولكن لِمَ الانتظار ؟  إن المسألة أهم من أن ينتظر عليها ، وليس هناك ما يبرر تردده وخشيته وخوفه من أقوال الناس .. إن عليه أن يذهب في الغد إلى الجامعة ، ويطلب منها لقاء قريباً ، ينبئها فيه بكل ما عنده .

أجل ! سيذهب إليها في الغد .

وفي اليوم التالي قصد إلى الجامعة .. وعندما التقى بعبد السلام ادعى أنه قد ترك كتاباً في المكتب ، ثم سأله بطريقة عابرة :

  • ألم تحضر الآنسة سامية ؟
  • لم تحضر بعد .

وأخفى ” عبد السلام ” ابتسامته وهمس لنفسه :

  • والله وقعت .

ولم يكد ” كمال ” يختفي في الممر المفضي إلى حجرة الأساتذة حتى ظهرت ” سامية ” بعد آتية من الباب .

وهرول إليها ” عبد السلام ” وقال لها في تخابث :

  • يا ست ” سامية ” . الأستاذ ” كمال ” سأل عليك .
  • متى ؟
  • الآن .
  • أقد حضر ؟
  • أجل !
  • ولكن ليس عنده دروس اليوم ؟
  • الظاهر أن عنده ما هو أهم من الدروس .. لقد نسي كتاباً هاماً .

واتجهت ” سامية ” في لهفة ظاهرة إلى حجرة المدرسين ، وحيا كل منهما الآخر في كثير من ارتباك وخشية . وقال ” كمال ” في لهجة وجلة مقتضبة :

  • هل أستطيع أن أراك اليوم في موعد الأمس ومكانه ؟
  • أجل !
  • سأنتظرك إذاً . لا تـتأخري .

وهم بالانصراف متصنعاً العجلة .. ولكن ” سامية ” استوقفته متسائلة في لهجة لا تخلو من السخرية :

  • أأحضر معي كتاب الشعر ؟

ولم يملك إلا أن يضحك على تخابثها وأجاب في صوت ذي مغزى :

  • لا داعي ، سيكون لدينا حديث أهم من الشعر .

وفي نهاية الدراسة اعتذرت ” لأنور ” مرة أخرى عن مرافقتها له ، واتجهت إلى ميدان الجيزة .

وأحس ” أنور ” بكثير من خيبة وضيق ، وحدث نفسه قائلاً إنه لابد أن يفعل شيئاً إيجابياً .. لقد قرر أنها خير من تصلح له كزوجة ، فماذا ينتظر إذاً ! لِمَ لا يبت في الأمر وينبئ أسرته بعزمه ويتقدم لخطبتها رسمياً . إنها لا شك قد ضاقت بهذا التردد منه ، وهي مخلوقة جادة تكره العبث ، فيجب أن يريها أنه جاد هو أيضاً .

ووصلت ” سامية ” إلى ميدان الجيزة فوجدت العربة تنتظرها ، فدلفت إلى داخلها . وانطلقت العربة عائدة في عكس طريق الهرم .

فتساءلت في دهش :

  • إلى أين ؟
  • إلى المعادي ، هناك كازينو على النيل .
  • قد يكون هذا ملجأ للعشاق ؟
  • لا ضير علينا منه .
  • إنه ليس مكاناً للدراسة ولا لشرح الشعر !
  • لنندرس ولن نشرح شعراً .
  • وليس من المستحسن أن يرى فيه أستاذ وتلميذته !
  • لن نكون أستاذاً وتلميذته .

ماذا حدث له اليوم ؟ أين تحفظه ، وتعقله ، ورزانته ؟ ماذا كان به من الأمس ، وماذا أصابه اليوم ؟ وأي حديث هام ينوي أن يفضي به إليها ، وفي هذا المكان البعيد ؟

لابد أن يكون في الأمر شيء .

واندفعت العربة في طريق المعادي بسرعة غير عادية .

كان به من فرحته ، خفة وطيش ونزق .

وأخيراً وقفت العربة أمام الكازينو .. وهبط كلاهما ، وقد تغيرت الحال عن الأمس .. كان هو مستهتراً .. وكان هي قلقة خائفة . كان هو قد استقر على أمره بعد طول يأس وكانت هي لا تدري إلا أنها مندفعة في أمل قد يتحقق أو لا يتحقق .

واستقر بهما المقام في الناحية المنعزلة الكائنة في الجانب الأقرب إلى الشاطئ ، وبدا المكان خالياً ساكناً والمصابيح الكهربائية لا تبدد كثيراً من ظلمته .. وأصوات البحارة وارتطام المجاديف بسطح الماء يعلو بين آونة وأخرى . والضفادع تتبادل النقيق .. والنسيم يعبث بأطراف الشجر والحشائش والمزروعات عبثاً خفيفاً فيصدر منها ما يشبه الهمس .

