رواية بين الأطلال – الجزء الثالث

رواية بين الأطلال الجزء الثالث

رواية بين الأطلال – الجزء الثالث

رواية بين الأطلال الجزء الثالث
رواية بين الأطلال الجزء الثالث

شمس غاربة

النصف المحرم

11

” سأكتب لها خاتمة جيدة … وسأجعلها خير ما كتبت ” .

وانتهت ” سامية ” من قراءة هذه الجملة ، وأخذت تقلب الأوراق فلم تجد بعد ذلك شيئاً .

وأحست بالدمع يترقرق في مآقيها ، وحاولت عبثاً أن توقف انهماره .

إن الكاتب يكره أن يستبكي عيناً أو يستذرف دمعاً ، وهو لا يخشى أكثر من أن يثير الشفقة أو الرثاء .. فهو يتماسك ويتجلد ، ويدعي القوة وهو مجروح النفس ، مشلول الجسد ، مرهق الذهن .

أية قوة بعد ذلك قد تركها له الهجر والمرض واليأس من الحياة ؟

كيف يسأل قارئه عدم الرثاء ؟!

ولكن أين الخاتمة ؟! أتراه قد كتبها كما كان يريد ؟

إنه يخشى أن يخذله القارئ في آخر ما كتب .. يخشى أن يخرج من الحياة بغير تصفيق ولا إعجاب ..

عجباً لهؤلاء الكتاب .. ما أشد حبهم لكتابتهم .. أفي مثل هذا الموقف الأليم يتوق للإعجاب والتصفيق ، ويخشى خذلان القارئ ؟

ولكن القارئ لن يخذله ، فهي لم تقرأ أروع من هذا شيئاً .. حتى ولو لم تكن له خاتمة .. أجل .. إن هذه الأوراق على حالها من النقص .. تعتبر أحر وأصدق ما قرأت .. إنها شيء حيّ .. إنها مشاعر زاخرة متدفقة ، لا حبر على ورق ، ولا حديث يقص ، أو قصة تروى .

ولكن .. أترى قد حدث هذا حقاً ؟ أهذا الذي قرأته أمر واقع .. أم مجرد قصة ؟! وإذا كان مجرد قصة فلماذا لم تطبع ؟ ولِمَ تركت في هذه الأوراق القديمة الباهتة ؟ وماذا أوصلها لأمها ، وما دخلها بها ؟

ولماذا أعطتها إياها في هذه الظروف العجيبة اليائسة ؟ أتراها تريد أن تخفف من مصابها بإعطائها أمثلة من بعض مصائب الناس ؟

إن الأمر يحتاج إلى تفسير ، فهذه المذكرات ـ رغم قوتها وشدة تأثيرها ـ لا تعتبر حلاً لمسألتها ولا تفسيراً لها .

وكانت تحس بعد قراءة المذكرات بإرهاق شديد ، فقد زادتها بأساً على بأس وحزناً على حزن .. وودت لو ظلت متمددة في فراشها مستغرقة في النوم ، ولكنها كانت تعلم أن النوم لن يقرب من أجفانها .

وألقت بنظرة خاطفة على الساعة الصغيرة الموضوعة على المنضدة ، وغادرت الفراش ممسكة بالأوراق في يدها .

كانت الساعة قد بلغت الحادية عشرة ، وكانت تخشى أن تكون أمها قد آوت إلى فراشها ، فسارت تسترق الخطى إلى غرفة نومها ، ومدت رأسها من خلال الباب فوجدت الفراش خالياً منها .

وعبرت الحجرة إلى الشرفة المطلة على الحديقة فوجدت أمها قد جلست على الأريكة شاردة ببصرها في أنحاء الحديقة التي لفتها الظلمة .

واتخذت ” سامية ” مجلسها بجوارها ، ثم مدت يدها بالأوراق متسائلة :

  • أما زالت لها بقية ؟! إن الخاتمة لم تكتب بعد !

وأمسكت الأم بالأوراق في رفق ، وأجابت وهي تهز رأسها :

  • ليست لها بقية .. لقد ذهب قبل أن يكتبها .

وبدأت الأسئلة الحائرة  تتزاحم على شفتي الفتاة .. من هو ؟ وما علاقته بها ؟ ولِمَ أعطتها هذه المذكرات في هذا الوقت بالذات ؟ وما صلة ذلك كله بالصدمة المفاجئة التي تلقتها اليوم ؟ أحقاً ما قالت العجوز ؟ إن هذا أمر مستحيل ! إن العجوز تهذي لما لا تعي .. هذه لا شك خرافة ! ولكن لِمَ لا تتحدث أمها ؟ لماذا لم تجب ؟ لماذا لم تكر ؟ بل لماذا لم تسخر وتقهقه ضاحكة ؟!

إنها لم تفعل شيئاً من هذا كله ، بل بهتت ووجمت .

وبعد كل هذا لم تقل شيئاً ، لم تجب بنعم أو لا .

أو على الأصح لم تجب بـ ” لا ” فإن إجابتها في الواقع لا يمكن أن تكون ” نعم ” .

أجل ! إنه لا يمكن أن يكون هناك أبداً تعليل للمسألة .

لم تقل الأم ” لا ” ، وكل ما فعلت هو أن أعطتها هذه الأوراق لقراءتها .

وقد ظنت الفتاة في ذهولها ودهشها ، أنها ستجد فيها تفسيراً لهذا اللغز العجيب والمسألة المعقدة .

ولكنها مع ذلك لم تكد تنتهي من قراءتها حتى زادت دهشتها .

واستمرت الأسئلة تلح في ذهنها ، دون أن تجسر على الإفصاح بها .

وعادت الأم تتمتم قائلة :

  • أجل ! لقد ذهب قبل أن يكتب الخاتمة ، ولكني أعرف الخاتمة ، أعرفها جيداً ، وأستطيع قصها عليك .

وهمت الفتاة بأن تصيح : ” ليس هذا وقته يا أماه .. أجيبي أولاً ، دعي الخاتمة الآن ، وقولي لي أهو ابنك حقاً ؟ أريحي نفسي المعذبة بالشكوك ، قولي لي إنه ليس ابنك .. وإن العجوز الغبية مجنونة مخرِّفة ! أريحيني يا أماه ! ” .

ولكنها كانت تكره أن تؤلم أمها ، إنها تحبها أكثر من أي شيء في هذه الحياة ، وقد رأت كيف أذهلها النبأ وكيف صدمها وتركها مشدوهة حيرى .. فلماذا تلح عليها بما يزيد في إزعاجها .

وأكثر من هذا كانت تخشى الإجابة والتوضيح ، فقد كان مظهر أمها لا يوحي بخير ، بل يوحي بكل عوامل الشر وينبئ أن المسألة لا شك صحيحة .. فإنها لو لم تكن صحيحة لاستطاعت أن تقول ببساطة : لا .. إن هذا كذب .. إن هذا مضحك .

ولكنها أيضاً لو كانت صحيحة ، فقد كانت تستطيع أن تقول أيضاً ببساطة : نعم ، إنها صحيحة ، إنه ابني ، إنه أخوك . ولكنها .. لا تقول شيئاً .. ربما لا تريد أن تصدمها وربما تريد أن توضح لها أشياء خافية ، وأسراراً دفينة .

على أية حال ليس أمامها إلا الصبر والانتظار .

ليس عليها إلا أن تسمع الخاتمة ، كما قرأت المذكرات .

وبدأ صوت الأم ينبعث خافتاً متئداً ، وسط السكون السائد ، لا يشوبه سوى حفيف الأوراق ، يحركها النسيم .

قالت الأم :

  • إني أعرف الخاتمة ، وأعرف الكثير مما قبل الخاتمة .

أعرف الكثير مما لم يعرفه هو .

أعرفها ، وهي طفلة يتيمة .. لا تذكر عن أبيها إلا مجرد صورة باهتة .. أما عن أمها فهي تذكر بسمة حلوة ، وضمة حنون .. لم يتركها القدر تنعم بهما في طفولتها طويلاً .

ووجدت نفسها ، وهي في الثامنة تغادر دارهم في أسيوط نازحة إلى القاهرة لتستقر في بيت خالتها .

لقد قالوا لها عندما مات أبوها إنه قد سافر ، وظلت على هذا الوهم حتى ماتت أمها ، ولكنهم في هذه المرة ، لم يبالوا بأن يخفوا عنها حقيقة الأمر ، فقد كانت أكثر فهماً لحقائق الأمور ، ولم يكن هناك من يهمه كثيراً أن يجنبها الأحزان بإخفاء الوفاة .. لقد كانت أمها هي التي جنبتها الأحزان في أول مرة .. أما في المرة الثانية ، فقد كانت أمها نفسها هي الميتة .

ورحلت إلى القاهرة ، وبذهنها الصغير ذكريات حلوة عن أسيوط .. ذكريات لهو ومرح ولعب وضحك وحنان وتدليل .

كانت تحب كل ما يذكرها بطفولتها ، وبأمها .. كانت تحب الصيف ولياليه ، فقد كانت تذكر لعبها مع الأطفال على شاطئ النيل ، وكانت تذكر ليالي الحر عندما كانوا يصعدون بالأسرّة فوق سطح الدار ، وكانت أمها تروي لها الأقاصيص ، وهي ترنو إلى السماء محدقة في النجوم اللامعة حتى يأخذ الكرى بمعاقد أجفانها .

ولم تقبل على القاهرة إقبال مستبشر . فما توقعت في بعدها عن منبتها الجميل ، وفي فرقتها عن أمها المحبوبة أي خير ، ولم تسعر كثيراً بطول السفر ولا ملله ، فقد راحت في إغفاءه طويلة من فرط التعب لم تفق منها إلا على ضجة المحطة وأصوات المسافرين .

وهطبت من القطار تشق طريقها بين الأجساد المتزاحمة وقد أمسك بيدها ” زوج خالتها ” يتقدمه بعض الأقرباء .

وكان الوقت مبكراً ، ولم تلتقط عيناها الكليلتان من القاهرة المستيقظة سوى مناظر سريعة خاطفة : المسافرين يتحركون في عجلة ، والحمّالين بوجوههم المجعدة العابسة وحناجرهم الصائحة الصارخة ، وعربات التاكسي تروح وتجيء .

وأخيراً استقر بها المقام في إحدى هذه العربات ، وسمعت صوت الرجل الجالس بجوارها يقول للسائق :

  • مصر الجديدة .

ولم تميز كثيراً من مشاهد الطريق .. فقد كانت العربة تعدو مسرعة كأن بسائقها مساً من شيطان ، وكان ذهن الصغيرة قد شرد بها فيما توشك أن تحل به ويحل بها .

إنها ذاهبة إلى بيت خالتها ” زينب ” فقد أنبأها زوج خالتها ” أحمد بك ” أنها ستنزل في بيتهم .

وهي تحب ” أحمد بك ” فهو رجل طيب ودود حنون حلو الحديث ، لطيف المعشر ، وفي بضع المرات عندما زارهم في أسيوط أو زارتهم هي وأمها في دارهم في القاهرة كان يغمرها بالهدايا ويغرقها بالتدليل .

ولكنها مع ذلك كانت توجس خيفة من بيتهم ، ولم تكن تشعر بارتياح كبير إلى استقرارها فيه .

كانت خالتها ” زينب ” هي سبب هذه الخيفة .. فقد كانت دائمة العبوس ، شديدة التجهم .. متوترة الأعصاب ، لا تكف لحظة عن الشكوى واللوم والتأنيب والتقريع .

لم تكن الصغيرة تحبها .. فقد كانت تمنعها من اللعب واللهو ، وتؤنب أمها على تدليلها لها .. زعامة أنها ” ستتلفها ” قائلة إنها لو كانت ابنتها لعرفت كيف تربيها .

والآن ، وقد سنحت لها الفرصة .. فهي ستعرف كيف تنفذ وعيدها وتربيتها .

وثمة أمر آخر كان يزعج الصغيرة .. هو أنها لن تجد في البيت أطفالاً تلهو معهم .. إنها ستكون وحيدة بين المرأة وزوجها .. أو على الأصح ستكون وحيدة بين برائن المرأة .

ولكن لماذا لا تذهب إلى بيت عمها ؟

إن عمها رجل طيب ، وزوجته امرأة رقيقة ، وهي تستطيع أن تلعب مع بنات عمها وأولاده .

كان يجب عليها أن تذهب إلى بيت عمها ، فهو خير بكثير من بيت خالتها .. ولِمَ لا تذهب ؟

ولكن قد لا يريدها عمها ، فهي لا تذكر أنه قد زارهم كثيراً ، وما كانت والدتها تذكره إلا نادراً .

على أية حال لا فائدة من كل هذا .. فما كان أمامها مجال للاختايار ، إنها لا تملك إلا الذهاب حيث يأمرونها .

وأخيراً توقفت بهما العربة أمام إحدى العمارات الكائنة في أول مصر الجديدة ، وهبط الرجل ووراءه الطفلة وتبعته صاعدة إلى الطابق الذي يسكنه . ووقفا بالباب برهة قبل أن تفتح الخادمة ، ولم تكن خالتها قد استيقظت بعد .. فأمر ” أحمد بك ” الخادمة بأن تغسل لها وجهها ، وتغير لها ملابسها ، وتهيئ لها إفطارها ثم تضجعها على إحدى الأرائك لتستريح .

واستسلمت هي للخادمة ، ففعلت بها ما أمر به سيدها ، وتناولت قطعة صغيرة من الجبن ، ثم اضطجعت على أريكة في إحدى الحجرات وأغمضت عينيها .

وكانت تعلم أن خالتها مريضة ، وأن مرضها قد حال دون ذهابها مع زوجها إلى أسيوط . على أية حال ما تظن ذهابها كان مجدياً شيئاً .. لقد انتهى كل شيء .

وشرد بها الذهن في أمها .

أحقاً أنها لن تراها بعد الآن ؟! أمعقول هذا ؟

أيمكن أن تتركها هكذا وحيدة ؟ لا . لا . إنها لا شك عائدة في القريب !

إن التفكير في أنها لن تراها بعد الآن ، أمر متعذر ، بل مستحيل .

إنها ستراها .. ستراها .

وقطع عليها حبل تفكيرها صوت ” أحمد بك ” يناديها قائلاً :

  • تعالي .. خالتك تريد أن تراك .

وذهبت إليها .. وكانت ترقد في حجرة وثيرة الفراش فاخرة الرياش ، واقترب منها حتى وقفت بجوارها هيّابة وجلة . ومدّت السيدة ذراعيها فضمتها إليها وأغرقت وجهها بالدموع والقبل .

كانت المرة الأولى ، والأخيرة .. التي تتلقى منها قبلاً ، وتبصر لها دمعاً .

دقائق معدودات بدت فيها إنسانة ذات مشاعر رقيقة ، وذات قلب يخفق ، ونفس تحن .

لقد هزّتها الصدمة .. وأبكاها منظر الطفلة اليتيمة الوحيدة في الحياة ، ولكن ليس لأكثر من بضع لحظات عادت بعدها إلى طبيعتها القاسية ، ومشاعرها المتحجرة ، ونفسها الثائرة الحانقة .

وبدأت الطفلة حياتها الجديدة في بيت خالتها ، ولم تمر بضعة أيام حتى تبينت أن ظنها قد صدق ، وأنها مقبلة على حياة جافة شاقة لا خير فيها .

حياة خلت من العواطف والتدليل ، واللهو واللعب .

إن خالتها قد نوت .. أن تجرب فيها تربيتها الجادة الصارمة .. أو هي ـ على وجه أدق ـ لن تمتلك لها أكثر من تلك التربية الجادة الخشنة .. فهي امرأة قد خلقىت جافة بطبعها ، عبوساً متشائمة ، نفوراً مستوحشة .. وقد زادتها ظروف حياتها تبرماً وضيقاً وجفافاً ، فهي لم تنجب بنين لزوج يحب البنين ويميل إلى البهجة والطرب والمجتمعات ، وهي شديدة القلق على نفسها دائمة الخوف من أن يفلت منها زوجها .. كثيرة الشكوك في الناس لا تفتأ تتوهم منهم التآمر عليها لنزع زوجها منها ، ولا تفتأ تتوقع في كل لحظة أن يعلنها زوجها أنه سيتزوج ثانية لينجب بنين .

وبهذا الوجل والشك والخوف والاضطراب زادت نفسه ضيقاً ونفوراً ، وزادت أعصابها توتراً ونفسها ثورة وانفعالاً .

تلك هي نفسية المرأة التي وجدت الطفلة نفسها بين براثنها ، وتحت رحمها وسيطرتها .

وهوّن على الطفلة حلول موعد استئناف الدراسة وقضاء معظم وقتها خارج الدار بعيدة عن تأنيب المرأة وتقريعها ، ولكنها مع ذلك كانت تجد في الفترة التي تقضيها في البيت ما هو كفيل بتعذيبها وإيلام نفسها .

ولم تكن الصغيرة تمتلك إلا الاستسلام التام .. لأنها لم تجسر على أن تعترض على شيء .

أجل .. لم تجسر على أن تعترض على مكان نومها .. رغم أنه قد أوجد في نفسها رعباً شديداً .. لقد ضاقت الشقة على سعتها بالطفلة .. فلم تجد ” خالتها ” مكاناً ترقدها فيه سوى حجرة المائدة ، فنصبت لها فراشاً بجوار الثلاجة الكهربائية ، إذ كان المكان الوحيد الذي رأته خالياً في الشقة .

ولم تكن لتهتم كثيراً بالموضع الذي ترقد فيه .. فأي مكان كان يرضيها ، ولكن هذا المكان بالذات كان مريعاً .

لشد ما كان يخيفها ذلك الصوت الذي تحدثه الثلاجة بين آونة وأخرى .. لقد كان يصدر في صمت الليل وظلمته صوتاً أشبه ” بالقر ” الصادر من جوف حيوان متوحش .