واتكأت ” سامية ” على حافة سور حجري واطئ .. وأخذت تتشاغل بالعبث في زهرة في يدها .

وساد الصمت برهة .. صمت التحفز والاستعداد .. حاولت هي أن تلم خلاله شعث أفكارها المنطلقة في بيداء التخيلات والأحلام والأوهام ، وأن تنحي عن ذهنها سيل الأمنيات العذبة التي أخذت تتدفق فيه مستمدة قوتها من مشاعرها المتدفقة ومن الجو الحالم الشاعري الذي أحاط بها .

وحاول هو أن يركز تفكيره لكي يصل إلى هدفه من أقرب طريق .

ونظر إليها نظرات لم تخف ما به من وجد وصبابة .. وقال لها في لهجة ذائبة :

  • لديّ كلام كثير .
  • عن كاليكليز ؟
  • لعنة الله عليه ، ولو أنه هو الذي كان السبب الأول في ارتباطنا .
  • عمن تريد أن تحدثني إذاً ؟
  • حديث طويل ، لا أدري من أين أبدؤه .. ولكن قبل أن أسترسل فيه أسألك سؤالاً واحداً .. على إجابته يتوقف كل ما أنوي قوله ، بل عليه يتوقف إذا كنت أقول كل ما عندي أو لا أقول شيئاً أبداً .
  • سل ما تشاء !

وصمت برهة ، بدا خلالها كأنه يستجمع شجاعته .. ثم سألها في همس ووجل :

  • إذا سألتك أن تتزوجيني . فهل تقبلين ؟

ولا شك أن سؤاله كان مفاجأة شديدة .

إن هذا هو أقصى ما تتمناه ، وأجمل ما كانت تتلهف على سماعه منه .

ولكنها لم تتوقع أنه يقوله بمثل هذه السرعة والسهولة ، كانت تتوقع أن يسبقه مقدمات ، ومقابلات واستفسارات واختبارات .. قد تجتازها وقد لا تجتازها .

أما أن يكون هذا هو أول سؤال يسأله إياها .. فهذا ما كان ليخطر لها على بال .

وكان يحدق في وجهها قلقاً ، والأفكار تدور في ذهنها .

وأخيراً سألها مستفهماً :

  • لم تجيبي بعد ؟

ورفعت عينيها إلى عينه .. وأطلقت تنهيدة حارة .. وأجابت :

  • طبعاً أقبل .. إن هذا هو أقصى ما أتمناه .

ومد يده فجذب يدها .. ووضعها على شفتيه في سكون قائلاً :

  • الحمد لله .

أجيبي يا أماه

5

وأحست هي من قوله أنه قد بدأ من النهاية ، وأنه أفضى بطلبه وبرضائه عن موافقتها بكل ما يكنه من مشاعر ، وأنه لخص بكلماته المعدودات ما كان يمكن أن يفضي إليها به من أقوال في ساعات عن شجون الحب ، وأحاديث الغرام .

ولكنها مع ذلك تود لو أنها تسمع تلك الأحاديث والأقوال . لقد عاشت حياتها الماضية بعيدة عن كل ما يثير مشاعرها ويؤجج أحاسيسها ، وكانت طريقته هذه ـ طريقة طلب الزواج مباشرة ـ خليقة بأن تكون أنسب الطرق لها . ولكنها مع فرط إحساسها بالسعادة ، تحس بحاجة شديدة إلى المناجاة والغزل .

وبدأ مناجاته لها ، فأننبأها كيف وقعت من نفسه وهي حائرة في الامتحان وكيف كان يتجنب النظر إليها في الدرس وبوده لو لم يفعل شيئاً غير النظر إليها ، وقص عليها كيف أوشك أن يتزوج من صاحبته الإنجليزية ، وكيف كان يمانع والده في ذلك .

وجرى بينهما الحديث شيقاً ممتعاً ، رغم أنه لا يعدو أن يكون ترديداً لأشياء لا يجهلها واحد منهما .

وحدثته هي عن نفسها فأنبأته أنها تعيش مع أمها .. واسترسلت تقول :

  • إنها سيدة لطيفة رقيقة ، وليست أشك في أنك ستحبها كثيراً ، كما أحببتها أنا دائماً ، ولست أشك كذلك في أنها ستحبك كما أحببتني .. إني متلهفة على أن يرى كل منكما الآخر فأنتما أعز مخلوقين لديّ في الحياة .

وصمتت برهة كأنها تتذكر أمراً ، ثم قالت في فرح :

  • أظنني أحمل لها صورة في حقيبتي ، صورة لكلتينا قديمة عندما كنت طفلة !
  • لابد أنك كنت عفريتة صغيرة ، دعيني أراها .

وفتحت الحقيبة وبحثت فيها برهة وما لبثت أن أخرجت بضع صور وبدأت تعطيه إياها واحدة واحدة وهي تقول :

  • هذه صورتنا معاً ، وهذه صوتي مع بعض الصديقات في المدرسة الثانوية ، وهذه صورتي بعد البكالوريا وهذه صورتي في الجامعة .
  • لطيفة جداً ، سآخذ هذه الصورة ، وهذه الصورة أيضاً ، حتى أريهما للحاجة ، فستسر منهما كثيراً . لقد كانت سعيدة بالأمس ، وأنبأتني أنها تفضل أن أتزوج شحاذة مصرية وبي شوق إلى أن أريها صورة المتشردة التي سأتزوجها .

وأخذ صورتها وهي في الجامعة ، وصورتها وهي طفلة بجوار أمها ، ووضعهما في جيبه وهو يقول :

  • كان يجب أن تتركي ضفائرك مسترسلة كما هي ، فإن شعرك جميل جداً .
  • فتاة في الجامعة بضفائر ؟! دكتورة بضافئر ؟ إنك تنسى مركزي ؟
  • لن يكون لك مركز إلا في البيت .
  • أتقول حقاً ؟
  • طبعاً .
  • ألن تتركني أتمم دراستي ؟
  • لا .. لا .. سيكون لديك دراسة أهم ، سأكون أنا والأولاد موضع دراستك .
  • والدكتوراه ؟
  • سأحصل عليها أنا نيابة عنك .. إن زوجة الدكتور دكتورة بلا شك .
  • والحزب النسائي ؟
  • تنازلي عن رئاسته .
  • ورئاسة الوزارة ؟!
  • مرة واحدة ؟! هذه مسألة فيها نظر . إذا دعيت لتأليف الوزارة فأنيبيني عنك .

واندفعا في الضحك ، وقد غمرتهما السعادة والهناء ونظرت إلى ساعتها ثم رفعت حاجبيها في دهشة وهتفت :

  • الساعة التاسعة ، لابد أن أعود وإلا قلقت أمي عليّ .

وقاما متجهين إلى العربة ، وقد تأبط كل منهما ذراع الآخر بلا وجل ولا خشية ، وانطلقت بهما العربة إلى القاهرة ، وفي هذه المرة لم تجد ما يمنع من أن يوصلها حتى باب البيت ، وقبل أن يفترقا اتفقا على اللقاء في الغد .

وسار هو بعربته ملوحاً لها في الظلمة بيده . ودلفت إلى الداخل ، فأبصرت أمها تنتظر في الشرقة ، ولم تكد تبصرها حتى هتفت بها :

  • سامية ! لِمَ هذا التأخير ؟ كان يجب أن تخبريني أنك ستتأخرين حتى توفري عليّ هذا القلق وتلك الوساوس .

وصعدت الفتاة الدرج ، وأقبلت على أمها فاحتضنتها وقبلتها قائلة في مرح :

  • أني لم أعد صغيرة يا أماه ، عما قريب قد يصبح لي أولاد ، وسأكون عليهم في لهفة مثلك .

ووقع قولها في مسامع أمها موقعاً غريباً ، فما تعودت منها التحدث بتلك اللهجة ، بل كانت لا تكاد أمها تحدثها عن الزواج حتى تصدها قائلة :

  • دعينا من هذا الآن .. إن أمامي مستقبلاً حافلاً ، وأعمالاً جليلة .

وكانت أمها تعجب من برودها دائماً ، وتراها على  كثير من الشذوذ ، ولكن لم تكن تملك إلا أن تحمد الله على هذا .

أما الآن وهي تخبرها أنها قد تصبح لها أولاد مثلها ، فقد بدا قولها عجيباً .. حقيقة أنها تمزح . ولكنها لم تتعود أن تمزح بمثل هذه الطريقة .

ولم تمتلك الأم إلا أن تقول ببساطة وإخلاص :