كانت دائماً تتوهم وراء الصوت وحشاً جاثماً فاغراً فاه يوشك أن يطبق عليها بأسنانه وينشب فيها مخالبه ، ولم تكن تملك إلا أن تغطي بالملاءة وجهها ، وتنكمش حتى تضع ذقنها في ركبتيها وأصابها في أذنيها ، ولكنها مع ذلك لا تلبث حتى تسمع ” القر ” المخيف خافتاً مبحخوحاً وكأنها بالصوت ـ أو بالوحش ـ قد ابتعد قليلاً .

ومرت بها الأيام والأشهر والسنون وهي محتملة في صبر فقد تعوّدت الجفوة والإهمال ، والتأنيب واللوم ، والحنق والغضب .. ولكن شيئاً جد عليها لم تكن قد تعوّدته بعد ، وهو الضرب .

لو أنها كانت شريرة أو مخطئة .. لكانت تستطيع أن تحتمل بسهولة كل ما يوجه إليها .. ولكنها وهي ترى نفسها تبذل كل جهد لا تفعل ما يثير خالتها وحتى لا تتهم بالإهمال أو بالكسل .. ترى نفسها بعد ذلك في موضع المذنبة الدائمة .. التي لا تنفك تتعمد الإتلاف والفساد .

لقد عوّدت نفسها الصبر على الأذى ، واحتمال القسوة .. فلم تحاول الشكوى أو التبرّم .

كانت إذا حاولت العمل في البيت اتهمت بأنها تقصد العبث ، وكانت إذا لم تعمل اتهمت بأنها مكاسلة مدللة .

وفي ذات يوم نهرتها خالتها على عمل فعلته فقالت لها بهدوء :

  • إنك أنت التي أمرتني أن أفعله .

فصرخت في وجهها حانقة :

  • أنت كذابة شريرة مفسدة .

ولم تملك الصبية سوى الصمت .. وفي الليل آوت إلى فراشها وسكبت من عينيها دمعاً مدراراً .

وبعد بضعة أيام أمرتها خالتها بأن تفعل ذلك العمل الذي أنبتها على عمله .. فهدشت الصبية وتملكها الحنق وأجابت :

  • إني لن أفعله .. لأني كذابة شريرة مفسدة .

ولم تتمالك المرأة القاسية نفسها ، فرفعت يدها وهوت على وجه الصبية بصفعة أليمة ، ثم انهالت عليها باللطمات ، واندفعت في ثورتها فأمسكت بعصا كانت فوق المنضدة وهوت بها على ظهرها .

كانت وقتذاك في حوالي الثانية عشرة ، ووقفت صامدة للضرب فلم تقاوم ولم تفر ولم تبك .. بل تحملت الضرب حتى كلت يد المرأة وحتى تهاوت هي نفسها متشنجة باكية .

كانت المرأة تجعل من الصبية مخرجاً لكل همومها ، ومتنفساً لغضبها على حياتها القلقة اليائسة .

وفي الليل .. جلست الصبية في الفراش واجمة صامتة لا يغمض لها جفن .. كانت تحس بأوجاع شديدة في ظهرها ، ونهضت إلى المرآة وكشفت عن ظهرها فإذا به مليء بخطوط زرقاء متورمة ، وانهارت نفسها فارتمت على فراشها باكية موجعة .

وهكذا وجدت أن عليها أن تتحمل نوعاً جديداً من العذاب والألم لم تتعوده من قبل .. وهو الضرب .

لقد باتت تتوقع من المرأة كل ضروب الأذى ، وكل أنواع الشرور ، ولم يكن يغريها إلا فترات عطف متباعدة كان يغمرها بها الرجل الطيب ـ زوج خالتها ـ بين آونة وأخرى .

ولكن حتى فترات العطف هذه أخذت تقل رويداً رويداً .. فقد كانت تثير مشكلات بين الرجل وزوجته . إذ كانت تدعي أنه يحاول بتدليله إفسادها .

وقد خيّل للصبية في بادئ الأمر ـ وهي تسمع المشاحنات بين الاثنين من أجلها ـ أن المرأة غيورة حقاً على تربيتها ، وأن كل هذه القسوة لا تقصد بها إلا مصلحتها ، حتى بدأت الأيام تتكشف عن أمر لم يكن يخطر لها ببال .

لقد وضح لها .. أن المرأة تغار منها على زوجها .

إي والله ! هذا هو ما تبينته فعلاً !

مجنونة ولا شك ، فما من مخلوقة عاقلة تغار من طفلة في الثانية عشرة على زوج يقرب من الخمسين ؟

إنه أمر لا يصدق ، ومع ذلك فقد كان هو الواقع .

لقد حدث ذات مرة أن أحضر لها هدية صغيرة فتقبلتها شاكرة ، ولكنه سألها ضاحكاً ، وهي تهم بالانصراف :

  • أهكذا .. شكر حاف .. بلا قبلات ؟!

وضحكت الصبية ، وعادت إليه ، ثم أحاطت عنقه بيديها الصغيرتين ، وطبعت قبلة على خده ، فقبلها الرجل في حنان وقال ضاحكاً :

  • هكذا يكون الشكر .. يجب أن يحصل الإنسان علىة ثمن الهدية .

وأقبلت المرأة على الصبية ، وهي تقبل زوجها ، وهو يرد عليها القبلة ، فتصاعد الدم إلى وجهها وصاحت حانقة :

  • لم يكن ينقصك إلا هذا العبث ؟!

وأسرعت إليها فجذبتها من ذراعها في حقد ، واستمرت تقول في لهجتها الحارة :

  • إني أستطيع أن أحتمل كل سيئاتك ومفاسدك ، إلا هذا .. يجب أن تفهمي أني لن أسمح لك بأن تخربي بيتي .. أتفهمين ما أقول ؟

وذهلت الصبية . ولم تدر بم تجيب ، ولا ماذا تقول .. ولم تملك إلا أن تتراجع في ارتياع وتفر من أمام المرأة الغادرة المتوحشة .

وصاح الرجل في دهش :

  • ما هذا الذي تهرفين .. أجننت ؟!

وصرخت المرأة في وجهه :

  • صه .. إني لن أسمح بهذا العبث في بيتي .. لن أسمح لمثل هذه الشيطانة الصغيرة أن تسلبني زوجي !
  • كفى عن هذا الجنون ، يجب أن تكوني أكثر عقلاً ! إنها ليست ابنتي فحسب .. بل إنها حفيدتي .. إنها ما زالت طفلة غريرة .
  • طفلة ! إلى متى ستستمر طفلة !.. إن صدرها قد نبت وأضحت امرأة لها أنوثتها .. إني لست بلهاء .. إني أفهم كل شيء تماماً !
  • إنك لا تفهمين شيئاً مطلقاً !
  • أنا أفهم كل شيء .. وإن لم تكف عن هذا الجدل العقيم سأترك لك البيت .. إني لم أعد أحتمل .. إما أنا أو هي .
  • أرجوك أن تهدئي ، وأن تخفضي صوتك .. هذا كلام لا يمكن أن يصدر قط من عاقلة مثلك .
  • عاقلة أو غير عاقلة .. إني لم أعد أحتمل ، أنا مجنونة فإذا كنت تريدني مجنونة كما أنا ..
  • لا داعي لكل هذا .. إن الطفلة طيبة هادئة .
  • لا تقل عنها طفلة .. إنها امرأة ماكرة .
  • هبي أنها كذلك ، ولكنها ابنة أختك اليتيمة !
  • لقد احتملتها كثيراً ، وإني على استعداد لتربيتها .. ولكني لست على استعداد لأن أخرب بيتي من أجلها .. ليكن هذا مفهوماً لديك .
  • وماذا تريدين إذاً ؟
  • أن تغادر الدار .
  • إلى أين ؟
  • إلى مدرسة داخلية .
  • وفي أثناء العطلة ؟
  • تنزل في بيت عمها ، وأنا على استعداد لدفع كل ما يلزمها من المصروفات .

كل هذا الحديث كان يبلغ مسامعها ويقع عليها وقع المطارق ، وهي قابعة في فراشها ، دافنة وجهها بين ركبتيها .

ولم تستطع أن تفهم سر غضبها في بادئ الأمر ، إذ لم يخطر لها ببال أنها يمكن أن تغار منها ، أو أنها قد بلغت من الأنوثة ذلك المبلغ الخطر .

وأحست بالآلام تنهش قلبها ، وهي تصر على طردها من المنزل ، ولكن لم يكد ينتهي الحديث بإصرارها على أن تذهب إلى المدرسة الداخلية ، وتعيش في بيت عمها حتى أحست براحة كبرى .

وهكذا بدأت الصبية مرحلة جديدة من حياتها قد خلت من المرارة والتعذيب .

وأقبلت على حياتها بأمل جديد ، وخيل إليها أنها قد تخلصت نهائياً من منغصات الحياة ومتاعبها وآلامها .

ولكن هل تخلو حياة إنسان من منغصات وآلام ؟

إن الصبية قد أصيبت بمزية كانت سبب مصابها في حياتها فحق عليها القول ( ويبتلي الله بعض القوم بالنعم ) .

كان بالصبية ما يجذب الناس . كانت دائماً موضع إعجاب واستملاح .. ولا شك أن هذا ما أثار خالتها وزادها جنوناً على جنون ، فتوهمت في الصبية الصغيرة  خصماً قوياً قادراً على أن يسلبها زوجها .

فلما انتقلت إلى بيت عمها ، بدأت منغصاتها .. مما كانت تظنه سيكون مبعث سرورها وتسليتها .

كان خير ما أسعدها عندما تقرر نقلها إلى بيت عمها ، هو أنها ستجد من ابنتي عمها اللتين تقاربانها سناً خير صديقتين تلهو وتمرح معهما ، ولكن لم يكد يمضي بها الزمن حتى وجدتهما أكبر سبب لشقائها ، منغص لحياتها .

لقد أمضت الأيام الأولى وهي سعيدة هانئة ورحبت بها زوجة عمها وبقية أهل الدار كما يرحبون بضيف مؤقت المقام .. عاجل الرحيل .. ولكن لم تكد تنقضي الأيام الأولى ويتعوون إقامتها حتى بدأت تتكشف لها خصالهم وأخذت المعاملة  تتبدل .

لم يعد أحد يعبأ بها ، بل أضحت تلقى بروداً من الجميع ، ولم يحزنها ذلك كثيراً فقد تعودت في ماضيها شراً منه .

وقالت لنفسها : تلك هي طبيعتهم ، وأنها لن تفترض منهم أن يولوها اهتماماً دائماً .

ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد ، فقد بدأت الفتاتان ابنتا عمها تتخذان منها موقف الخصومة ، وأضحى لسان حالهما ” أنا وأخويا على ابن عمي ” .

كانت الفتاتان دميمتين ، ولم يكن هناك سبيل للمقارنة بينها وبينهما .. في كل النواحي .. الظاهر والباطن .. الشكل والعقل ، وهكذا نشأت بينها وبين المخلوقتين ـ اللتين توقعت منهما أن يكونا لاها خير عزاء في حياتها الموحشة ـ هوة عميقة .

لم يكن هناك وجه للتقارب والتصادق .. فقد كانت هي من طينة .. وكانتا من طينة أخرى . كانت حساسة مرهفة شاعرية ، وكانتا تافهتين ماديتين سطحيتين .

ومع ذلك فقد بذلت جهها لاستمالتهما .. ولم تحاول أن ترد على فظاظتهما بغير الرقة .. وعلى غلطتهما بغير الأدب ، وكانت  تجيب على نقدهما المر بمديح عذب ، وقول رقيق مهذب .

ولم يكن لها أمل بعد ذلك في غير المدرسة الداخلية التي تقرر إدخالها فيها ، وقد سرها أن تكون مدرسة أخرى غير مدرسة الفتاتين ، فقد أصبحت زاهدة في عشرتهن ومرافقتهن .

وبدأت حياتها في المدرسة الداخلية فوجدت فيها كثيراً من عزاء ، وإن كانت الوحدة قد باتت تضنيها .

لم تجد هناك من يسأل عنها ، حتى أيام العطلات حيث كان مفروضاً أن يحضروا لأخذها فيها كانوا يتركونها في المدرسة ولم تكن في الواقع راغبة في الخروج لأنها ستجد ما يفرحها ، ولكنها فقط كانت تخجل من أن تبدو أمام الفتيات أنها وحيدة ليس هناك من يهتم بها أو يسأل عنها .

وأخذت تعجب من هذه الحياة التي قست عليها في كل أطوارها ، ومن هؤلاء البشر الذين خذلوها بكل أنواعها .

كانت تجد المادية أمامها .. في كل مكان تحل به ، وكانت تتبين الأنانية في كل شخص تلقاه .

كل الناس مشغولون بأنفسهم .. كل يقول .. أنا .. أنا . ما من أحد قال لها .. أنت .. أنت .

خالتها المجنونة التي غارت منها وهي طفلة .. وزوجها الذي تخلى عنها خوفاً على بيته وأمنه وحياته .. وبنات عمها وبقية أقربائها .. ما من أحد قد أحس بها .. والصديقات في المدسة .. تافهات .. ماديات .. لا وجه قط للتقارب بينها وبينهن .. كل فتاة لا تقدم إلا على ما فيه نفعها .. ولا تبحث إلا عن مصلحتها .

وهؤلاء الفتية الذين صادفتهم سواء أكانوا أصحاب أولاد عمها أو إخوة صاحباتها ، والذين كانت تلهو بالرقص معهم في الحفلات التي تقيمها ابنتا عمها في الدار .. لقد كانوا أكثر تفاهة وسطحية وسخافة .. عجباً لهؤلاء الناس ! إنهم أشبه بالزبد الذاهب جفاء .. لا عمق ولا جوهر ، ولا شيء قيم يرسب منهم في قرارة نفوسهم .

ومرت بها السنة تلو السنة ، وكلما زادت في النمو زادت نفسها حساسية وقلبها إرهافاً ، وزاد مع هذا مبلغ شقائها ، وإحساسها بالفراغ والوحشة من حولها .

كيف يعيش هؤلاء الناس ، وهم أشبه بالقلب الفارغ أو الطبل الأجوف ؟

لشد ما تشقى بهم .. وبحياتها .. لو أن أمها ما زالت موجودة ، لما أحست بشيء من ذلك .

ولكن أترى الخطأ فيها .. أم في كل من حولها ؟ إن الخطأ لا شك فيها . فالمسألة قياسية ، ولو كان الناس كلهم مخطئين وهي على صواب ، فإنها تصبح بذلك هي المخطئة .

إن العاقل بين المجانين .. مجنون بين عقلاء .

إن الشذوذ فيها .. إن الخطأ كامن في نفسها .. كان يجب أن  تكون سطحية تافهة وتنطلق مع الركب لاهية عابثة راقصة .

أليس من الشذوذ أن تجلس في الليل لترقب النجوم ، وتستمع لحفيف الأوراق وهديل الحمائم ؟! أليس من الشذوذ أن ت جلس لترقب الغروب ، وتتأمل حمرة الشفق تكسو هام الأشجار ؟

إنها شاذة أن تفعل هذا وسط أناس يعدون في العربات وينغمرون وسط الأتربة ويضجون بالصياح .

كان يجب أن تقلع عن تأملها وشاعريتها ، وتندمج معهم وسط الضجيج والصخب .

ولكن أتراها تستطيع ذلك ؟ لقد حاولت فباءت بالخية والخذلان . لقد أجهدها الضجيج الانطلاق وأتعبتا مشاركة صاحباتها وأصحابها رقصهم ومجونهم ، فعادت ترقب النجوم والأشجار والشمس الغاربة والقمر المشرق في صمت بهيج وسكون ممتع .

كانت تتوق وسط ذلك الهدوء إلى إنسان ينقصها .. إنسان شاذ مثله ، يشاركها شذوذها ، ويجلس معها ليرقب ما ترقب ويسمع إلى ما تسمع ، دون أن يسخر منها أو يهزأ بها .

كانت تحس بحاجتها إلى مخلوق غريب ، غير السائرين في القطيع ، المتشابهين في السخف ، المتماثلين في التفاهة .

أترى يوجد في الحياة مثل هذا المخلوق الذي يماثلها في الشذوذ ؟ أم أنها الوحيدة الشاذة في هذه الحياة ؟

ومر بها الزمن وهي في وحدتها القلبية ووحشتها الذهنية تشارك أصحابها حفلاتهم الراقصة دون أن يشاركها في مشاعرها أو تفكيرها مخلوق ، حتى تملكها اليأس من العثور على شبيهها في الحياة .

وفجأة ، وبعد طول يأس وانتظار وجدته .

أجل ! وجدت نصفها الآخر .. زميلها في الحس المرهف والشاعرية الذائبة و الشعور الرقيق .

لقد رأته بضع مرات ، قبل أن تتبين حقيقته .. رأته يرقبها من بعد فلم تجد به ما يميزه عن سائر الناس .. لقد كان يرقبها كما يرقب سواها وكما يرقبها سواه .

وحاول مرة أن يحدثها بطريقة صبيانية ، صدّته .. كما صدت غيره من قبل .. ثم دفعته الظروف إلى الجلوس معها ذات مرة فتكشفت لها نفسه .

لقد تبين لها أنه كاتب ، وأهدها بعض كتبه ، فاستشفت من كتابته .. عمق نفسيته وشاعريته .. واندفعت في القراءة له بشغف .

وما من شك هناك في أنها كانت مخلوقة سيئة الحظ .. قد نقش لها القدر في لوحه بالخط العميق العريض كلمتي : ” شقاء وفشل ” .

وسط هذا الخضم المتلاطم من البشر التافهين الماديين الأنانيين ، وفي هذا الفراغ العريض من الوحشة والوحدة يلوح لها .. المخلوق الفرد ، الذي طال بها التلهف عليه الذي نادته في كل ترقب لها للنجوم ، وسمعت صوه في تغريد كل طير هادل .. وورقاء هتوف .. ذلك المخلوق الذي أبصرته بعين الوهم في كل شفق منمق ، أو زهرة موشاة ، والذي أحست بأنفاسه في كل هبة نسيم ونفحة طيب .

ذلك المخلوق التوأم الصنو من بين كل هذا القطيع الغريب المنطلق الذي لا يمت لها بصلة ولا شبه .. يلوح لها أخيراً .

فإذا به .. من بين البشر جميعاً .. محرم عليها .

أما من نظرة

12

يا للسخرية !

أما كان أولى بالقدر أن يبعده عن طريقها .. ويخفيه عن عينيها ويجعلها تظل هائمة شاردة ؟

أما كان ذلك خيراً من أن يلوّح لها به ليقول هذا مطلبك وتلك أمنيتك ، فإذا ما مدت يدها لأخذهع سحبه منها قائلاً في سخرية .. لا .. لا .. إنه محرّم عليك ، إنه ملك لغيرك ؟

لقد شغفت به حباً .. شغفت به هو ، وليس بكتبه ، كما ظن في بادئ الأمر ، وكما كتب في مذكراته .

لقد كانت كتبه معبرها إلى نفسه .. إنها لم تحب الكتب لذاتها ولكن لأنها عرفتها بنسيته وبقلبه وبذهنه وبشخصيته العميقة التي تفيض حباً وسكينة وإيماناً .

لقد كانت تبصره في كل  كلمة وبين كل سطر ، ووراء كل صفحة .. كانت تقرأ كتابه وهو في ذهنها .. ما قرأتها قط كما يقرأ كل إنسان أي كتاب ، بل كانت تقرؤها كأنها تستمتع إليه ، وكأنها تراه يتحرك فيها .

ولكنها مع ذلك لم تملك إلا أن تقول إنها معجبة بكتابته وأنها تحب كتبه .. فقد كان ذلك هو الشيء المباح الذي تستطيع أن تقوله بلا حرج .. بل كان الشيء الذي تستطيع أن تعزي به نفسها عنه .

أجل .. لقد عرفت منذ اللحظة الأولى أنه زوج ، ولم يكن في وسعها إلا أن تصد نفسها عنه .. وأن ترغم قلبها على اليأس منه فهو كفرد ملك لمخلوقة سبقتها إلى امتلاكه . إنه بشخصه .. شيء خاص ، وليس ملكاً مشاعاً .

أما بكتبه ، وبوصفه مؤلفاً ، فقد كان ملكاً مشاعاً .. يشترك فيه آلاف القراء والقارئات المعجبين والمعجبات .. وما أظن أن هناك ما كان يمنعها أو يحرّم عليها مشاركة هذه الآلاف في تقديره والإعجاب به .

وقنعت بهذا ، أو على الأصح لم يكن لها مفر من القناعة بهذا .. فقد كان شيء .. خير من لا شيء ، ولا أظن المهجر الصادي الذي يتلهف على غدير يروي ظمأه ، برافض ورود الغدير .. عندما يقال له إن الغدير يشاركه فيه بقية البشر .

ولا أظن المرتجف المقرور برافض طلوع الشمس إذا عرف أنها ستطلع لتدفئه . وغيره من المخلوقات .

كذلك كانت محاولتها في إقناع نفسها ، لقد قالت إنها طالما تأقت إلى أن تجد إنساناً يشبهها في الشذوذ والشاعرية والإرهاف ، أفلا تحمد الله على أنها قد وجدته ؟ وعلى أنه يستطيع أن يغمرها بشاعريته وإرهافه وحساسيته كما يغمر غيرها من الناس . أما أنه لا يقنعها إلا أن تتملك شخصه ؟

لا .. لا .. حمداً لله أن عثرت عليه ، وحمداً لله أنها تستطيع أن تمتع نفسها به ، وأن تذهب وحشتها بكتابته .

هكذا أقنعت نفسها ، وأدخلت الطمأنينة إلى قلبها .

ولكن القدر الساخر ، لم يرد أن يتركها في قناعتها ، بل أبى إلا التدخل حتى يتم سخريته إلى النهاية .

وأية سخرية هناك أكثر من أن يجعل ـ هذا المخلوق العجيب ـ أمنيتها وأملها بعد طول تمن وهيمان !؟ أية سخرية أكثر من أن يجعل هذا المخلوق الذي قنعت بأن تشارك فيه آلاف المعجبين به .. يحبها هي ، من دون سائر البشر ؟

إنها مسألة عجيبة !

لم تحاول أن تصدقها في بادئ الأمر ولم تجترئ على أن تقنع بها نفسها فقد ظنته يتسلى بها ، ولكنها بدأت تشاهد الدلائل الواضحة على أنه يحبها مخلصاً صادقاً .

ولم يكن هناك بعد هذا سبيل للمقاومة .

إنها حاولت أن تقاوم .. ولكن ماذا تقاوم ؟ وكيف تقاوم ؟

أتقاوم الحنان المتدفق والحب الجارف الفياض .. بعد أعوام قحط مرت بها منذ وفاة أمها كانت فيها محرومة من كل عطف وحنان ؟

أتقاوم أشواق من طال بها الشوق إليه ؟!

أتقاوم لهفة من باتت تذوب لهفة عليه ؟!

أتقاوم هوى من تفتدي بالدنيا هواه ؟

أتقاوم الهبة التي أضحت لا تحتاج في الحياة سواها ولا تطلب غيرها ؟!

أتقاوم الحياة التي دبت فيها ، والروح التي سرت إليها ؟

أجل .. لقد كان هو الروح ، وكان الحياة ، وكانت من قبله ، جسداً بلا روح ولا حياة .

أبعد كل هذا يمكن أن تقاوم ؟

أترفض الماء وهي ظمأى ؟ و الزاد وهي مسغبة ؟ والكساء وهي مقرورة ؟ والملجأ وهي ضالة شاردة ؟

عبث ! عبث !

ما من إنسان يستطيع أن يقاوم فيض السعادة إذا ما غمره ! ما من وسيلة هناك إلى المقاومة !

نحن أمام السعادة والنعيم لا نملك سوى الاستسلام بلا تفكير في عاقبة أو خشية من نتيجة .

وهكذا لم يكن أمامها من سبيل إلا الرضوخ والتسليم .

.. ليكن كيف يكون ، زوجاً أو غير زوج ، ملكها أو ملك غيرها .. إنه أمنيتها وأقصى أملها ، وإنه يعطيها ذوب نفسه وعصارة قلبه ، وهي أثمن ما تريد وأعز ما تبغي .

واندفعت في حبه ، اندفاعاً لا يتصوره عقل ، حتى عقلها هي ، أو عقله هو ، لقد احتل ذهنها وقلبها ، بل لقد احتل كيانها وروحها ، احتل كل ذرة في هيكلها وفي كل نقطة في دمها .

لم يكن ما أصابها حب .. أبداً .. أبداً !

إن الحب شيء يمكن وصف أعراضه ، ويمكن حصر مظاهره ، أما ما أصابها فكان شيئاً لا يوصف لا يحصر ولا يدرك كنهه ولا تفهم خفاياه .

أهو عبادة ؟!

أبداً .. إنه فوق العبادة .. فهو قد علمها العبادة .. عبادة الله .

هذا ليس كفراً ، بل هو الواقع ، ولولاه ما عرفت الله ولا الدين ولا العبادة .

كانت تجلس معه ذات مرة وقد وضعت رأسها على صدره وأحست بسكينة عجيبة وأخذ هو يتحدث إليها فأنبأها أنه رآها في حلم في الليلة الماضية وقد ارتدت ثوب عرس وأخذت أهبتها للزفاف ، فأصابه حزن شديد وسأل ممن ستتزوج فقيل له فلان .. فتساءل في دهش واستنكار : كيف تتزوجه ؟! إنها مسلمة وهو مسيحي ؟

وضحكت عندما سمعت ما رواه وقالت له في رفق :

  • إني آسفة ، لأني أزعجتك في أحلامك .

ولم يمر حديثه عليها بسهولة .. بل استقر في أذنها قوله إنها مسلمة .

أحقاً هي مسلمة ؟ لقد مرّت بها الحياة وهي لا تعرف إن كانت مسلمة أم غير مسلمة ! إن أحداً لم يحاول أن يلقنها ديناً ، ولا رأت هي أحداً يصلي أو يعبد الله .. إنها لم يخطر لها ببال قط أنها مسلمة ، وما عرفت عن الإسلام شيئاً .

ولكنه يقول إنها مسلمة .. إنه يؤكد أنها مسلمة ، ويرتاع لأنها تزوجت في الحلم مسيحياً .. إنه إذاً يحبها أن تكون مسلمة ..

ولأول مرة في حياتها تحس برغبة في الدين ، ولهفة على أن تكون كما تصورها وكما يود أن تكون .. مسلمة .

لقد كانت من قبل تحس بالله كقوة مطلقة يلجأ إليها الإنسان إذا أصابه ضرر أو مسه سوء ، ولكنها لم تحاول أن تهتم بأية تفاصيل أكثر من ذلك .. لم تعرف الصلاة إلا بقلبها ونظراتها إلى السماء .. أما الركوع والسجود والتحيات فلم تعلم عنها شيئاً ، ولا عرفت شيئاً عن محمد ورسالته ولا عن القرآن والحديث .

أما بعد أن قال لها إنها مسلمة ، فقد أحست بحنين إلى الدين الذي ينتمي هو إليه والرسول الذي يؤمن به .. إنها أحست بسعادة تغمرها لأنها مسلمة مثله .. إنها أضحت تقدس محمداً ودين محمد .

إنها أحبت الإسلام لأنهما يتشاركان في التبعية له والإيمان به .

أيكون ما بها بعد كل هذا .. مجرد حب ؟

لا .. لا .. إنه شيء .. فوق الحب ، وفوق العبادة .. شيء لم يوجد له اسم في قواميس المشاعر بعد .

واندفعت في تيار مشاعرها .. أشبه بالمسحورة .. أو بالسكرى .. كانت تفيق بين لحظة وأخرى .. فيذهلها أمرها ، ويثقل عليها ضميرها فتجد أنها سارقة ، وأنها مذنبة خاطئة ، وتندفع في بكاء أليم ، ولكنها لا تكاد تهدأ .. حتى يعاودها الحنين إليه ، وتود لو قضت العمر بين يديه .

وكانت تقاسي من مرارة الغيرة .. الغيرة من الأوهام والحقائق .. الغيرة من بطلات كتابته ومن زوجته .. كانت تشعر أن كل هؤلاء يشاركنها في ملكيتها له .. أو هن يملكنه دونها .

وبين كل هذه المعامع من المشاعر والانفعالات .. كانت تخرج مثقلة بالسعادة .. كانت النتيجة النهائية .. ربحاً من الهناء .. لا يقدر ولا يقاس .

لقد دفعها حبها الجنوني إلى أقصى قمم النعيم .

ومرّت بها حينذاك أسعد أيام حياتها ، وكانت أشبه بالمغامرة التي تندفع وراء هدفها مغمضة عينيها عن كل ما حولها من أخطار .

كانت تحس أن فرصة السعادة لا تسنح كثيراً في هذه الحياة ، وأنها إن سنحت فمن الحمق ألا تغتنمها ، وكانت واثقة أن هذه هي فرصتها في الحياة .. قد تكون فرصة مبكرة ، وقد تكون غير خالصة ولا دائمة ، ولكنها مع ذلك فرصتها الوحيدة .. فلتقدم عليها وليكن ما يكون .

وهكذا أسكتت عقلها وأغمضت عينيها وتركت لقلبها العنان .. يرتع في أخصب مرعى وينهل من أعذب مورد .

أغمضت عينيها فلم تبصر التغامز حولها ، وأصمت أذنيها فلم تسمع الهمسات .. حتى هبت من سكرتها فجأة .. فإذا بالهمس قد أضحى طنيناً ، والتغامز أضحى قولاً صريحاً .

بدأ الأمر بسخرية من ابنتي عمها وكلام أجوف لا يعني شيئاً ولكن يشتم منه رائحة خطر .

قالت لها إحداهما :

  • لقد كثرت غطساتك أخيراً .. أين تذهبين ؟
  • أقضي الوقت مع صاحبتي فاطمة .

وصاحت بها الأخرى شامتة :

  • كذّابة .. في كل مرة كنت تخرجين .. كانت فاطمة تسأل عنك .
  • ربما أكون قد تأخرت لذهابي إلى إحدى المكتبات .
  • أنت كاذبة .. إني أعرفك أين كنت .
  • ماذا تقصدين ؟
  • أنت أدرى بما أقصد .

ومرة أخرى سألتها إحداهما :

  • إننا سنذهب إلى ” بارتي ” .. ألا تأتين معنا ؟ سنستمتع بوقت لطيف وحفلة راقصة .

ولم يكن أكره عليها من حفلاتهم الراقصة الصاخبة فقد كانت تشعرها بالفارق الكبير بين غثاثتهم وعلو قيمته وتفاهتهم وعمقه .

فأجابتها :

  • إني أحس صداعاً ، ولن أستطيع الذهاب معكما .
  • أنا أعرف من سيزيل صداعك .. أعرفه جيداً .

وتدخلت الأخرى قائلة في سخرية :

  • إنك تضربين في العالي .. نقبك على شونة .

وأحست بالغضب يفعم صدرها وتمنت لو رفعت كفها وهوت به على صدغها وأسكتتها .. ولكنها لم تملك سوى التمسك بالصبر .

وعادت الثانية تقول :

  • ماذا تريدين منه ؟ إنه كبير عليك .. وهو متزوج ؟

ولا شك أنه يضحك عليك .

وصاحت هي في حنق :

  • من هذا الذي يضحك عليّ ؟
  • على أية حال .. إني أنصحك لوجه الله . أؤكد لك أنه لو عرف عمك بما تفعلين لكانت النتيجة وبالاً عليك .

وأحست بالأرض تميد تحت قديمها .. واشتمت أن الخطر مقبل لا ريب فيه .. وقضت ليلة سوداء مليئة بالوساوس والهموم والآلام .

وعادت إلى المدرسة حزينة النفس ، كسيرة القلب .. لقد أيقظها ناقوس الخطر من غفوتها ، فأبصرت حقيقة ما هي منغمرة فيه ، وأبصرت الأفق أمامها مظلماً لا بارقة فيه ولا هداية .

إن النهاية توشك أن تحل .. فما من شيء بلا نهاية ، ونهاية المتعة لابد أن تكون ألماً .

إن الخر لن يحيق بها وحدها .. بل يشمله أيضاً .. وما روعها شيء مثل تصور مضايقته أو جرحه أو إيلامه .

إن الناس لا شك يتقوّلون عليه كما يتقوّلون عليها .

وهكذا أفعمت بالخوف والقلق ، وكان أكثر ما يزعجها هو تصوّر ماذا يمكن أن يقول عمها لو بلغه الأمر ؟ وماذا يمكن أن تقول خالتها القاسية ؟ إنها لا شك ستشمت فيها وتقول لمن حولها إنها كانت محقة في سوء ظنها بها ، وإنها لو لم تخرجها من بيتها لاقتنصت منها زوجها .

وبين هذه الوساوس والأحزان والحيرة والقلق ، كانت تتلهف على لقائه .. ولكنها باتت تخشى هذا اللقاء وتتوجس منه خيفة على نفسها وعليه .

وأضحى اللقاء متعذراً بعد أن أخذت الفتاتان الخبيثتان تضيقان عليها الخناق وتلازمانها في كل ذهاب لها وإياب .

وكما قال هو في مذكراته ” إن سوء الحظ إذا ما دس بأنفه لا يخرج حتى يتلف كل شيء ” .

لقد بدأ بينهما سوء تفاهم لم تقصده هي قط .. لقد نتج عن القصة التي أثاته والتي لم تكن تعني هي بها أي شيء .

واستمر سوء الحظ يكيل ضرباته دون أن يمكنهما من تفاهم أو تسوية ، حتى انتهى الأمر بالضربة القاضية التي قضت على كل شيء .

إنه يتساءل في مذكراته عن سر هجرها له ويقول ” إنها جعلته يفقد ثقته بالبشر وبالحياة ” . ويتساءل : ” كيف كانت تحبه هذا الحب العجيب ثم أقدمت على نسيانه بهذه السرعة ؟

ولكنه لو علم لعادت إليه ثقته بكل شيء .. ولأيقن أنها ما زالت تحبه كما كانت بل أكثر مما كانت .

ولكن ما الفائدة في أن يعلم .. وأية قوة هناك كانت تستطيع أن تسوي الأمور وتعيدها إلى نصابها ؟ لم تكن هناك وسيلة للتصرف في المسألة إلا كما تصرفت .. كانت المسألة كلها يأساً في يأس .

بدأ الأمر بأن عادت إلى البيت في يوم ما ، فوجدت خالتها وزوجها ، وقد جلس الجميع يتسامرون ، ودار الحديث طبيعياً ، حتى فوجئت بقول عمها :

  • لقد جاءك خطيب اليوم .

ولتفتت حولها إذ لم يخطر ببالها أن القول موجه لها .

ولكنه عاد يكرر قوله :

  • أقول إنه جاءك خطيب اليوم .. مبروك .

وتساءلت في دهش :

  • أنا ؟ خطيب لي أنا ؟
  • أجل أنت .. وما الغرابة في ذلك ؟ لقد اكتملت أنوثتك ونموت وأصبحت فتاة جميلة تستحق الزواج .

وتملكها الاضطراب ، وقالت متلعثمة :

  • ولكني لم أتمم دراستي بعد ؟
  • الدراسة لا تهم كثيراً .. إن أمل كل فتاة هو الزواج من رجل يصلح لها .

وأحست من قوله بصدمة شديدة .. وألم مرير .. دفعها إلى الرغبة في القيء لولا أن تمالكت نفسها .

كان الزواج هو آخر ما ترجو وتتوقع .. كانت تعرف أنه شيء لابد منه ، ولكنها كانت تراه بعيداً .

كانت تراه كالموت .. أمراً واقعاً .. ولكنه مكروره ومستبعد .

إلى هذا الحد كانت تكرهه ، بل كانت ترجف منه وتخشاه ، وكيف لا ونتائجه والموت سواء .