  • ربنا يسمع منك .
  • لقد سمع وانتهى الأمر .
  • ماذا تقولين ؟
  • إن الأولاد في الطريق .
  • أولاد في الطريق ؟! بلا زواج ؟! أولاد بالدراسة العليا ، أم بالدكتوراه ؟
  • كيف بلا زواج ؟ إني ليست مريم .
  • إذاً فعلا انتظار الأولاد ، وأنت معرضة عن الزواج ، لا تطيقين حتى م جرد ذكره أمامك ؟
  • من قال هذا ؟ لقد عدلت عن رأيي أخيراً .
  • عجيب !
  • وعلام العجب ! إن الإنسان يظل على رأي ، حتى يطرأ ما يغيره .
  • وهل طرأ هذا الذي غيره ؟
  • أجل ! طارئ عجيب !
  • سامية ! أرجوك أن تفصحي إذا كنت جادة حقاً في قولك ؟
  • أفصح عن أي شيء ؟ موجز القول أني خطبت .
  • خطبت ! هكذا دون أن أعرف .. ودون أن أبدي رأيي ، كأني لست أمك ؟
  • هذا الذي أفعله الآن ! إني أنبئك ، وآخذ رأيك . ما رأيك يا أماه ؟
  • رأيي ؟! في أي شيء ؟
  • في خطبتي .
  • وكيف أبدي رأيي ، وأنا لم أر الخطيب ، ولم أعرف اسمه ، ولا مركزه ولا عائلته ؟!
  • لقد رأيته أنا ، وعرفت أنا كل شيء عنه . دعي كل هذا لي . فأنا أدرى منك به .. أنبئيني ما رأيك ؟
  • سامية .. أرجوك .. اقعدي ، وكفي مزاحاً وهيافة ، أنبئيني إذا كنت قد خطبت حقاً .. من هو ؟
  • أستاذ الإنجليزية الذي يدرس لنا في المعهد .
  • أستاذ الإنجليزية ؟
  • أجل .. أية غرابة في ذلك ؟
  • مصري ؟!
  • مصري ، ومن ” حوش آدم ” .
  • لا تهزلي يا سامية .. إني أسألك جادة .
  • جادة !! كيف ؟ تسألينني مصري وتقولين جادة ؟ أتظنين أني سأقدم على زواج إنجليزي ، أو أن الإنجليزي قد جن حتى يتقدم لخطبتي .
  • أستاذ الإنجليزية المصري الذي يدرس لك في المعهد ؟
  • أجل !
  • وكيف يكون هذا ؟ كيف تتزوجين من أستاذ في سن أبيك ؟
  • في سن أبي ؟ من قال هذا ؟!
  • أستاذ في الجامعة لن تكون سنه إلا ضعف سنك !
  • ليس أستاذاً بمعنى الكلمة ، إنه معيد .. يدرس لنا بدل الأستاذ الغائب ، تستطعين أن تسميه مساعد أستاذ .. أو صبي أستاذ .. وهو صغير جداً ، يكاد يقاربني في العمر حتى أني ظننته في أول الأمر طالباً ، وسألته لماذا يتجول في مدرج الامتحان .
  • وماذا دعاه إلى خطبتك ؟
  • حماقته .
  • وماذا دعاك إلى قبوله ؟
  • حماقة أشد .
  • سامية ! كوني صريحة في قولك .. كوني جادة مرة واحدة ، في مسألة هامة كهذه ؟
  • صراحة .. لقد أحببته .
  • أنت أحببت ؟
  • ولِمَ لا ؟!
  • كنت أظن أن قلب مثلك لا يفتح لأحد !
  • وكنت أظن ذلك ، حتى طرقه صاحبنا .. فانفتح على غير إرادة مني .. لم يكن معه مفتاح ، بل كانت معه ” طفاشة ” أشبه بطفاشة لصوص الخزائن .. ومع ذلك فلم يكن به من حاجة إلى استعمالها ، فقد فتح به باب القلب على مصراعيه بمجرد أن سمع وقع أقدامه .
  • أنت تقولين هذا ؟
  • ولِمَ لا يا أماه ؟ إني بشر !
  • ومثلك العليا ؟ وخططك الهائلة ؟ ومشروعاتك الكبرى ؟ والدكتوراه ؟ والحزب النسائي ؟ وحقوق المرأة ؟ والبرلمان والوزارة ؟
  • كل هذه ما عادت تساوي قالمة ظفر . لقد أمرني أن أكف عن الدراسة ، فلبيت صاغرة .
  • هكذا وبمثل تلك السرعة ؟ رغم أني عندما سألتك الكف عنها ، رفضت بإباء ؟
  • لقد هيأ هو دراسات أخرى وواجبات أعظم .
  • وما هي ؟
  • دراسة طبائعه وعاداته ، ورعاية بيته وأولاده .
  • ما شاء الله . إذاً لقد انتهى الأمر بينكما ، ولم يعد لي مجال لإبداء الرأي ؟
  • ولكنك أبديت رأيك .
  • كيف ؟
  • إن رأيي هو رأيك .. فأنا أفكر بذهنك ، وأرى بعينيك . إني واثقة أن ما أراه حقاً سترينه حقاً ، وما أراه باطلاً سترينه باطلاً .. أنا وأنت مخلوق واحد ، وأقسم لك لو رأيته لأحببته كما أحببته أنا ولوافقتني على الزواج منه .