إن الموت يحرم الإنسان حياته ، ويأخذ منه روحه .

والزواج سيحرمها حياتها ويأخذ منها روحها .

أفلا يحق لها أن تكرهه وتستبعد وقوعه ؟ أفلا يحق لها أن تصدم ، وهي ترى عمها يتحدث عنه كأمر واجب .. لابد منه !

ويحهم ! ألا يتركونها بضع سنوات ؟ إنها مازالت في السادسة عشرة ، ومازالت أمامها فسحة من الوقت كبيرة .

ولكنها كانت تدرك أنهم يتوقون كلهم إلى زواجها .. والتخلص منها في أقرب وقت .

كانت خالتها تريد أن تتخلص من عبء مصروفاتها .. وكان عمها وزوجته يجدان فيها عقبة كأداة في سبيل زواج ابنتيهما ، وكان لابد من التخلص منها وإزالتها من طريقهما ، حتى تستطيعا الزواج ، وحتى لا تظهر دمامتهما واضحة جلية بالمقارنة بها .

وهكذا أخذ الكل يرمقونها ، كأنها فريسة بين الذئاب . ولم تستغرق أفكارها كثيراً .. حتى عاد يقرع أذنها صوت عمها قائلاً :

  • إنه خطيب محرتم .. موظف في السلك السياسي .. ومن عائلة طيبة ، كريم المنبت ، عريق الأصل .

وكانت تعلم أن الواقعة لا محالة واقعة .. ولكنها أرادت أن تبذل محاولة بائسة .. فتمتمت في صوت خفيض :

  • إن الوقت مازال مبكراً .. وأنا أريد أن أتمم الدراسة .

وتخلت خالتها في صوت ناهر :

  • أي وقت هذا الذي مازال مبكراً ؟! إنك أضحيت امرأة .. والعرسان لا يصادفهم الإنسان في كل وقت ! ثم إنك لابد أن تتحملي عبئك في الحياة ! إلى متى ستظلين طفلة ؟ إنك لم تعودي في حاجة إلى المدارس .

ولم يكن هناك بعد هذا مجال لقول شيء .. لم يكن هناك وسيلة خير من الصمت والتسليم !

ولم تحاول بالطبع المناقشة أو السؤال أو الاستفسار .. لأنه لم تكن هناك فائدة .. ولأنه لم يكن يهمها أمر الخطيب كثيراً أو قليلاً .. لقد كان كالقضاء .. واقعاً .. واقعاً .. لا وسيلة هناك لدفعه .. وعندما يلقى الإنسان الموت لا يهمه كثيراً أن يناقش في كيفيته أو صورته .. فالموت هو الموت مهما تعددت صوره ، وتباينت وسائله .

وعاد عمها يقول :

  • إنه يقول إنه قد رآك في إحدى الحفلات ، وقد أعجب بك كثيراً ، وسيحضر اليوم لتناول الشاي معنا .. فكوني على استعداد لاستقباله في السادسة .

هذه الأقدار لا شك مجنونة .. أم ترى الإنسان هو المجنون ؟

مثل هذا الخبر كان ولا شك يسعد أية فتاة .. خطيب محترم في السلك السياسي .

ولقد كان خليقاً أيضاً ـ على الأقل ـ بألا يزعجها كل هذا الإزعاج .. فقد كانت تعلم جيداً أنه لا أمل لها في المخلوق الذي اختارته ليحتل قلبها من بين جميع البشر .. فهو نفسه متزوج .. ومتعلق بزوجته كزوجة ، وما حاول قط أن يهبها أي أمل في زواج ، وهي تحترمه وتجله من أجل ذلك .. فقد كان دائماً صريحاً معها في شرح مشاعره إلى أبعد حدود الصراحة .

وهي نفسها لم تحاول حتى في أفكارها أن تضع نفسها منه موضع الزوجة .. لأنها كانت تفهمه جيداً ، وتعرف أن قيمتها الكبرى عنده هي كحبيبة .. وأنها لا صلة لها قط بالزوجة .. بل إنها قد تتعارض معها أشد تعارض .. فقد قال لها إن الحبيبة شيء والزوجة شيء آخر ، ولا يمكن للحبيبة أن تكون زوجة ، ولا للزوجة أن تكون حبيبة .

مع كل هذا اليأس منه .. كانت تحس من خطبتها بصدمة كبرى .

وحلت السادسة .. ولم تكلف نفسها مشقة التزين .. ولم تقف أمام المرآة لتفحص نفسها جيداً .. كما كانت تفعل قبل أن تذهب للقاء الآخر .. فقد كانت تبدو لها المسألة كأنها لا تعنيها في قليل ولا كثير .

وأتى الخطيب وجلس مع الأهل لتناول الشاي ، وكان ذهنها شديد الشرود ، فلم تأبه كثيراً لما حولها ، وإن كان شرودها لم يمنعها من أن تلقي بضع نظرات فاحصة على ذلك الرجل الذي دفعه القدر إليها لتشاركه حياته .

كان إنساناً عادياً كبقية خلق الله .. وكان يربو على الثلاثين .. بين الثلاثين والخامسة والثلاثين ، يكاد يبلغ سن صاحبها .. وقد يكون في حقيقته أصغر منه قليلاً ، ولكنه في مظهره يبدو أكبر كثيراً .. كان على شيء من البدانة .. أكرش قليلاً .. وكان منظره بطربوشه مقبولاً بعض الشيء ولكنه لم يكد يخلعه حتى أضاعت صلعته ما بمنظره من قبول .

وأبى ذهنها إلا أن يضع صاحبها مكانه .. وتخيلت القدر قد كرم معها .. فبدّل كل ما حولها من ظروف .. وساقه إليها لخطوبتها بدل هذا الغريب الجالس قبالتها .. وأبصرته بعين الوهم .. بضحكته المرحة ، وأسنانه المتلألئة ، وعينيه الصافيتين ، وشعره الذي لم يكن يمتعها شيء أكثر من أن تعبث فيه بأصابعها وتتركه ثائراً فوق رأسه .

وأبصرت جسده الفارع الممشوق ، وكتفيه العريضتين وقد جلس واضعاً ساقاً على ساق في ثقة وكبرياء .

وعادها الشوق واستبد بها الحنين .. وساءلت نفسها : أيمكن أن تكون حقاً قد حرمت منه إلى الأبد ؟ أيمكن أن يقف هذا الشخص الغريب حائلاً بينه وبينها ؟! أمعقول أن يكون لهذا الدخيل من الحقوق عليها .. ما يحرّم عليها لقاءه ؟

سخف وحمق ! من الذي يستطيع أن يحرمها من نفسها : إن صاحبها أقرب إليها من نفسها .. إن له الحق في كل قطعة من جسدها .. إنها ملكه وحده .. لا شريك له فيها .. إنها لا تحس بينه وبينها أي فارق أو كلفة .. إنه نافذ إلى قرارة نفسها .. مسيطر على كل جارحة فيها .

إنها لم تكن تجد أي حرج عندما تتصور أن يضمهما فراش واحد ، بل كانت تلك أمنية طالما تاقت إليه نفسها ، وهي تتقلب على فراشها وحيدة .

أما هذا الشخص الغريب .. فهي تعجب لنفسها كيف يمكن أن تسمح له أن يضع فمه على فمها .. ويقرب أنفاسه من أنفساها .

ولكن هذا هو ما ستجبر عليه ، ليس أمامها مفر منه .

إن أسعد أيام حياتها قد شارفت النهاية .. وليس أمامها إلا أن تعد نفسها لاستقبال سود الأيام وحالكات الليالي .

ليس أمامها إلا الاستسلام الأليم والصبر المرير .. إنها لم تعد تملك من وسائل العزاء .. سوى التفكير واستعادة ما باشرته بالأمس حقائق ورددته اليوم ذكريات .

أجل ! أجل ! حمداً لله .. أن ترك للإنسان أحلاماً وذكريات .

وانتهى القوم من تناول الشاي .. دون أن تسمع كلمة من أحاديثهم أو تعي شيئاً من أقوالهم .

كانوا في واد ، وكانت في واد آخر .. كان جسدها معهم وروحها بين أحضان صاحبها .

وأخيراً انصرف الخطيب ، واستطاعت هي أن تعود إلى غرفتها وأن تخلو بنفسها .

وفوق الفراش وضعت رأسها بين كفيها .. وانهمرت دموعها كالسيل .. إنها لم تعد تملك إلا الدموع .

ما أحمقها ! علام الحزن والبكاء ؟

أتبكي على حب يائس لا أمل فيه ؟ أم تحزن لمصير مقرر معروف لا شك فيه ؟

يجب أن تتجلد وتتماسك ، وتجتاز المحنة .

إن الظروف لا شك ستساعدها على ذلك ، فحالة سوء التفاهم ما زالت قائمة للآن بينها وبينه ، لقد حدثها آخر مرة في التليفون غاضباً حانقاً عندما قالت له إنها لن تستطيع مقابلته لأنها لم تعد حرة في تصرفاتها ، فقال لها إنه لا يريد أن يراها .

لشد ما أحزنها قوله .. فقد كان يجب عليه أن يفهم .. وأن يقدر ، ولكنه كان ثائراً مهتاجاً .. لقد قال لها إنها عودته الإفراط في المشاعر ، وجعلته كالطفل المدلل .. ورجاها ألا تقتصد في مشاعرها حتى تنتهي فترة حنقه وقلقه الناتجة عن القصة التي كتبتها .

لعنة الله على تلك القصة .. وعلى الساعة التي كتبتها فيها لشد ما أثارت وساوسه وهمومه بلا أدنى سبب ولا مبرر .

ولعنة الله على الظروف السيئة المزعجة ، التي أبت إلا أن تحرم عليها أن تهبه من مشاعرها ما تعوّدت أن تهبه .. أو ك انت تتلهف على أن تهبه .

أهناك أمتع عندها من أن تهمس في أذنه بمناجاتها وتدليلها وحبها ؟

ولكن كيف تلقاه ، وقد أمسكوا بتلابيبها وضيقوا عليها الخناق ؟

ثم .. ما الفائة في أن تلقاه أو تناجيه أو تدللـه ، والأمر بينهما قد وصل ، أو يوشك أن يصل ، إلى نهايته .

لا .. لا .. لا فائدة من اللقاء .. لا فائدة من التراجع ، إن خير ما تفعله هو أن تسير في طريق القطيعة التي بدأها هو .

أجل .. يجب أن تكره نفسها عليها ، يجب أن تحتمل .

إن المسألة لن تحتاج إلا لجلد وتماسك بضعة أيام ، وبعدها ستتجلد وتتماسك مكرهة لا بطلة .

وهكذا عزمت على القطيعة وأرسلت إليه خطاب الوداع الذي نشره في مذكراته بعد أن استقر رأيها على أن تقنع منه .. بكتبه ، وأن تعود إلى موقفها السابق .. قارئة بين آلاف القراء .

ورد عليها بخطاب وداع أيضاً ، أبكاها ليلة كاملة . لقد أحست بالألم يحز في نفسها وهي تراه يتألم .

ولكن لم يكن هناك سبيل إلى التراجع .. إن الألم واقع لا محالة ، والفرقة آتية لا ريب فيها .

فليقع الألم ، ولتأت الفرقة .. ولينته كل شيء .

لقد قال لها : إن كل شيء إلى الزوال مآله ، حتى الحزن . ولكن .. أحقاً سينتهي الحزن ؟ إن في صدرها أكداساً من الحزن .. لن يقدر الزمن على تبديدها .. ولن تجسر كف النسيان على إزالتها .. شيء واحد هو الذي سيمحوها ، وهو الموت .. الذي سيتركها بلا شعور ولا حساسية .

وهكذا انتهى كل ما بينهما .. من حيث الشكل ، ومن حيث الظواهر .. أما ما في القلب .. فقد كانت جذوره أعمق من أن تقتلع .. إلا إذا اقتلع القلب نفسه .

وساعدتها الظروف إلى حد .. على الاحتمال .. فقد تمت الخطبة بسرعة ، وكان الكل متعجلين متلهفين على إنهاء كل شيء ، فقد كان الخطيب أو الزوج يريد أن ينهي كل الإجراءات قبل سفره إلى مقر عمله في أحد الأقطار الشقيقة حيث عين ملحقاً بالمفوضية المصرية هناك .. وكان يرغب في أن يتم الزواج ويصطحبها معه في سفره .. ولم يكن الأهل أقل منه لهفة في إتمام الزواج .. للتخلص منها .

وفي بضعة أيام ، كان كل شيء قد انتهى ، وهي مشدوهة مأخوذة .. تباشر أعمالها في شرود .. كأنها تشاهد رواية أو تقرأ قصة .. وفي النهاية وجدت نفسها في المطار تسير إلى الطائرة والأهل يلوّحون لها بأيديهم .

وفي الطائرة .. جلست بجواره وقد أغمضت عينيها واستغرقت في صمت عميق .

وأخيراً وصلت إلى مقرها النهائي .. الذي فرض فيه أن تجعل منه ملاذ العمر وملجأ الحياة .

ولكنها كانت فيه ضالة تائهة شاردة .

لم يكن هناك قط ما يسيئها .. على النقيض ، لقد وجدت أقصى ما تأمل فيه فتاة .. بيتاً جميلاً هادئاً .. وزوجاً محباً طيباً محترماً .

لقد وجدت الشيء الطبيعي ، الذي تتمناه الفتاة الطبيعية ، وجدت حياة طبيعية وزوجاً طبيعياً ، ولكن المصيبة لم تكن فيما حولها .. بل كانت في نفسها .. كانت هي غير طبيعية .. أحبت إنساناً غير طبيعي .

لو أنها مخلوقة طبيعية .. أحبت إنساناً طبيعياً ، وخذلها القدر فلم يهبها إياه .. وأعطاها بدله آخر .. لا بأس به .. لما أثر ذلك في نفسها كثيراً .. ولتقبلت مصيرها بنفس راضية قريرة .

ولكنها .. هي بالذات .. كانت بلا جدال .. شاذة بين البشر .. بحسها المفرط في الإرهاف ، ونفسها المفرطة في الهيام والوله والشاعرية والرقة .

وأحبت من ؟ مخلوقاً .. كانت واثقة أنه نسيج وحده .. مخلوقاً ليس به من صلة ولا شبه ببقية المخلوقات .

لقد كان يخيل لها ، أن الله عندما خلق البشر خلق الملايين المتحشدة في هذا العالم الواسع من طينة معينة وبطريقة مخصوصة ، فلما انتهى من خلقهم ، وجد لديه قطعة طين مختلفة فصاغ منها مخلوقين بطريقة مختلفة أيضاً ، ثم ألقى بهما فكانا شيئاً غريباً بين البشر ، كانا هذين المخلوقين ، كانا إياه وإياها .

كانت تجد فيه مخلوقاً لا يقارن .. وما الداعي للمقارنة وليس هناك وجه للمقارنة ؟

ذلك هو مبعث عدم استقرارها النفسي ، وعدم قدرتها على الرضا بفعل القدر والرضوخ لسلطانه .

ولم يكن عدم رضائها أو عدم رضوخها .. فعلاً .. بل كان مجرد حس .. كان شيئاً في الباطن . فقد كانت ذات إرادة على فعلها وعلى مظهرها .

كانت تقوم بواجبها الشكلي نحو زوجها خير قيام .. ولكنها كانت في تصرفاتها معه سلبية .. كانت تؤدي كل ما يطلب منها ، ولكنها لا تفعل قط ما لم يطلب .. كانت تجيب على حديثه ولكنها لا تبدؤه الحديث ولا تسأله .

كانت تجد حياتها فارغة خاوية لا يملؤها سوى شيء واحد .. هو مجموعة رسائله التي احتفظت بها في صندوق ، وكانت تستعيد قراءتها كلما زاد بها الحنين أو عاودها الشوق .

وكان تكره الخيانة والكذب ، ولكنها لم تكن تجد في احتفاظها برسائله نوعاً من الخيانة لزوجها .. بل كانت موقنة أن هذا من حقها على نفسها ، أو من الظلم أن تحرم نفسها البائسة العزاء الوحيد الذي يمكن أن تتعزى به .

ورآها زوجها ذات مرة وقد اختلت بنفسها وأقبلت على قراءتها في لهفة فسألها في هدوء :

  • ما هذه ؟
  • رسائل خاصة .
  • ممن ؟

ورفعت رأسها عن الرسائل ونظرت إليه نظرة بها بعض التبرم والضيق واليأس :

  • إنها رسائل خاصة بي .
  • أقول ممن ؟
  • من مخلوق عزيز لديّ .
  • أما زال عزيزاً إلى الدرجة التي تحتفظين فيها برسائله وتقبلين عليها بمثل هذه اللهفة !؟

ولم تكن ترغب قط في تحديه أو إثارة أية مشكلات بينها وبينه ، وكانت تراه دائماً هادئاً طيباً ودوداً .. فبهتت لمحاولته التحدي والبحث عن المتاعب .

ووجدته قد أثارها بسؤاله وأحست منه بما يشبه الإهانة فأجابت في حدة :

  • أجل .. إنه ما زال عزيزاً لديّ .

واقترب منها وجلس قبالتها ، وأجابها بصوت أكثر رقة وهدوءاً :

  • اسمعي .. إني أعرف كل شيء .. ولم أقدم على خطبتك إلا ليقيني أن المسألة لم يكن فيها فائدة .. وأنه لم يكن هناك أمل في أن تتزوج فتاة مثلك رجلاً ذا زوج .. إني لم أقدم على زواجك إلا وأنا واثق أني لن أحرمك هدفاً تأملين فيه .. بل كنت واثقاً أنك سرعان ما تنسين ، وأني سأستطيع أن أمنحك حياة سعيدة وأ<علك تحبينني ، ولكن يبدو لي أني قد فشلت .. إنك دائمة الشرود والذهول .. أنا أعرف أنك تمنحينني كل ما هو مطلوب من الزوجة شكلاً وعملاً ، ولكن لا تمنحينني حساً ، وأنا لا أستطيع إلا أن أشكرك على ذلك ، ولا أملك أن أجبرك أن تمنحيني الحس .. فذلك شيء لا يجبر عليه إنسان وإلا منح في غير صدق وبلا رغبة ، منح في تظاهر وادعاء .. فكأنه لم يمنح . إني أفضل ألا تمنحيني حساً .. من أن تمنحيني حساً كاذباً ، ولكني أيضاً أكره أن أراك لا تبذلين جهداً في النسيان .. أكره أن أراك تستثيرين مشاعرك وتنكئين جراحك .. إن من حقي كزوج أن أمزق هذه الرسائل ، ولكني لا أريد أن آخذك بالعنف .. فهذه طريقة لا فائدة منها .. فهي تزيد الهوة بيننا .. وكل ما أرجوه أن تبذلي بعض الجهد .. لا من ناحية الشكل والمظهر .. فهذا قد بذلت فيه أقصى الجهد . ولكن من ناحية الحس والباطن .. لابد أن تحاولي .

وكان حديثه كريماً معقولاً .. زادها ألماً على ألم . ولم تستطع أن تجيبه بأكثر من قولها في حزن :

  • إني شديدة اليأس ، ولن يضيرني شيء بأكثر مما أنا فيه .. وهذه لحظات عزاء أتعزى بها .. إني أكره الخيانة والكذب ، ولكني أعتبر هذا حقاً لي نحو نفسي ، ومع ذلك .. إذا كنت تجد فيها نوعاً من الخيانة .. فسأطويها ، ولن أفتحها بعد ذلك .

وفعلاً ، طوتها فلم تفتحها أبداً .

ولكن لو كان يدري .. لما حرّم عليها قراءتها !

ما الفائدة في أن يحرّم عليها قراءتها .. وهي تحفظها عن ظهر قلب ، وتستطيع أن تتلوها كلمة كلمة وحرفاً حرفاً ؟

إنه لم يزد على أن منعها من مجرد الشكليات والمظاهر ، ولم يكن هناك أقدر منها ، ولا أقوى إرادة في هذه الشكليات والمظاهر .. أما في الذهن وفي القلب .. فقد كانت مغلوبة على أمرها مقهورة في باطنها .

وأخذت الأيام تمر بها هادئة طبيعية .. فحملت بعد بضعة أسابيع .. ومرّت بها شهور الحمل كما تمر بكل امرأة ، وفي نهايتها وضعت طفلاً .

وما من شك هناك في أن البعد واليأس ومرور الزمن والحمل والولادة ومتاعب الطفل وغيرها من مشاغل الحياة قد هدأت نفسها كثيراً ، وخففت من حدة أحزانها ، وإن كان الحب والتقديس ما زالا راسيين في أعماقها .

وما من شك أيضاً في أن الأمور لو سارت على ما هي عليه لزادت من تهدئتها ، ولجعلتها أكثر استقراراً وقناعة بحياتها ، ولجعلت من حبها .. شيئاً سامياً علوياً ، لا يقض مضجعها ولا يقرح جفنها ، ولا يشوقها ولا يعذبها . ولكن يضيء لها الحياة ، ويهيئ لها السكينة والطمأنينة ، وتشعر به كمنحة منحه الله لها في فترة من فترات حياتها ، لتهديها سواء السبيل .

هذا هو ما كان يمكن أن يحدث ، حياة هادئة ، تضيئها ذكراه ، وتنعشها القراءة وتصوّره فيها ، كما كان يطلب هو منها : مثلاً أعلى ، وقدوة حسنة .

ولكن القدر يأبى علينا ، حتى تعوّد المصائب .. فهو في البلايا مجدد مبتكر يكره الركود ويأبى الاستكانة .

لقد عادت مع زوجها إلى القاهرة في أول عطلة .. عادت وهي أشبه بالناقهة .. ناقهة القلب .

والنقاهة تحتاج إلى الراحة والهدوء ، والبعد عن الإجهاد والإرهاق والإثارة ، حتى لا يصاب المريض بنكسة ، تعيد إليه الداء .

وهي في تفاهتها الحسية .. كان يخشى عليها التعرّض لأقل انفعال أو إثارة . فقد كان قلبها يكاد يستقر في موضعه ، كان ضعيفاً مترنحاً ، وكان جرحه يكاد يلتئم .

وكانت هي عازمة .. أن تقي نفسها شر التجارب ، وأن تبعد بها عن كل ما يثير مشاعرها ويرهف حسها .. عازمة أن تقضي المدة التي ستقضيها في القاهرة وهي مغلقة على نفسها وقلبها كل السبل .

كانت تعرف أن عليها أن تقاوم الحنين ، وكانت تعرف أن عليها أن تبذل جهداً في المقاومة ، ولكنها كانت مصرّة على هذا البذل .. مصرّة على أن تخرج من التجربة بسلام .

وبدأت المقاومة ، بمجرد أن وطئت قدماها أرض مصر ، بل بمجرد أن لاح لها النيل والمزارع والصحراء في نهايتها .

لعن الله هذه المرئيات ، إنها تأبى إلا أن تلصق نفسها به .. كل شيء تراه .. لابد أن يمت إليه بصلة .

هذه الصحراء كانت تلقاه فيها ، وهذه الأرض وطئتها قدماه ، حتى هذه العربة التي بدأت التحرك لحمها هي وزوجها إلى البيت ، وجدت فيه ما يذكرها به .. إذ أبت العربة أن تتحرك وأخذ السائق يضغط على ” المارش ” فأحدث صوتاً جعلها تذكر كيف كان يحاول إدارة عربته فلا تقوم لأول وهلة .. ثم يخبرها ضاحكاً أن العربة بردت ، ويسألها :

  • أمستعدة للزق ؟

فتجيبه ضاحكة :

  • وللجر .. وللحمل .. ولكل شيء معك .

وخيل إليها أن السائق سيسألها نفس السؤال ، ولكن العربة دارت أخيراً واتخذت طريقها إلى البيت .

ووصلت العربة إلى بيت أبي زوجها حيث كانا سيقضيان مدة العطلة ، وكان البيت يقع في أحد أطراف مصر الجديدة .. بيتاً منعزلاً صغيراً ، وكان الأب يقطنه وحيداً .

وأحست في البيت نوعاً من الطمأنينة .. فقد أحبت عزلته وسكونه ورحب الأب بهم ترحيباً شديداً .

ولم تجد هناك ما يضايقها أو يقلقها .. فقد كان العجوز هادئاً ميالاً للعزلة .. وكان بالبيت خادمة كبيرة تستطيع أن تحمل عنها أعباء الطفل .

وهكذا استقر بها المقام في أمن واطمئنان ودعت الله أن يجعلها تقضي بقية المدة دون أن تتعرّض لأي إثارة .. أو على وجه أصح .. دعت الله .. ألا يعرضها للقاء .. وألا يلقي بأحدهما في طريق الآخر .

هكذا دعت الله بذهنها وعقلها .. دعته برغبة قوية أكيدة وإن كان ذلك لم يمنع قلبها المريض المترنح من أن يهتف في صوت خافت :

أما من نظرة ؟! أما من لقاء !

كان يهتف في شبه توسل .. كان أشبه بالسائل .. بين بخلاء قساة .. أو باليتيم في مأدبة اللثام .

نداء …

13

وبدأت زياراتها لأقربائها ولصديقاتها .. ومرت الزيارات مروراً عادياً ، بما فيها من ترحيبات ودعوات وولائم وحفلات ، حتى زارتها ذات يوم صديقتها العزيزة عليها ، التي كانت السبب في تعريفها به .

كان الوقت صباحاً حوالي الساعة العاشرة ، وكان اليوم من أيام الصيف ، ولكن الجو مع ذلك كان لطيفاً ، وكانت بعض السحب المنخفضة تحجب الشمس من آن لآخر فيبدو الجو كأنه في يوم من أيام الخريف .

كانت تجلس تحت خميلة في ركن الحديثة ، وكانت تتسلى بعمل التريكو .. معدة ثياب الشتاء لطفلها الراقد في عربته بجوارها .

ودق جرس الباب الخارجي ، ورفعت بصرها فلمحت من خلال الأشجار صديقتها وقد وقفت بالباب .

وفتح الحارس الباب ونهضت هي من مقعدها لاستقبالها مرحبة بها .

وأقبلت عليها الصديقة تحتضنها وتقبلها وتصيح بها مؤنبة :

  • يا خائنة .. أتمضي عليك هذه المدة وأنت في القاهرة دون أن تخبريني .. يخوك البسكوت والجلاس ؟
  • كنت أنوي أن أزورك اليوم .

وكانت كاذبة في قولها .. فهي لم تكن تنوي زيارتها أبداً .. فقد كانت تعتبرهات ضمن مناطق الخطر ، إذ كان لقاؤها عندها أمراً محتمل الوقوع ، وحتى لو لم تلقه فإن بيتها نفسه شر مثير لذكريات دفينة .

وعادت صاحبتها تقول مؤنبة :

  • أتذهبين لزيارة ” عفت ” قبل أن تزوريني .. ولو لم ألقها مصادفة لما علمت بوجودك ؟
  • كانت زيارتي لها مصادفة .. كيف حالك ؟ وكيف حال المدرسة ؟
  • كيف حالك أنت ؟ لقد أصبحت أماً .. ومع ذلك فلا يبدو عليك أي تغيير ، ولو عدت إلى المدرسة تحملين الحقيبة لبدوت طفلة كما كنت .. لابد أن تكبري قليلاً وإلا لن يحترمك ابنك .

وانطلقتا تضحكان وتتبادلان تافه الحديث وغث الأسئلة وكانت تتمنى لو مرت بالزيارة بمثل هذه التفاهة والغثاثة .

كانت تسكت بشدة وحزم ذلك الهاتف من أعماقها باسمه المتسائل عن أخباره ، المتلهف على أنبائه .

وحمدت الله أن ألزم صاحبتها جادة العقل .. فلم يجر لسانها بذكره ، والواقع أن ذلك كان منها غريباً فما اجتمعتا قط إلا وكان هو محل حديثهما .. بل لقد كانت هي نفسه تدفعها إلى الحديث عنه حتى تمل صاحبتها وتصيح بها :

  • أرجوك ، دعينا نتحدث عن شخص آخر .. لقد مللت من ذكره .
  • ولكني لا أمل أبداً .

كيف إذاً استطاعت أن تجلس معها طوال هذا الوقت دون أن تلفظ عنه كلمة واحدة !

ولكن حمداً لله .. إنها فتاة عاقلة .. وهي تعلم أنها قد أضحت زوجة ، ونبش ماضي الزوجات أمر غير مستحب .

واستمر الحديث يطرق كل موضوع إلا هو ، وكانت هي ما زالت مكبة على عمل التريكو ، وقد طاف بذهنها عبثه المستحب في نزع الإبرة من الصوف ، وتخيلته بجوارها يرمقها بنظراته المشوقة اللهفى .. ولكنها سرعان ما طردت طيفه من ذهنها .

ويبدو أن صاحبتها كانت قد سألتها سؤالاً .. خلال شرودها ، فلم تسمعه ، إذ قالت لها ضاحكة :

  • اللي واخد عقلك .. يتهنى به .

وكان لهذه الجملة وقع شديد .. كأنها مطرقة هوت على سندان .

كانت جملة ” شهيرة ” إذ كانت لا تفتأ ترددها لها كلما وجدتها شاردة الذهن .. وكانت إجابتها الدائمة لها هي قولها في استسلام : ” واخد عقلي بس .. دا واخد عقلي وروحي وقلبي .. وكل حاجة فيّ ” .

وساد صمت عجيب .

صمت هو أبعد ما يكون عن الصمت .. صمت صارخ صائح .. مليء بصخب الصدور وضجيج القلوب .

ولم تنبس ببنت شفة .. ولم تقل بالطبع جملتها .. التي تعوّدت أن تقولها .. ولكنها كانت ترزح تحت وطأة حنين ملتهب وشوق متأجج . وكأنما القدر أراد أن يحكم إخراج الموقف المرهب المستعر .. فانبعث في تلك اللحظة لحن من ناي في الإذاعة .. لحن سمعته في أول لقاء لهما على حدة .. وأنبأها هو أن هذا اللحن يطربه وينشيه ويذيب نفسه .

ورفعت عينيها إلى وجه صاحبتها .. فإذا بسحابة حزن معتمة قد طافت به .. كأنما هي قد تذكرت أمراً أليماً .

وفجأة ألقت صاحبتها بسؤالها المروع .. قائلة في صوت خافت يملؤه الأسى والألم :

  • ألم تري … ؟

ولم تذكر الاسم ، ولكنها أدركت من تعني .. ولم تجب بشيء ، ولكنه هزت رأسها بالنفي .

وعادت صاحبتها تسأل :

  • ألم تسمعي بما حدث له ؟
  • حدث له ؟

ولم تستطع أن تتمالك نفسه فهتفت متسائلة :

  • ماذا حدث ؟
  • أحقاً لم تسمعي ؟
  • أسمع بماذا ؟ قولي أرجوك !
  • إنه راقد في المستشفى .. في حالة خطيرة .
  • كيف ؟.. ومتى ؟.. ولمَ ؟
  • لقد تصادم بعربته .
  • وماذا أصابه ؟
  • يقولون إن الصدمة اصابته بارتجاج في المخ .. أو كسر في العمود الفقري .. لست أدري .. ولكن النتيجة أن نصفه الأيسر قد أضحى عاجزاً .

وأحست بأطرافها تتثلج وبأعصابها تنهار .. ووجدت نفسها قد باتت عاجزة عن فعل أي شيء .. لا دموع .. ولا صراخ .. حتى صيحة دهشة لم تستطعها .

ووضعت منديلها بين أسنانها وأخذت تضغط عليه .. محاولة كبت ما بها من ألم والسيطرة على نفسها .

وبعد فترة صمت أليمة .. استطاع صوتها أن يخرج متحشرجاً من شفتيها متسائلاً :

  • في أي مستشفى ؟
  • الإسرائيلي .

ونهضت في تثاقل واتجهت إلى البيت في بطء وصاحت :

  • فاطمة .

وظهرت الخادمة بالباب فأمرتها بحمل الطفل إلى الداخل وإحضار حذائها .. ودست قديمها في الحذاء .. ثم سارت إلى صاحبتها كأنها شبح يتحرك ، وقالت لها في هدوء :

  • هيا بنا !
  • إلى أين ؟
  • إلى المستشفى .

وبدا التردد على وجه صاحبتها وقالت معترضة :

  • ولكن … ؟
  • ماذا ؟ أتخشين زوجته ؟
  • لا .. ليست زوجته هي التي أخشى .. إن زوجته راقدة في دارها .. إنها لا تستطيع النهوض .. فهي كما تعلمين مريضة من قبل ، ولم تستطع احتمال الصدمة لشدتها فأقعدتها في الفراش .
  • علام ترددك إذاً ؟
  • إن زوجك قد …

وجذبتها من ذراعها نحو الباب وقالت في يأس شديد :

  • زوجي ؟ إني أكره زوجي .. وابني .. أكره الناس كلهم .. وأكره الحياة .. لن يستطيع أحد أن يفعل بي شراً مما بي .. أنا ميتة .. وما لجرح بميت إيلام .

واندفعت في عزم إلى الخارج ، ولم تملك صاحبتها إلا  أن تسير خلفها .

كانت تسير بلا وعي وبلا إرادة .. لقد أفقدتها الصدمة كل سيطرة لها على نفسها وعلى عقلها .

كانت تتحرك بدافع خفي مجنون .. كانت لا ترى شيئاً ولا تسمع شيئاً .. ولا تحس بشيء .. إلا أنه هو .. راقد بلا حراك .

هو .. الذي ظنته قد انكمش في قلبها على مر الزمن .. لم تكد تسمع نبأه .. حتى وجدته قد تضخم وعاد ليحتل مكانه .. في كل ذرة في كيانها وكل نقطة في دمعها .

هو .. كل شيء .. وسواه لا شيء .

هو .. في جانب .. والدنيا كلها في جانب

هو .. هو .. وإذا لم يبق هو .. فلا بقيت هي .. ولا بقيت الأرض .. ولا السماء على الأرض .

ووصلتا إلى نهاية محطة الأتوبيس رقم 10 ، واتخذتا مجلسيهمات متجاورتين .. وكانت العربة خالية تماماً إلا من الكمساري والسائق .

وهمست صاحبتها في أذنها معيدة النصح :

  • أما كان يجب أن تنتتظري زوجك .. و …

ولم تجب عليها بكلمة ولكنها نظرت إليها نظرة أسكتتها .

وتحركت العربة وتتابعت المحطات ، وتزاحم الركاب ، وهي شاردة بعينيها لا تبصر شيئاً ، وسمعت صاحبتها تصيح بالسائق :

  • محطة السلم .

ووقفت العربة وجذبتها صاحبتها من يدها ، وهبطتا إلى الطريق .. عابرتين أسفل الكوبري .. متجهتين إلى المستشفى الإسرائيلي .

وعبرتا الباب الحديدي ثم صعدتا السلم الرخامي العريض وقادتها صاحبتها يميناً في ممر بين الحجرات .. وأخذت تمر ببصرها على الأرقام الصغيرة التي على الأبواب .. ثم توقفت أمام باب مغلق .. وبدت عليها الحيرة .. ولم تدر أتطرق الباب أم تنتظر .. وأخذت تتلفت حولها ، علها ترى أحداً خارج الحجرة .

وأقبلت إحدى الممرضات في خطوات سريعة حاملة في يدها ” طاقية ثلج ” واقتربت من الباب هامة بالدخول .

وسألتها صاحبتها :

  • أنستطيع أن نراه ؟
  • إنه نائم .. لقد مضت عليه بضع ساعات وهو في غيبوبة تامة .. إن أباه في الداخل ، وسأخبره بوجودكما .. استريحا قليلاً في الردهة .

واختفت الممرضة داخل الحجرة ، وتهاوت هي على أحد المقاعد فقد أحست بقدميها تكادان لا تحملانها .