وضمتها الأم بين ذراعيها .. وقد اغرورقت عيناها بالدموع .. دموع الفرح ، وقالت في حنان زائد :

  • أنا أعلم ذلك .. أعلم أنك أوفر الناس عقلاً وأكثرهم روية .. إني أثق بك أكثر مما أثق بنفسي .. وأدعو الله أن يسدد خطاك ويجنبك عثرات الحياة . إن كل أمنيتي هي أن أراك قريرة هانئة .

واستسلمت ” سامية ” برهة لأحضان أمها ، ثم ما لبثت أن رفعت رأسها متسائلة :

  • متى تودين أن تريه ؟
  • خير البر عاجله .
  • سألقاه في الغد . وأعلم منه ما ينوي أن يفعله .

وكان ” كمال ” قد وصل في تلك اللحظة إلى البيت ووضع العربة في ” الجاراج ” واتجه إلى الداخل عابراً الحديقة وهو يصفر في جذل ومرح .. وصعد الدرج في بضع قفزات .. واتجه إلى حجرته ، وكان أول ما فعل هو أن أخرج الصورتين وأخذ يعيد مشاهدتهما .. وهو يبتسم في حبور واغتباط .

سيقدم الصورتين للحاجة .. سيريها الصورة الأولى أولاً التي تظهر فيها ” سامية ” وهي طفلة بضفائرها وبجوار أمها . سيقول لها إن هذه هي خطيبته ، وستصيبها الحيرة بالطبع وستثور عليه .. إذ لن يخطر لها ببال أنه قد خطب الطفلة ، بل ستظن أنه خطب امرأة متزوجة ، ولها أولاد .

وسيضحك عليها كثيراً .. كما تعود أن يضحك دائماً .. وسيريها بعد ذلك الصورة الثانية ، ويطلب رأيها ، ثم صاح :

  • يا حاجة .. يا حاجة .

وأقبلت الحاجة في خطواتها المتثاقلة وهي تقول :

  • العشاء جاهز .
  • دعينا الآن من العشاء .. عندي لك خبر هام .
  • خير إن شاء الله ؟
  • لقد خطبت .
  • خطبت ؟!
  • أجل ! خطبت .
  • هكذا ، بسرعة ؟
  • وماذا في ذلك ؟
  • كان عليك أن تنتظر على الأقل حتى تنتهي مدة الحداد على الخطوبة السابقة .
  • إني أتكلم جاداً يا حاجة ، حقيقة لقد خطبت .
  • خطبت من ؟
  • فتاة عجيبة .. أحببتها جداً .
  • متى أحببتها ؟ بين يوم وليلة ؟
  • لا .. لا .. لقد ابتدأ الأمر بيننا منذ مدة طويلة .
  • لعلك تكون عرفت كيف تنتقي هذه المرة ؟
  • اطمئني .. هذه المرة ستعجبك جداً .
  • على أي حال .. وأياً كانت .. فهي لا شك خير من الإنجليزية التي كنت تنوي ابتلاءنا بها .
  • خير بكثير .. بكثير جداً .. إن معي صورتها .
  • أرنيها .

ومد يده ببساطة بالصورة الأولى .. ووقف يرقب الانفعالات التي ستبدو على وجهها وهو يحاول إخفاء ضحكته .

إنها تحملق في الصورة في دهش .. ما زالت تحملق . إن حدقتيها تتسعان وشفتيها تتحركان .

إنها لم تنبس ببنت شفة .. إنها في ذهول تام .

المرأة الساذجة .. لا شك أنها قد ظنته سيتزوج الأم . أو من يدري ربما قد ظنته ، سيتزوج الطفلة .. وهي طفلة .

ولكن ما لها مستمرة في الحملقة .. ما الداعي لهذا الذعر كأنها قد أبصرت شبحاً مخيفاً .. لماذا لا تسأله ؟ لماذا لا تبدي استنكارها وغضبها ؟

وأخيراً لم يطل ذلك الصمت المروع .. وخشي على المرأة أن يصيبها شيء فقد بدا وجهها في شحوب شديد .

وقال لها متسائلاً :

  • ما رأيك يا حاجة ؟ أتعجبك ؟

ولم تجب المرأة .. ولكنها انهارت على أحد المقاعد .. انهارت انهياراً تاماً وسقطت الصورة من يدها . وسألت في صوت خافت :

  • ما هذه ؟!
  • ما الذي أصابك .. إنها صورتها .
  • صورة من ؟
  • خطيبتي !
  • من أعطاك إياها ؟ وكيف حصلت عليها ؟
  • ما بالك تتحدثين كأنك رأيت صورة شبح .. لقد حصلت عليها منها .. أية غرابة في ذلك ؟! إني لم أسرقها طبعاً ، لا تخافي .
  • منها هي ؟ أقد رأيتها ؟
  • طبعاً .. أقول لك خطبتها .. فتسألينني عما إذا كنت قد رأيتها .

وأحنت جسدها إلى الأمام وسألت في حدة :

  • خطبت من ؟ من هي تلك التي خطبتها ؟ إنك تمزح ؟ إنك تهذي !

لابد أنها ظنته قد خطب الأم ، ولكن أيدعو ذلك إلى  كل هذا الارتياع ؟ . لعنة الله عليها من امرأة مخبولة ، لابد أن يطمئنها وإلا أغمى عليها .

وأخيراً قال لها ضاحكاً :

  • أيتها المجنونة لقد خطبت الابنة ـ الطفلة الصغيرة ـ إنها صورتها منذ بضع سنين .

وصاحت المرأة في فزع :

  • خطبت من ؟ أنت مجنون ؟ إنك لا تعرف من تكون هذه ؟ ومن أين لك أن تعرف ؟ بل من يصدق أن مثل هذا الأمر كان يمكن حدوثه ؟ من يخطر بباله أن من بين هذه الملايين من الفتيات التي تزخر بها الأرض .. لا يقع اختيارك إلا على هذه المخلوقة ، على ابنتها بالذات .

ونظر إليها في حنق ودهش .. ماذا تعني هذه المخبولة ، وصاح بها متسائلاً :

  • ابنة من ؟

وعضت العجوز على نواجذها .. ثم أطلقت قولها كما تطلق القذيفة .. قالت في يأس شديد :

  • ابنة ، أمك .

وصاح كمال :

  • ابنة من ؟
  • أمك .. أمك أنت .
  • إنك لا شك قد جننت ؟!
  • أنت الذي جننت .
  • ولكنك تعلمين أن أمي ماتت .
  • ماتت أو لم تمت .. هذه هي أمك .. بعينها ولحمها ودمها .. إني أعرفها تماماً .
  • يا حاجة لا تكوني مجنونة ، لا تهذي بما لا تعين . أنت تعرفين تماماً ، أن أمي م يتة .. تعرفين أني ولدت فلم أجدها .. إنها ماتت وهي تضعني .. هكذا عرفت طول حياتي الماضية . هكذا قال أبي وهكذا قلت أنت . إني لم أعرف لي أماً سواك .

ولم تزد المرأة على قولها في يأس وإصرار :

  • هذه هي أمك ، بعد كل هذه الأعوام الطويلة التي مضت أعرفها من بين ألف امرأة .. إنها أمك . أمك .
  • لن أصدقك . إنك في غير وعيك . إنك لا تفهمين ما تقولين ، سأسأل أبي حتى أجعلك تكفين عن هذا الهذيان .
  • لا تسأله شيئاً ، لو تره الصورة .. انس كل شيء . اقطع كل علاقة لك بها ، إنك ستقدم بزواجها على جرم لن تغفره بنفسك طول حياتك ، ابتعد عنها ، لا تقربها .
  • أقطع كل علاقة لي بها من أجل تصوراتك الخرقاء ؟ اذهبي إلى فراشك الآن ، استريحي ، فأنت لا شك متعبة ، وسأستفسر منها في الغد عن كل هذا الهراء الذي تقولين .

وتحاملت الحاجة على نفسها ، وعادت إلى حجرتها ، واستمر هو يغدو ويروح في غرفته قلقاً يحدث نفسه :

  • أمي ؟ كيف ؟ ولِمَ لم يخبروني أن لي أماً على قيد الحياة ؟ كل هذه المدة الطويلة انصرمت من عمري وأنا أعرف أني يتيم الأم .. أيعقل ذلك وهي مازالت على قيد الحياة ؟ لا . لا . يجب ألا أشغل رأسي بمثل هذه السخافة .. لن أسأل أبي مثل هذه الأسئلة المضحكة . هذه أشياء لا تحدث إلا في الروايات .. أشياء يضعها المؤلفون لتسلية قرائهم ، أما أنا فما أظنني بحياتي الطبيعية العادية .. أيمكن أن يجعل مني القدر بطلاً لمثل هذه الأسطورة الغريبة !

أمي الميتة تعود إلى الحياة لتصبح من دون نساء الأرض .. أم الفتاة التي اخترتها لكي تكون لي زوجة ؟ لا . لا . هذا لا يعقل ، ولا مبرر له ، ولا علة ولا سبب .

واستلقى في فراشه والأفكار والأسئلة تصطخب في رأسه .

يجب عليه أن ينتظر إلى الغد ، وينبئها بهذيان الحاجة . ستضحك كثيراً .. وستنبئ أمها لتتخذ منها نكتة لطيفة .

أجل ! أجل ! إنها مجرد فكاهة لا أكثر ولا أقل .

وفي اليوم التالي كانت العربة تعدو بهما في طريق الهرم . وأخيراً توقفت قرب ميناهاوس .. وبدأت هي الحديث فأنبأته كيف تلقت أمها الخبر .. وكيف بدا عليها السرور .