وأخذت صاحبتها تسير جيئة وذهاباً بحركة عصبية متوترة . وأخيراً فتحت الممرضة الباب ودعتهما :

  • تفضلا .

وتقدمت صاحبتها أولاً .. وسارت هي خلفها .

وهي لا تدري حتى الآن .. كيف لم تخر مغشياً عليها .. وكيف استطاعت الوقوف على قديمها .. والإحساس بما حولها .

وقع بصرها على الحجرة البيضاء الجدران والسقف ، وفي وسطها الفراش بملاءاته البيض ، وجسده الطويل مسجى تحت الملاءات ، وقد بدا وجهه شاباً هزيلاً رقيقاً ووضعت فوق رأسه ” طاقية الثلج ” وامتدت إحدى ذراعيه وقد اتصلت بخرطوم رفيع تدلى من حقنة ” جلوكوز ” مدلاة من أعلى .

وبجوار الفراش .. وقف عجوز أشيب الرأس ، بادي الهزال ، يمد إليهما يده مرحباً .

كان الرجل ولا شك أباه .. إذ كان الشبه بين الاثنين واضحاً في ملامح الوجه ، وطول القامة وعرض الكتفين .

وقامت صاحبتها بواجب التعريف في كلمات مقتضبة سريعة خاطفة قائلة :

  • والد محمود بك .. صديقتي .

ثم تساءلت .. لمجرد السؤال :

  • كيف الحال ؟

ولم يجب الرجل .. بل بدا تشنج خفيف في نهاية شفتيه وفي ذقنه ، وحاول جهده أن يمنع نوبة البكاء التي توشك أن تمسك بتلابيبه ، ولكنه لم يفلح .. فقد احمر جفناه ، وهمى الدمع من مقلتيه ، وتهاوى على مقعده ودفن وجهه في كفيه .

ولم تستطع هي المقاومة .. وكانت أحزانها المكبوتة في صدرها تتحين الفرصة لتجد لها مخرجاً .. فلم تكد تبصر دموع العجوز حتى انهارت تماماً ، واستندت بيدها إلى حرف أحد المقاعد ، وأخفت وجهها باليد الأخرى . واندفعت في نوبة بكاء .

وبكت صاحبتها .. ولكنها كانت أول من أفاقت .. وأخذت تربت على كتف العجوز في رفق قائلة :

  • إن شاء الله سليمة .. لا داعي للبكاء .. أكثر من هذا ويزيله ربنا .

ثم اتجهت إليها وأخذت تهزها من ذراعها ، قائلة في شبه تأنيب :

  • كفى .. كفى هذا .. يجب أن تتماسكي .

وكان يجب أن تتماسك وتتجلد .. فكفت عن البكاء .. وتهاوت على أحد المقاعد ، وبعد برهة صمت سالتها صاحبتها في همس :

  • أظننا يجب أن نعود الآن ؟
  • نعود ؟!! إلى أين ؟.. وإلى من ؟

لقد كانت تعرف أن مقرها بجواره .. وأنه هو كل ما لها في هذه الحياة . فكيف تتركه ؟

أتتركه ملقى هكذا ؟ لا كانت .. ولا كانت الحياة .

ولكن أي حق لها في البقاء بجواره ؟ بل أي حق لها في أن تبكيه كما بكته ؟

أياً كان هذا الذي بينهما ، وكيفما كانت الرابطة الروحية التي تشد أحدهما بالآخر ، فإنها لا تزيد في الواقع وأمام الناس عن أن تكون غريبة عنه .. دخيلة عليه .. حتى في مرضه

إنه ما زال زوجاً ، وقد تكون زوجته راقدة الآن في فراشها .. ولكن ذلك لا يمنع من أنه قد تبل في أية لحظة ، وتأتي إلى المستشفى لتتخذ مكانها بجواره .

يا للعجب ! أيعقل أن يحرم إنسان حق الحزن .. وحق العناية والتمريض ؟

التمريض ؟ ولكنها قطعاً تستطيع تمريضه .. إن أية ممرضة هنا تستطيع تمريضه .. وهي لن تقل بحال عن أية واحدة منهن .

أجل . لن يستطيع أحد أن يمنعها من تمريضه والسهر عليه .

واستمرت الأفكار تطن في رأسها ، وعادت صاحبتها تستحثها :

  • أظن الوقت قد حان للذهاب ؟!

ولكنا لم تجبها بكلمة ، واستمرت متهاوية في مقعدها مغرقة في شرودها .

وانتظرت صاحبتها برهة أخرى ثم قالت هامسة في حزم :

  • يجب أن تعودي .. ماذا يقول زوجك ؟

وأخيراً نهضت متحاملة على نفسها ، وألقت نظرة أخيرة على الوجه الذابل الساكن ، وشردت على يد العجوز ، واستدارت متجهة نحو باب الغرفة ، ولكنها لم تكد تبلغه حتى سمعت هتافاً باسمها .

هتافاً حاراً متوسلاً متلهفاً .. نفس الهتاف الذي تعودا أن يتبادلاه فيما بينهما .

وأصابتها رجفة شديدة وجمدت في مكانها .

حمداً لله .. لقد أفاق .

واستدارت في بطء لتستقبل هتافه .. ولكنها وجدته ما زال مغمض العينين .

وتكرر الهتاف ، وهو مستغرق في غيبوبته .

لقد كان يهذي .. باسمها .

وقال الأب مفسراً بصوت متهدج في شبه اعتذار :

  • إنه يهذي .. منذ أن راح في غيبوبته ، وهو لا يفتأ يهذي بهذا الاسم .

ومرة أخرى أحست بأنها تتهوى ، واندفعت ثانية في نوبة بكاء مريرة .

وهمس الأب متسائلاً في دهشة شديدة :

  • أهو أنت التي يهتف باسمك ؟

ومدت صاحبتها يدها فسحبتها من ذراعها ، وأخذت تهرول بها إلى خارج المستشفى ، وهي تقول مؤنبة :

  • ما كان يجب أن تحضري .. ولكني أنا المسئولة .. كان يجب ألا أوافقك ، وأن أمنعك عن المجيء .. بل ما كان يجب أن أخبرك بالنبأ أصلاً .

وصمتت برهة ثم عادت تقول وهي تهز رأسها في دهشة :

  • ولكني كنت أظنك قد نسيت ولم أكن أظن أنك ستنهارين بهذه الطريقة ، ولا كنت أظن أنه قد بلغ هذه الحال من السوء .

وأخيراً بلغت الدار وهي تكاد تكون فاقدة الوعي .

وعلى باب البيت لقيها زوجها .. فأذهلته حالها وأدهشه احمرار جفنيها وهتف بها متعجباً :

  • أين كنت ؟!

ولم تجبه ، واتجهت إلى داخل البيت وارتمت على أقرب مقعد ، ووضعت رأسها في كفها وأخلدت إلى الصمت .

وتبعها زوجها وعاد يلح عليها بالسؤال :

  • أين كنت ؟ أجيبي ؟ أين كنت ؟

ورفعت رأسها وأجابته في هدوء وقد تمالكت نفسها :

  • في المستشفى .
  • أي مستشفى ؟
  • الإسرائيلي .
  • لِمَ ؟ ماذا حدث ؟ هل أصيب أحد من أهلك بسوء ؟!
  • ليس من أهلي .
  • من يكون إذاً ؟! من يكون هذا الذي أزعجك كل هذا الإزعاج ؟
  • إنه هو ..

وعض زوجها بأسنانه على نواجذه ، وأحس بثورة شديدة تهب بين جوانحه .. وحاول جهده أن يتمالك أعصابه وقال في غيظ مكتوم :

  • أذهبت الآن لزيارته في المستشفى ؟
  • أجل .
  • أنت لا شك مجنونة !

ولم تجبه بكلمة .. وعادت تضع رأسها في كفها .. فازداد غيظه ، ولم يستطع أن يكبت ثورته وصاح بها :

  • أجيبي ! ما الذي دفعك إلى زيارته ؟
  • لأنه مصاب .
  • ومالك به ؟ إنك تنسين نفسك .. تنسين أنك متزوجة .. فبأي وضع تزورينه ؟ وما علاقتك به حتى تزوريه ، وهو رجل متزوج .. أتزورينه كعشيقة ؟

ولم تكن حالتها تسمح كثيراً بالمناقشة أو بالرد .. ولم تكن تضيرها أقواله .. بل إنها كانت لا تكاد تفهمها .

واستمر هو في ثورته قائلاً :

  • يجب أن تفهمي أني لن أسمح لك بهذا العبث .. لقد صبرت عليك كثيراً .. هذا الشرود والوجوم .. الذي أنت فيه .. شيء لا يحتمل ، ومع ذلك فقد احتملته ، وقلت لنفسي إن الزمن سيعيدك إلى رشدك ويرد إليك صوابك ، وإنك سترتدعين من تلقاء نفسك . لقد قلت لك إني لن أحاول التخل في مشاعرك الخفية ، ولكن هذه الفضائح التي تحاولين إثارتها ، وهذا الجنون الذي أنت مندفعة فيه .. لن أقبله قط بحال من الأحوال .. لن أسمح لك بأن تجعليني مضغة في الأفواه ، وأضحوكة بين الناس . إني سأغفر لك لوثتك وحمقك هذه المرة ، ولكن إذا عدت إليها ، فسأعرف كيف أتصرف .

ولم يكن لهذه العاصفة من أقل أثر في نفسها إذ لم يكد ينتهي من حديثه حتى رفعت رأسها وأجبات بنبرات هادئة وفي عزم وإصرار :

  • خير لك أن تتصرف من الآن .. فإني سأذهب إليه غداً وكل يوم ، وسأبقى بجواره حتى يبل أو ينتهي .. أعلم هذا جيداً .. وافعل كل ما يبدو لك .
  • ما هذا الذي تقولين ؟ إنك لا شك مجنونة ؟
  • مجنونة أو غير مجنونة .. من الغد .. سأقوم بتمريضه .. إني لن أفعل نحوك ما يمكن أن يسمى خيانة ، إن ضميري مستريح .. لأن كل ما سأفعله هو أن أمرّض مريضاً على فراش الموت .. مريضاً لا يحس بشيء مما حوله ، ولا يحس حتى بي .. فإذا كان ذلك يفزعك ويسبب لك مثل هذه الثورة والانفعال .. فلتفعل ما تشاء ، ولكن لن يثنيني عن عزمي شيء .

وصمت برهة تمالك فيها نفسه ، ثم قال في حزم :

  • اسمعي .. إذا خرجت من هذا البيت فلن تعودي إليه ؟
  • سأخرج .
  • ولن تري ابنك ؟
  • سأخرج .
  • يجب أن تفكري جيداً ؟
  • سأخرج .
  • إنك مجنونة ؟
  • سأخرج .. سأخرج .. دعني وشأني .. أرجوك .. كفى ما بي .

وعادت تخفي رأسها بين كفيها مخلدة إلى الصمت .

وقال لها قل أن يوليها ظهره :

  • على أية حال سأترك لك فرصة تفكرين خلالها حتى الغد .. فربما تعودين إلى رشدك وتصرفين هذا الشيطان الذي يركب رأسك .

وأحست أنها لم تعد تستطيع احتمال كلمة منه ، فرفعت إليه رأسها محدقة فيه برهة ، ثم نهضت فجأة قائلة :

  • لا داعي لهذه الفرصة .. سأذهب من الآن .

ثم اتجهت إلى الباب بخطوات ثابتة .. ولكنه أسرع فوقف بينها وبين الباب وصاح بها :

  • إذا خطوت خطوة واحدة نحو الباب فأنت طالق ؟
  • دعني أخرج .
  • وابنك ؟
  • دعني أخرج قلت لك .
  • لن أتركك تخرجين من هنا حتى تكتبي لي تنازلاً عن كل شيء .

وخرجت من بين شفتيها ضحكة مريرة ساخرة :

  • لست في حالة إلى شيء ، ولا أريد منك أي شيء . دعني أخرج .
  • لن تخرجي .. حتى تكتبي التنازل .
  • سأكتب لك ما تريد .

وبعد لحظة كانت توقع على ورقة قدمها إليها وهي مغمضة العين وقذفت إليه بها وبالقلم ، ثم أخذت طريقها إلى الخارج متجهة إلى بيت صاحبتها .

ووصلت إلى بيت صاحبتها وقد استمدت من يأسها شجاعة .

إنها تشعر أنها قد أضحت حرة طليقة .. تشعر براحة لأنها وجدت في نفسها من القوة ما جعلها تقدم على ما أقدمت عليه .

ولقيتها صاحبتها صائحة في دهشة :

  • أنت !! ماذا أتى بك ؟!
  • لقد أصبحت حرّة .. وسأذهب إلى المستشفى .
  • ماذا تعنين بحرّة ؟!
  • حرّة طليقة .. أو طالقة .. كما يسمونها .

وندت عن صاحبتها صرخة فزع وصاحت :

  • ماذا فعلت بنفسك أيتها المجنونة ؟ ما الفائدة من كل هذا ؟

وأجابتها في ضيق وملل :

  • مجنونة .. مجنونة .. هو أيضاً قال لي ذلك ، وسيقول الناس جميعاً عني مجنونة ، ومع ذلك فلن أتراجع . أي جنون هذا الذي ترينه في عملي !! ألم تسمعي عن أحد دخل الدير .. إني سأعمل ممرضة .. بدل دخول الدير .. أي جنون في هذا ؟!
  • ومستقبلك ؟!
  • ليس لي أي مستقبل .. كل هذه الظواهر لم أعد أعبأ بها .. إني ذبيحة في باطني .. إني ميتة .. أي مستقبل هناك لامرأة ميتة ؟
  • وابنك ؟!
  • هو أعز لديّ من مائة ابن .. إذا كنت على استعداد لأن أفتديه بروحي .. أفلا أترك من أجله ابني ؟
  • ولكن ..
  • أرجوك . وفري نصحك .. لقد انتهى كل شيء .. لقد كتبت له إقراراً بالتنازل عن كل شيء .. ولا فائدة من الجدل .
  • وماذا تنوين الآن ؟
  • سأعمل ممرضة ، وسأقوم بتمريضه .
  • كيف تعملين ممرضة .. إن التمريض يحتاج إلى دراسة . يجب أن تهدئي وتتروي .
  • إذاً سأقوم بخدمته .. أظنهم لن يرفضوني مجرد خادمة ؟

ثم تهدج صوتها وقالت بتوسل :

  • أرجوك .. لا تعقدي الأمور .. أرجوك أن تساعديني .. كل ما أطلبه هو أن أكون بجواره .

واغرورقت عينا صاحبتها فضمتها إليها .. وهمست في أذنها :

  • لا تحزني .. سأفعل من أجلك كل شيء .. اعتمدي على الله وعليّ .. وليساعدك الله .. سأخرج معك ، ولكن بعد تناول الغداء .. إنك لا شك لم تتناوليه .. فهيا بنا الآن نأكل لقمة تقيم أودك .

وتناولت بضع لقمات ، ثم خرجت وصاحبتها إلى المستشفى .

ولم تكن صاحبتها تعرف كيف يمكن أن تفعل لها ما تريد ، ولكنها دعت الله أن يوفقها في سعيها .

ودخلا المستشفى ، واتجهتا إلى حجرة المريض ، وهناك وجدتا الأب والطبيب المشرف على العلاج .

وسألتها صاحبتها أن تبقى خارج الغرفة ، ودخلت هي وبدأت في عرض مطلبها .

ودهش الرجلان .. وهز الطبيب رأسه في حيرة وقال :

  • ولكن يجب أن تكون لديها شهادة .
  • يا دكتور أرجوك .. إنها ستسهر على خدمته هو ، ولن تقوم بعمل من الأعمال الفنية . ستكون مرضة شكلاً . لقد تركت زوجها وابنها من أجله .. فيجب ألا تخذلها .. ولا أظن هناك أي شيء يمكن أن يحول دون تطوع إنسان لخدمة مريض !

وهز الطبيب كتفيه وقال لها :

  • أمرك .. دعيها تلحق بي في المكتب .. حتى أتفاهم مع مدير المستشفى .

واتجه الطبيب إلى المكتب .. وبعد برهة لحقتا به .. ولم يستغرق الحديث وقتاً طويلاً .. حتى كان كل شيء قد انتهى .

وأحست وهي ترتدي ثياب الممرضات البيضاء أنها تقذف من فوق كتفيها عبئاً ثقيلاً .. وتملكها إحساس المؤمن يبدأ جهاده .

وتركتها صاحبتها عائدة إلى بيتها .. وهي تقول لها في حزن :

  • ليعاونك الله .. إن ما فعلته .. غريب على البشر .. إنه عمل لا أتوقعه من مخلوق على الأرض .. ولكن منك أنت محتمل الوقوع .. لقد كنت دائماً أراك مخلوقة عجيبة .. ليرحمك الله .. وليجعلك لا تندمين على ما أتيت .
  • لن أندم على شيء قط .. ما من شيء كان يمكن أن يسعدني في هذه الظروف إلا ما فعلت .. كل ما أطلبه من الله هو أن يحفظه ويرده سليماً .

يحفظه !! من أجل من ؟!

ويرده سليماً ؟! لمن ؟!

لها هي ؟.. أم لزوجته الراقدة في فراشها ؟

أية سخرية هذه .. لقد ضحت بكل شيء .. لكي تنقذه لغيرها ؟!

إنها الخاسرة في جميع الأحوال .

لو ذهب إلى ربه .. فهي الخاسرة .. ولو عاد إلى بيته فهي الخاسرة أيضاً .

لو ذهب .. فسيذهب عنها .. ولو عاد فلن يعود إليها .

لو عاد .. فسيعود إلى زوجته .. وستعود هي .. إلى أين ؟! الله وحده أعلم بمصيرها .

إنها ضائعة ضائعة .. مفقودة مفقودة .