وعندما انتهت من حديثها شرد به الذهن برهة ثم قال :

  • لقد وقع بالأمس حادث عجيب .. حادث مضحك ، أعتبره نكتة الموسم .
  • قصه ! لق مضت عليّ برهة لم أسمع نكتة جديدة .
  • لقد أريت صورتك أنت وأمك للحاجة ، فما كادت تتخيلها حتى قالت ..

ولم يتم حديثه .. حتى قاطعته بقولها :

  • قالت عليّ قبيحة ؟
  • يا ريت !
  • متشردة ؟ مجنونة ؟ قل . قل . إني سأحتمل أي إهانة منها .
  • لم تقل عنك شيئاً .. بل إنها لم تلتفت إليك البتة .
  • قالت إذاً عن أمي . سأعرف كيف أقتص منها .. ماذا قالت ؟
  • قالت إنها أمي أنا .
  • أمك أنت ؟

واندفعت ” سامية ” تقهقه بشدة وأجابت :

  • كويسه .. كويس خالص .. نكتة لا بأس بها .
  • ولكنها لم تقلها على سبيل النكتة !
  • ربما تكون أمي شبه أمك . يخلق من الشبه أربعين .
  • إنها لم تقل أنها تشبهها . بل قالت إنها هي . هي لا محالة .
  • ولكنني أظن أن أمك ( عليها رحمة الله ) توفيت .. وأمي ( مد الله في عمرها ) حية . فما رأيها في ذلك .
  • لقد أصابها ارتياع شديد .. كادت الصورة تصرعها وأصرت على أنها هي بعينها أمي . وأنها تعرفها من بين ملايين النساء .
  • على أية حال .. المسألة ليست بعيدة .. سأسأل أمي عما إذا كانت ولدتك قبلي .. أما الآن فدعنا من هذه المخبولة التي حيرتك ولنتحدث فيما هو أهم . وفي الغد سأحمل رأي أمي فيك وفي الحاجة ” بتاعتك ” ولا أظنه يكون رأياً يسرك !

وجرى بينهما الحديث مرهفاً لذيذاً . ونسيا كل شيء عن قول الحاجة . بل لقد استحمق هو نفسه . كيف قبل أن يسمع قولها . وكيف ترك نفسه يفكر فيه . ويقلق من أجله !

وأخيراً افترقا ، بعد أن اتفقا على اللقاء في اليوم التالي ، وأنبأها أنه سيخبر أباه بعزمه على خطوبتها حتى يقوما بالإجراءات الرسمية الشكلية .

وعادت هي إلى البيت فوجدت أمها جالسة في الشرفة تنتظرها كعادتها وسألتها الأم ضاحكة :

  • كيف حال خطيبك ؟
  • بخير .. يسلم عليك كثيراً .. وسيزورك في القريب لعمل الإجراءات الرسمية كما يقول .

ثم أردفت تقول في لهجة مزاح :

  • لقد اتضح أنا لنا به صلة قرابة .
  • صلة قرابة ؟
  • أجل قرابة ! أي شيء في ذلك ؟
  • أتمزحين ؟
  • بل أقول الجد !
  • قرابة من أي نوع ؟
  • نوع عابر .. بعيد .. إنه ابنك .

وانطلقت تقهقه .. وهي تردف قائلة :

  • بسيطة .. إنه ليس أكثر من أخي .. الحمد لله . إنه لم يكن أقرب من ذلك ، لم يكن أنا مثلاً .

وقالت الأم ضاحكة :

  • ألا تكفين عن المزاح ؟ حياتك مزاح في مزاح ؟
  • وما ذنبي أنا في ذلك .. والحاجة تؤكد قولها .. وتقسم عليه .
  • الحاجة ؟ من هي الحاجة ؟
  • التي قامت على تربيته بعد وفاة أمه ، لقد قال لي إنها لم تكد ترى صورتك حتى شحب وجهها وبدا كأنها قد أبصرت شبحاً ، وِأنها لم تتمالك نفسها وتهاوت على المقعد ، وقالت إن هذه صورة أمه بلحمها ودمها وأنها تعرفها بين ملايين النساء .
  • ولكن ألم تقولي إن أمه ماتت ؟
  • هكذا قالوا له .. إنه لا يذكرها ولا يذكر موتها .
  • وماذا قالت له الحاجة ؟
  • قالت ماتت أو لم تمت .. إن هذه هي صورة أمك فأوقف خطبتك ، واقطع كل علاقة لك بها . لقد قال لي إنه لم يرها في مثل تلك الحالة من الارتياع واذعر حتى إنه ليجزم أن المرأة قد أصابها شيء ، فما كان بها ليس أمراً طبيعياً .

ونظرت الفتاة إلى أمها فإذا بها قد وضعت رأسها في كفها وأخذت تضغط بأصبعها على وجنتيها ، وقد أغمضت عينيها وشحب وجهها ، وبدت كأنها تقاسي ألماً أو كأنها توشك أن تروح في غيبوبة .. وهتفت ” سامية ” صائحة بها :

  • أماه ؟! ماذا بك ؟ ما بالك ؟

وأجابت الأم بصوت خافت وكأنها تتساقط إلى هوة عميقة :

  • ماذا قلت اسمه ؟
  • كمال .
  • كمال ماذا ؟
  • كمال عبد الرحيم .

وعادت أمها تعتصر رأسها في ألم شديد وتهمس لنفسها :

  • لا .. لا .. لا يمكن أن يكون ذلك صحيحاً .

وتملك ” سامية ” ذهول شديد ، وأخذت ترقب أمها في فزع وسألتها في صوت يشبه النحيب :

  • ما بالك ؟ ماذا تقولين ؟ أجيبي يا أماه ؟! لا تتركيني هكذا حائرة .. قولي شيئاً ؟

ولم تجب الأم ، ومضت برهة ، وهي دافنة رأسها بين راحتيها .. كأنما تقاوم ألماً عنيفاً ، وأخيراً نهضت متثاقلة وقالت لسامية : تعالي .

وتبعتها ” سامية ” في صمت ، وقد اصطخبت في ذهنها الأفكار حتى أصبحت لا تكاد تعي مما حولها شيئاً .. ماذا تقول ؟ وماذا تعمل ؟

ودخلت أمها حجرة نومها ، وفتحت أحد أدراج الدولاب ، ثم أخرجت صندوقاً مغلقاً وضع ضمن الصناديق المغلقة التي كانت تضع أمها فيها حليها والأوراق الهامة .. كعقود البيع والإيجار وحجج العقارات .

ووضعت الأم الصندوق على المنضدة .. ثم أخرجت مفتاحاً صغيراً وضع داخل أحد صناديق الحلي ، وفتحت الصندوق ، ثم أخرجت رزمة أوراق مطوية بدا عليها القدم ، ثم مدت بها يدها إلى ابنتها ، وقالت في صوت منخفض :

  • خذي هذه .. اقرئيها .. كان يجب أن تقرئيها من قبل .. كان يجب أن أقول لك كل شيء .. ولكن ظننت أن الحياة يمكن أن تطوي ما مضى ، ولم أظن أن الأقدار ستعود مرة أخرى إلى نبش رفات الماضي .. خذيها .. اقرئيها .

وأمسكت ” سامية ” بالأوراق في ذهول ، وكانت أمها في حالة إعياء شديد ، فحاولت أن ترقدها ، وتجلس بجوارها ولكنها قالت لها :

  • إني بخير ، سأجلس في الشرفة ، واذهبي أنت لقراءتها .

وسارت ” سامية ” إلى حجرتها ، وهي تطبق بأصابعها على تلك الأوراق .

ماذا بها ؟! ماذا يمكن أن تحتوي عليه من الأسرار ؟ وكيف سينتهي بها الأمر ؟

أيمكن أن يكون النبأ صحيحاً ؟ أيمكن أن يخيب القدر لها أول أمل في حياتها بمثل هذه الوسيلة المفجعة .. الوسيلة المفاجئة التي لا تحدث إلا في القصص ؟ أيمكن أن يكون قد حرك قلبها ليلهبه بذلك السوط الموجع الأليم ؟

لقد كانت كل حياتها طبيعية سهلة .. لا غرابة فيها ، ولا مشاعر ، ولا انفعالات .. أيمكن أن يدفع فيها القدر بزوبعة عاتية .. بعد طول سكينة وهدوء ؟

لا .. لا .. حرام عليه .. إنها لم تحاول أن تطلب لنفسها شيئاً .. لقد كانت دائماً قانعة بكل شيء ، مجنبة نفسها شرار غائب النفس .. أيعقل بعد ذلك أن يهبها متطوعاً .. هذا الأمل الحلو .. ثم يسلبها إياه بهذا العنف والانفعال ؟

إنه قطعاً ليس ابنها .. ولكن ما بالها قد أصابها هذا الغثيان والانهيار .. وما بالها أعطتها هذه الأوراق ؟

إن في الأمر سراً ، ولكن مهما كان هذا السر ، فهو قطعاً ليس أخاها .

أجل ! ليس أخاها .. لا يمكن أن يكون أخاها .

ويحها ، وويحه ، وويح الأقدار العابثة .. إنها تحبه بكل جارحة في نفسها ، تحبه كما تحب المرأة الرجل ، لا كما تحب الأخت أخاها .

وأخيراً استقرت في فراشها وبدأت القراءة في انهماك شديد .