ومع ذلك .. فما استقر في ذهنها شيء من هذا .. فقد كان ذهنها لا يتسع لشيء قط .. كان لا يملأ ذهنها إلا الجسد المسجى ، والوجه الشاحب ، والرأس المثقل بطاقية الثلج ، والذراع المربوطة إلى السقف بخرطوك الحقنة .. وبعد كل هذا .. الصوت العميق .. الهاتف باسمها .

إنه لم ينسها حتى في غيبوبته .. فكيف تنساه ؟

إنه ينادي .. فلابد أن تلبي نداءه ! إنه لا شك في حاجة إليها .. في حاجة إلى حبها وعطفها .. وإجابتها هتافه باسمها .. بهتافها باسمه .. لقد كان ذلك هو أحب شيء إلى نفسها ونفسه .

في العرين

14

وسارت بخطى ثابتة إلى حجرته ودفعت الباب برفق فوجدت الأب قد أسند براسه على كفه .. وراح في إغفاءة .. فلم يكد يسمع وقع أقدامها حتى تنبه من غفوته ، وهمست به في رفق :

  • يجب أن تستريح الآن .. سآخذ دوري في الخدمة .
  • بل سأبقى معك .
  • يجب أن يريح أحدنا الآخر .. حتى نستطيع أن نتناوب الخدمة . أرجوك أن تذهب لتستريح الآن .

ونهض الأب متحاملاً على نفسه .. وقال ، وهو يفتح أحد الأدراج :

  • عندما تنتهي حقن الجلوكوز .. ستحضر الممرضة لإعطائه واحدة من هذه الحقن .. إنها موجودة هنا في هذا الدرج .

ونظرت إلى داخل الدرج فوجدت أنه قد صفت فيه بضع ” أمبولات ” ، ووجدت بجوارها رزمة ورق .. لم يصعب عليها تمييز الخط الذي كتب عليها .

ولاحظ الأب نظرتها إلى الورق ، فقال في صوت خافت :

  • هذا آخر ما كتب .. إنها قصته الأخيرة .

واغرورقت عيناه بالدموع وتهدج صوته ، وهو يتمتم قائلاً :

  • لقد كانت السبب في انتكاسه ، وفي مضاعفة حالته .. لقد أمره الطبيب ألا يجهد نفسه ، ولكنه أصر على الكتابة ولو علمت بما سيحدث ، لقتلت نفسي قبل أن أدعه يكتب .

وغادر الأب الحجرة ، وأغلق الباب .

وأخيراً .. أصبحا في خلوة .

سخرية أخرى .. من نوع بديع .. لا شك أن القدر يصفق لها ، طرباً وإعجاباً .

أجل ! لقد باتا في خلوة .. وأية خلوة ؟

ألم يكن هذا ما يتوق إليه ، وما طلبت هي منه في خطابها أن يقلع عنه ؟ فلما غضب أنبأته بأنها ستذهب معه إلى آخر الأرض ، بل إلى آخر العمر ؟

ها هي قد أتت إليه .. لا لتذهب معه إلى آخر الأرض بل إلى آخر السماء .

من كان يصدق هذا ؟

إنه أضحى ملكها أخيراً .. ملكها وحدها .. هي خادمته وعبدته .. ألا تجمعهما الآن وحيدين غرفة واحدة ؟! ألا يرقد أمامها على الفراش وحده .. وهي التي لم تكن تتمنى شيئاً قدر أن ترقد بجواره وتختبئ بين أحضانه ؟

ماذا تراه بقال لو فتح عينيه ووجدها أمامه ؟ لقد قال لها فيما مضى إنه لا شيء أحب إليه من التطلع إليها ومناجاتها ..

أما يستطيع أن يتطلع إليها الآن .. ويناجيها ؟

وعلا صوته مرة أخرى هاتفاً باسمها .. هتافاً حاراً مخلصاً ، يذوب من الصبابة والوجد .. ومس الهتاف جسدها كما يمسه تيار كهربائي ، وانتفضت مرتاعة ، وأخذت تقترب منه في بطء ، ولم تملك إلا أن تجيب هتافه .. بأحر منه .

وأخذ يهتف باسمها ، وأخذت تجيبه ودمعها ينساب من عينيها كالسيل المنهمر .

آه لو يسمعها ! آه لو يحس بها !

واستمر في هذيانه قائلاً في رجاء حار :

  • تعالي .

وأجابت باكية :

  • إني بجوارك يا حبيبي .. إني بجوارك .

وأخيراً عاد إلى صمته .

وانحنت عليه تمس بشقتيها وجنتيه .. وتغرق بدمعها وجهه ، وحتى أحست بأنها تكاد تتهاوى فهبطت فوق المقعد .

ومضت فترة سكون عجيب كانت تبدو كأنها في غيبوبة .

فلم تفق إلا على صوت الباب يفتح ، والممرضة تدخل لتعطي الإبرة للمريض .

وبعد لحظات انتهت الممرضة من عملها .. وغادرت الغرفة .. ومرة ثانية ضمتهما الخلوة .

وجذبت المقعد بجوار الفراش ، وجلست ملاصقة له ، واضعة كفه بين كفيها .. مقبلة إياها بين آونة وأخرى .

وأتى بعض زوار .. ثم انصرفوا ، وهم أشد حزناً .. ثم أقبل الليل ، وأخذت الممرضة تلقنها بعض الواجبات التي يجب عليها عملها .. ثم تركتها وحدها .

وجلست ترقبه .. وكانت تجده بين آونة وأخرى يقلب رأسه يمنة ويسرة في تململ وضيق .. ثم يطلق تنهيدة حارة ، أو آهة متوجعة ، فتحس كأن نياط قلبها تتمزق .

ومضت الساعة تلو الساعة ، وهي جالسة في مقعدها لا يغمض لها جفن .. وأحست بصداع شديد يطرق رأسها فقامت إلى الدرج الذي به ” الحقن ” تبحث فيه علها تجد قرصاً من الأسبرين .

ولم تجد سوى الحقن .. والورق .

وأخذت تحدق في الورق .. وخيل إليها أنها تسمع صوت الأب يقول :

  • هذا آخر ما كتب .. إنها قصته الأخيرة .

” القصة الأخيرة ” .. لقد قال لها إنه سيكتب قصتها .. وسيسميها القصة الأخيرة ، وأنبأها أنه سيجعل كاتبها يكتبها وهو على فراش الموت ، يلفظ آخر أنفاسه .

أيمكن أن يكون قد حدث هذا ؟!

لا .. لا .. إنه لم يلفظ آخر أنفاسه .. ولن يلفظها ! إنه يتنفس بانتظام .. وسيفيق من غيبوبته قريباً . قد يصيبه الشلل ، ولكنه سيبقى على قيد الحياة .. سيتحدث ويضحك وسيبقى حياً .

ولكن ترى ماذا كتب ؟

أتراه قد كتب عنها حقاً .. أم تراه قد نسيها فيما نسى ؟! أطواها قلبه ما طوى غيرها ؟ لقد قال لها إنه لا يستطيع أن يعيش بغير حب .. فهل استطاعت واحدة سواها أن تحتل مكانها كما احتلت هي مكان سواها ؟

من يدري ؟

ترى ماذا كتب ؟

ومدت يدها فأمسكت بالأوراق .. وبدأت في قراءة بضعة الأسطر الأولى .

وضغطت بأسنانها على شفتيها حتى كادت تدميهما .

إنها قصتها هي .. بل إنها رسالته إليها !

إنه يناجيها .. ويعتب عليها هجره ونسيانه .

لقد كتبها من أجلها .. وفاء بوعده لها .

وعاد قول أبيه يطن في أذنيها :

  • لقد أصر على كتابتها .. وكانت السبب في انتكاسه ومضاعفة حالته .

ليتها ما رجته أن يكتبها .. ليتها ماتت قبل أن تسبب ذلك الجهد له !

وأمسكت بالورق ، وجلست على المقعد تقرؤه بنفس مضنية ، وقلب محروق من اليأس والعذاب .

وأخيراً انتهت من قراءتها .

وسقط رأسها على صدرها في إعياء ويأس .

وعادت تستعيد ما قال :

  • لابد أن أضع لها خاتمة من عندي .. أجعلك مثلاً تعودين في اللحظة الأخيرة نادمة مستغفرة .. ولكنك تجدينني قد ذهبت ..

لقد عادت إليه .. غير نادمة ولا مستغفرة .. لأنها لم تنسه قط .. ولم تهجره ولا تسلوه .. إنها ما كفت عن حبه لحظة واحدة .. ولا شغلت نفسها بغيره .

إنها عادت إليه .. ولكن قبل أن يذهب .. إنه لن يذهب قط .. إنها ستعيده إلى الحياة .

إنه لن يذهب أبداً وهي بجواره .

إنه سيفيق من غيبوبته ويراها .. ويعرف أنها تحبه كما أحبته دائماً .. وكما ستحبه إلى الأبد .

أجل ! ستدفع عنه ما أحزنه .. وتعيد الثقة في نفسه .. فيها وفي البشر ، وفي الحياة .. ستجعله سعيداً .. سعيداً .. ومن غيرها أقدر على ذلك ؟

إنها لن تتخلى عنه قط .. ستكون له كما تشاء .. وعلى أي وضع يريد .

ما أشد حمقها لو حاولت بعد ذلك أن تتمسك في هذه الحياة القصيرة الزائلة المعقدة .. التي لا منظم لها سوى قدر ساخر ، ولا محرك فيها سوى قوة جائرة لا تبغي سوى الهزل بنا والعبث بمشاعرنا وبرغباتنا !

ما قيمة حياة طويلة رتيبة مملة قاتلة .. إذا قيست بلقاء بين ذراعيه واستسلام تحت شفتيه ؟

ما قيمة حياتها لو لم تتخللها بضعة الأشهر التي تمتعت فيها بحبه ؟ لقد منحها من السعادة ما يجعلها تشعر أنها قد أخذت أكثر من نصيبها من الحياة .. وما جعلها تشعر أنها الرابحة مهما لقيت من صنوف العذاب والشقاء .

إنها ستعيده إلى الحياة .. وتعيد نفسها إليه .. ليفعل بها ما يشاء ، ولن تحاول صده أو هجره أو البعد عنه .. ليقل الناس عنها ما يقولون .. إنها مجنونة شاذة .. ولن تعبأ بأقوال العقلاء الطبيعيين .

فقط .. لو يعود إلى وعيه ! لو يحس بها ويراها ! ويغفر لها ما قد ظنه بها !

ولكن لم بيد لها أن هناك أية فائدة .. فلقد استمر في رقدته محركاً رأسه يمنة ويسرة في ضيق وتململ .. مرسلاً الآهة تلو الآهة .. فإذا ما كف عن التململ والآهات .. اندفع يهذي .. تارة باسمها ، وتارة بخليط مشوش من الأقوال والنداءات .

ومرت بها الأيام وهي مشدوهة تائهة .. تمر بها أشباح الزائرين ، الرائحين والغادين دون أن تميز لهم وجهاً ، فما كانت تبصر إلا وجهه الذي يزداد هزالاً وشحوباً يوماً بعد يوم .

واستمر الجلوكوز وغيره من الحقن تدفع في دمه وهو مسجى لا حراك به ، وبدأ يداخلها إحساس أليم باليأس .. فما كانت ترى من حولها ما ينبئ بأن هناك بادرة رجاء ، أو بارقة أمل .

كانت الوجوه كلها عابسة مقطبة والنفوس تفيض باليأس والمرارة .

وجلست ذات ليلة في مقعدها ترقبه في حزن وهو يتململ ويتأوه .. وطاف بذهنها كيف قال لها ذات يوم : إنها مسلمة ، وكيف حاولت بعد ذلك أن تكون مسلمة وكيف تعملت الوضوء والصلاة ، وقراءة القرآن .

ولقد نسيت كل ذلك بعد زواجها .. لقد جعلها اليأس تكفر بكل شيء .

ترى لِمَ لا تعاود صلاتها الآن .. وتجرب أن تلجأ إلى الله عسى أن يعيده لها ؟

وأحست من تفكيرها بسكينة كبرى ، وبدت لها في الظلمات بارقة أمل ، ولم تفتأ حتى قامت إلى الحوض الأبيض الصغير فتوضأت .. ثم افترشت منشفة على الأرض .. أخذت في الصلاة .

ولم يكن في ذهنها إلا هو .. كانت تردد صلاتها برجاء واحد .. هو إعادته إلى الحياة .

وكانت تحدق في سقف الغرفة وهي راكعة ، وكأنها تبصر الله من خلاله ، وأخذت تتمتم هامسة :

  • يا رب .. أنت تسمعني . أعده إليّ يا رب ، ولو بضع لحظات .. لست أطمع في كثير .. بضع لحظات فقط .. ألقاه خلالها قبل الفرقة الأخيرة .. لقاء أخير يا رب هو كل ما أرجو منك .. أريد أن أمسك يده ، وأحدثه .. أريده أن يشعر بي .. ويعرف أني عدت إليه .. وأني أحبه ، وسأحبه حتى أموت .. وبعد أن أموت .. لو يكون في قدرتي أن أشعر وأن أحب .. أريده أن يموت قريراً هانئاً سعيداً .

أعده إليّ يا رب .. لحظة واحدة .. دعه فقط يراني ثم يذهب .. يا رب اغفر لي ولا تؤاخذني بما سبق من خطاياي . ارحمني الآن فقط ، وعذبني بعد ذاك كما تشاء .. أريده يا رب .. بضع ثوان .. ليس هذا عليك بكثير .

وقطع عليها همساتها الداعية .. صوت تنهيدة طويلة انطلقت من صدره ، وأعقبتها آهة حارة .. وازاد تململ رأسه وحركته فوق الوسادة .

ونهضت بسرعة فوقفت بجواره وانحنت عليه تمسح بكفها جبينه .. كانت أنفاسه تتلاحق ، وبدا عليه كأنه يبذل جهداً .

وتلاحقت أنفاسها كأنما قد شدت إلى أنفاسه .. وخفق قلبها بشدة .

أيمكن أن يكون الله قد استجاب إلى دعائها ؟!

أيمكن أن يكون في طريقه إليها ؟

أيمكن أن يعود حقاً ؟

وبلا إرادة .. أخذت تهتف باسمه .. كأنما تراه مقبلاً من بعيد وتتعجل قدومه .

أخذت تهتف ، وتهتف .. هتافاً من أعماق الأعماق .. لم تكن تهتف بشفتيها .. بل بروحها وقلبها .

إنه لابد أن يسمعها ، ولابد أن يعود !

وفجأة كفت عن الهتاف .

فلقد كف هو عن التململ ، وكف عن التأوه .

إنه لا شك عائد .. عائد .. إنه سيفتح عينيه ، ويراها ويتحدث إليها ..

وأحست به يأخذ شهيقاً طويلاً .. بلا زفير ، وشهيقاً ثانياً ، وثالثاً .

وبعد ذلك ساد سكون عجيب .. لا شهيق ولا زفير .. ولا تململ ولا تأوه .

وساءلت نفسها في زفع : ما سر هذا السكون ؟ لقد خيل لها أنه عائد إليها .

أيمكن أن يكون قد ذهب ؟!

ذهب نهائياً .. بلا أمل في عود .. أو رجاء في لقاء ؟

ومدت أصابعها مشنجة في ذعر شديد ، وبمنتهى البطء ، وضعتها على طاقتي أنفه .

لقد كانت هذه الوسيلة الوحيدة التي تعرفها لتمييز الموتى من الأحياء .

ولم تحس بهبة نفس تصدم أصابعها الباردة .

ولكنها لم تقتنع .

إنه لا يمكن أن يذهب .. لقد كان عائداً إليها .

وأحست بجسدها ينهار ، وتهاوت فوق الجسد المسجى تضمه إليها وتضع وجهها على وجهه .. كانت تتشبث به .

وشعرت ببرودة وجهه تحت لهيب وجهها ، واندفعت تنشج في بكاء عنيف .

ولم تشعر بالباب حين فتح ، ولكنها أحست بيد تمس كتفها ثم تجذبها من ذراعها محاولة دفعها عن الفراش .

وسمعت صوتاً يسألها :

  • ماذا بك ؟! ماذا حدث ؟

وتحاملت على نفسها ونهضت عن الفراش ، وأشارت إلى الجسد الساكن وهي تضغط بأسنانها على شفتيها وهمست :

  • لقد ذهب .. انتهى كل شيء .

وأقبلت الممرضة الأخرى تتحسس الراقد ثم جذبت الملاءة البيضاء .. فغطت وجهه ، وجذبتها من ذراعها خارج الغرفة وهي تقول آمرة :

  • تعالي .. لا فائدة من بكائك .

وسارت معها بلا مقاومة .. فقد كانت لا تملك المقاومة .. كانت بلا وعي ، ولا حس ، ولا قوة ، ولا إرادة .

ومن العبث أن تحاول أن تتذكر كيف مرّت بها الفترة التالية بعد ذلك .

كانت أشبه بالضائعة .. الضالة .

بل كانت فعلاً ضائعة ضالة .. كانت أشبه بالمتحركة في سحب ثقال معتمات سود .

لقد غادرت حجرته ، وجلست في حجرة الممرضات صامتة واجمة .. لا بكاء ولا دموع ، لا صوت ولا حركة

لقد انتهى كل شيء .

كان هذا هو ما يسيطر على ذهنها .

انتهى .. انتهى .

ليت مرضه قد طال ؟ ليته استمر في غيبوبته إلى ما لا نهاية ؟! لقد كانت على الأقل .. تراه ، وتسمع أناته وتتحسس يده .

كانت تخدمه وتسهر عليه .

كانت تشعر أنه لها ، وأنها تابعة له .

أما الآن .. فقد فقدت كل شيء .

إنها لا تستطيع أن تضم جسده .. أو تشيعه .. إنها لا تملك إلا التباعد والانزواء .. فهي لا تملك حتى حق البكاء عليه ، فهي بالنسبة إليه .. لا شيء .

لا شيء أكثر من ممرضة .

ولم تك تعرف إلى أين تذهب ؟ وماذا تفعل ؟ وهي شريدة منبوذة .. لقد تركت بيتها وزوجها وابنها ، وهي لا تندم على ما فعلت ولا تفكر قط في العودة إليهم ، وهي كذلك لا تستطيع العودة إلى أقاربها ، فهم لا شك قد لعنوها وتبرءوا منها . واعتبروها مجلبة للعار .

ليفعل القدر بها ما شاء .. فلا تظن أنه قد بقي لديه شر مما أعطاها .. لقد وهبها أسوأ ما عنده ، وكل ما يهبه لها بعد ذاك محتمل .

وفي وسط معمعة الموت .. خيل لها أنها أضحت عند الجميع نسياً منسياً .. ولم تمض برهة حتى أقبل عليها الأب الشيخ الذي لم تنسه الصدمة القاتلة أن يسأل عنها ويذهب إليها فيضمها إليه باكياً ويقول لها :

  • لست أدري ماذا أقول لك ؟ ولا كيف أكافئك ؟ فلست أملك ما يساوي فعلك ، ولكن ..

ثم مدّ إليها بيده برزمة الأوراق التي كانت في الدرج وأردف قائلاً :

  • خذي هذا فإني أظن أنك أحق الناس به . لقد قرأت ما به ذات ليلة .. فلم أشك في أنه قد كتبه من أجلك .. خذيه إنه ملكك ، وليرعك الله .. فإنك لم ترتكبي إثماً ، ولم تأتي ذنباً ، ولا تستحقين إلا كل عطف ورعاية .

وملأها قوله بعزاء عجيب .. كانت المرة الأولى التي تسمع من إنسان .. أنها لم تخطئ ولم تذنب ، وأنها تستحق كل عطف ورعاية .

الحمد لله أن جعل هناك من يفهم مشاعرها ويقدر تصرّفها .

ولم يكد الشيخ يودعها .. حتى أقبلت صاحبتها فضمتها إليها ، وقالت لها في لهجة شفوقة وإن كانت لم تخل من تأنيب :

  • كنت أعلم أن هذا سيحدث ، والآن ماذا أنت فاعلة ؟ هيا بنا إلى البيت لتتدبر الأمر .. فلا أظنك تستطعين الجلوس والتفكير إلى ما لا نهاية .

ولم تكن هناك فائدة من مقاومة صاحبتها .. بل لم يكن هناك موجب للجدال والمناقشة ، وإلا فأين ستذهب إذا لم تذهب معها ؟

وأمضت الأيام التالية في بيت صاحبتها ، وهي في حالة ذهول تام .. منهارة النفس ، متداعبة الجسد .. لا تكاد تتناول إلا ما يقيم أودها ، ولا تذوق النوم إلا لماماً .

وأخيراً .. بدأت تفكر .

ما المصير ؟ وما النهاية ؟ إلى متى ستظل هكذا عبئاً على صاحبتها ؟ إنها لو احتملتها غداً فلن تحتملها بعد غد .. إن لكل شيء نهاية .. والكرم إذا طال .. انقلب ضيقاً وتبرماً ، وهي لا تستطيع قط أن تفكر في أن ترغم أحداً على إيوائها وإطعامها .

يجب إذاً أن تفكر في حل لمصيرها .

ولكن علام كل هذا الإجهاد والحل ميسور ؟

لماذا لا تعمل ممرضة كما كانت .. لِمَ لا تستمر في العمل المستشفى ؟! إنهم لا شك يقبلون إيوائها وإطعامها .. نظير خدماتها .

إنها لا تريد سوى الكفاف ، من المأوى والمأكل والملبس .. إنها تريد أن تقبع بعيدة عن الناس ، وستهيئ لها خدمة المرضى الكثير من راحة البال والضمير .

وفي ذات ليلة أنبأت صاحبتها بعزمها على الرحيل في الغد لكي تعمل في المستشفى .

وذهلت صاحبتها ورفعت حاجبيها متسائلة في دهشة :

  • تعملين ؟ أين ؟
  • في المستشفى .. ممرضة أو خادمة .. أو أي عمل يضعونني فيه .
  • ما هذا الذي تقولين ؟ ألم يكفك كل هذا الهوس الذي مضى ؟ يجب أن تعودي إلى رشدك الآن .
  • وماذا تريدينني أن أفعل .. وأي عمل أستطيع أن أتعيش منه سوى هذا ؟
  • عمل ؟!! وما الذي يجبرك على العمل ؟ ولماذا لا تعودين إلى بيتك أو إلى ذويك ؟
  • بيتي ؟ وذوي ؟ إنك حسنة النية جداً .
  • بل أنت الحمقاء المجنونة .. إن كل شيء يمكن أن يغتفر . لِمَ لا ترجعين إلى بيتك ؟ ولا شك أن زوجك سيغفر لك وسيسمح لك بالعودة !
  • أولاً .. هو لن يغفر ، وثانياً ، أنا لن أقبل غفرانه ولن أعود إليه بعد ما فعلت .
  • وذويك ؟
  • ولا ذويّ ، إني لست محتاجة لأحد . أني أعرفهم جيداً .. إنهم قوم نفعيون ، أنانيون ، كفاني ما رأيت منهم . لقد نشأت بينهم كأني في صحراء أجدبت من قطرة حنان . إني لم أعد صغيرة ولا عاجزة ، وسأعرف كيف أعول نفسي .
  • على أية حال ، ليس هناك وجه للعجلة .. إنك في بيتك ، ولن أضيق بك ذرعاً . امكثي معي حتى يحلها ربنا .

” يحلها ربنا ” وانطلقت منها ضحكة قصيرة ساخرة وأجبات .

  • ربنا يأبى أن يحلها في وجهي .. لابد أن أحلها أنا . سأذهب غداً إلى المستشفى .
  • لا تكوني عنيدة .. امكثي بضعة أيام !
  • لا داعي للتأجيل .. لن يكن هناك فارق بين اليوم وبعد بضعة أيام .
  • ابقي على الأقل إلى ما بعد غد ، حتى يدبر المولى .
  • قلت لك لن يدبرها المولى !
  • سأدبرها أنا .. صبرك عليّ .

ولم تملك إلا أن ترفع كتفيها في يأس وتجيب :

  • كما تشائين .

ولم يكن يخطر على بالها كيف تنوي صاحبتها أن تدبرها ، بل لم تكن تظن قولها أكثر من مجرد رغبة في استبقائها ، ولم تشأ أن تستمر في جدالها ، قائلة لنفسها إنه لن يضيرها أن تمكث يوماً أو يومين أو حتى بضعة أيام ، لاسيما وأن البيت لا يحتوي إلا على أمها العجوز الطيبة التي لا يكاد يحس بها أحد .. فهي والأمر كذلك .. لا تثقل على أحد .

ولكنها في اليوم التالي فوجئت بصاحبتها .. وقد أقبلت عليها قبيل الظهيرة بعد غيبة ساعتين خلال الصباح ، وتبينت في وجهها تجهماً وضيقاً .

ولم يكد يستقر بها المقام حتى سألتها مستفسرة :

  • ما بالك ؟! إنك لا تبدين مسرورة ! هل هناك ما يضايقك ؟

هزت صاحبتها رأسها في أسف وأجابت :

  • لم أكن أظن البشر بمثل هذا الحقد والسوء ..
  • كيف ؟ ماذا حدث ؟
  • لقد ذهبت إليه .. وحاولت استغفاره .. ولن أحاول أن أصف لك كيف قابلني .. لقد ازدراني كما يزدري متسوّلاً حقيراً .. ولم يجلس معي سوى بضع لحظات ثم نهض بعدها قائلاً لي : ” إن الأمر قد انتهى .. أخبريها أن لا أمل يرجى لها في العودة .. وأنبئيها أنها لن ترى ابنها مادمت على قيد الحياة .. ومن الخير لها .. أن تبقى في المستشفى لخدمة المرضى ” .

وأحست من قولها بطعنة أليمة .. ليست من الخذلان بل من الإذلال .. ولكنها كتمت ما في نفسها .. إذ لم يكن من العدل أن تثور على صاحبتها .. وهي التي عرضت نفسها للخذلان من أجل ما ظنته مصلحتها .

وتمالك نفسها وقالت في هدوء :

  • كان يجب عليك ألا تذهبي .. على أية حال .. المد لله أن خذلك هو .. لأنه لو رضى عودتي .. لخذلتك أنا ورفضت العودة .

وكانت تقولها في عزم وصدق ، رغم أنها كانت تعتقد أن صاحبتها لن تصدق إلا أنها مجرد ” مقاوحة ” .

وفي اليوم التالي كان تسير وإياها إلى المستشفى ، ولم يستغرق الأمر كثير جهد .. حتى عينت بالخدمة فيه .. وارتدت ثياب الممرضات .

ومضت بها الأيام وهي مجدة في عملها .. مخلصة فيه ، وكان لديها من ذكائها وثقافتها .. ما يجعلها تهيئ لنفسها مركزاً طيباً ، حتى أضحت في بضعة شهور ممرضة ممتازة .

وعاشت حياتها في المستشفى شديدة الانطواء على نفسها مكبة على عملها .. لا تكاد تجد لحظة للخروج أو التفكير .

ومنحها عملها الجديد .. خير ما يمكن لمثلها من عزاء وتهدئة وصبر .

ووطنت نفسها على أن تقضي حياتها في المستشفى .. ولم تعد تطمع في أي شيء .. حتى ذلك الحنين إلى ابنها الذي كان يخزها بين آونة وأخرى استطاعت أن تسكته تماماً ، لاسيما وأنها كانت تعرف أنه قد سافر مع أبيه .. وأن من المستحيل رؤيته .

لقد أدركت أن أكثر ما يشقي الإنسان في حياته هو رغباته .. حقيقة أنها قد تمتعه قليلاً .. ولكنها تحمل وراء تلك المتعة كل مسببات الشقاء .. شقاء السعي ، وشقاء الخيبة وشقاء الحرمان .. وحتى بعد الحصول عليها .. تحمل شقاء الملل .

فلو أمكن للإنسان أن يحد من رغباته .. من شتى الأنواع .. وأن ييعش بلا رغبات .. فقد سيطر على حياته وملك زمامها .

كذلك عزمت هي على أن تكون .

كانت تحيا بلا رغبة .. في أي شيء .

لقد كانت لها رغبة وحيدة .. ذرتها ريح الزمن .. ومزقها القدر .. فيجب أن تعيش بلا رغبة ولا أمل ، إنها الرابحة .. فلقد تناولت مرة واحدة كل ما يخصها من متعة وألم ، وعليها الآن أن تقطع طريق الحياة بلا أمل ولا رغبة ولا متعة ولا ألم ، ولا سعادة ولا شقاء .

وقد بدا لها أنها على هذا النمط قد استقرت حياتها ، وإلى هذه النهاية قد انتهى أمرها .

حتى أقبلت عليها إحدى الخادمات ذات يوم .. تنبئها أن هناك من يطلبها في المكتب .

ولم تشك في أن صديقتها قد أتت لزيارتها ، فقد كانت لا تفتأ تزورها بين آونة وأخرى ، حاملة لها بعض الهدايا .

وسألت الخادمة من باب تحصيل الحاصل :

  • من الذي يريدني ؟
  • رجل .
  • رجل ؟!

قالتها في دهشة شديدة .. وعادت تسائل نفسها .. رجل ؟!! أي رجل هذا الذي يسأل عني ؟ ولِمَ ؟

ولم يطل بها التساؤل .. حتى وصلت إلى المكتب ، ودفعت الباب فإذا بها تجد نفسها أمام الأب الشيخ .

ونهض الرجل ومد يده إليها مرحباً ، وبادلته الترحيب مخلصة .. فقد كانت تكن له حباً عميقاً . إنه الشيء الوحيد الباقي من روحها الذاهبة .

إنها تبصر في وجهه المتغضن ، وشعره الأشيب .. وقامته المهيبة .. صورة حبيبها .. إن عليه سيماء الكبرياء التي كانت تلازم ابنه ، الكبرياء الظاهرة التي ملؤها الدماثة واللطف والرقة والمرح .

وجلس الاثنان ، وبدأ الحديث متعذراً في أول الأمر ، وقطعت هي الصمت الذي ران بسؤالها .. ذلك السؤال التقليدي :

  • كيف الال ؟

وأجابها هو الإجابة التقليدية :

  • الحمد لله .. وأنت ؟
  • الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه .. الدنيا تسير .

ومرة أخرى ساد الصمت ، وأخذت الأفكار تتزاحم في مخيلتها .. ماذا حدث ؟ وماذا يريد ؟ وفيم مجيئه لها ؟

أيريد أن يعطيها شيئاً ؟.. أوراقاً أخرى كتبها حبيبها الراحل ؟ أم ترى يريد أن يأخذ الأوراق التي أعطاها إياها .. زادها في الحياة ، وتعلتها في الوحشة والفراغ ؟

أم تراه يريد أن يمنحها أجراً .. ولكن متى ؟ بعد هذه الأشهر ؟ ولكنها لن تقبل منه شيئاً .. إنها ليست ممرضة مأجورة ، وماذا تكون إذاً ؟! وماذا تسمي هذه النقود التي تتناولها آخر كل شهر .. أليست أجراً ؟ أليست هي ممرضة مأجورة ؟ ولكنها لم تكن كذلك .

وقطع الرجل عليها سيل أفكارها بقوله :

  • لقد أتيت إلى هنا لأني أريد ممرضة ، ولم يخطر ببالي أنك مازلت هنا .. حتى أنبأتني الخادمة التي قابلتها بوجودك فأحسست بغبطة لأني أستطيع رؤيتك .
  • أنا أيضاً أحسست بنفس الغبطة .
  • وإني لأرجو أن تساعديني في الحصول على ممرضة .
  • لأجل من ؟ أبعد الله الشر ؟
  • لأجل زوجة ابني .
  • أما زالت مريضة ؟
  • إنها توشك أن تضع .

وكان قوله آخر ما كانت تتوقع .

تضع ؟! لماذا ؟.. تضع ؟ وكيف ؟ إنها تذكر أنه قال لها إنه ما من سبيل له إلى الأبناء .. وأن امرأته لن تضع .. لأنها أجهضت في أول حمل لها ، وقد قرر الأطباء أنها لو حملت بعد ذلك ستعرّض حياتها للخطر .

كان ذلك من أسباب تنغيص حياته .. فلشد ما كان يتوق إلى الأبناء ، ولقد أمضى حياته بلا أبناء .. فلم يكد يذهب حتى قرر القدر أن يرزقه بهم .

ولم تملك إلا أن ترفع حاجيبها في دهش وتقول لنفسها ” برافو أيها القدر ” .

ثم أخذت تردد للرجل قوله في ذهول :

  • إنها توشك أن تضع ؟
  • أجل .. لم يبق سوى بضعة أيام ، وحالتها تزداد سوءاً يوماً بعد يوم .
  • ولكني أعلم أن الأطباء أمروا ألا تحمل .. خشية على حياتها ؟
  • لقد أمضت عشر سنوات بلا حمل ، وقبل الحادثة ببضعة أيام .. تركت نفسها تحمل .

وران الصمت برهة وعاد الرجل يتساءل :

  • أأستطيع أن أجد ممرضة جيدة ؟ إنني وحدي معها في البيت .. وليس معنا سوى خادمة وطاهٍ ، ولابد أن يعتني بها إنسان يعتمد عليه .. ولا شك أنك تعرفين الممرضات هنا جيداً ، وتستطيعين أن تدليني على واحدة .

وفجأة .. أجبات .

  • سأذهب أنا معك .

قالتها بلا سابق  إنذار .. لا له .. ولا لها .. لقد فاجأته بقولها .. كما فاجأت به نفسها .

وحملق فيها الرجل وتساءل في عجب :

  • أنت !.. تذهبين معي ؟ أنت تقومين بتمريضها ؟

وفي إصرار وحزم أجابت :

  • أجل .. سأذهب .. إذا لم يكن لديك مانع .
  • مانع !! أبداً .. أبداً .. أيمكن أن أصطحبك معي الآن ؟
  • انتظرني برهة حتى أعد نفسي .

وتركت الرجل وسارت في عجلة لتستبدل ملابسها .

وانطلق ذهنها يصيح بها :

  • قفي .. أيتها الحمقاء .. ماذا تفعلين ؟ وإلى أين أنت ذاهبة ؟ علام تذهبين من دون سائر الممرضات ؟ ولم تزجين بنفسك مرة أخرى في معمعة قد تخلصت منها نهائياً ؟ مالك ولزوجته وأبيه وبيته ؟ اقبعي في مقرك .. وكفى اندفاعاً !! اهدئي في حياتك الرتيبة الراضية .. أعيني نفسك على البرء والنسيان !؟

أية مخلوقة أنت ؟ إن الرجل لم يسألك الذهاب ، ولكنه سألك أن ترشديه إلى ممرضة .. فلمَ زججت بنفسك في الموضوع .. إن هذا آخر ما كان يجب أن تفعليه ؟

تمرضين زوجته ؟.. وتتلقين ابنه ؟.. وتنامين في بيته ؟ وربما على فراشه ؟

استريحي يا بنية ! استريحي ! وكفاك ما لقيت من انفعال وعناء .. أرسلي أية ممرضة أخرى .. أية مخلوقة على ظهر الأرض سواك .. ستكون أصلح منك .. فلن تحس بأي إحساس لما حولها .. ولكن أنت ؟.. تتجوّلين في بيته وتعيشين مع زوجته .. هذا جنون !

كوني عاقلة .. ارجعي إلى الرجل .. وقولي له .. إنك وجدت ممرضة جيدة ستذهب معه .. أجل ! أجل ! اذهبي إلى إحدى الممرضات وكلفيها بالذهاب معه .

وهكذا ظل الذهن يهتف بها ملحقاً مقنعاً ، وظلت هي في الوقت نفسه تواصل ارتداء ملابسها ، وإعداد نفسها ، وكأن صيحات الذهن ليست لها .

إنها مخلوقة عنيدة .. لا ترجع عن غيها .. ولو لم تكن كذلك .. لما صارت إلى ما هي فيه الآن .

وبعد لحظات كانت تهبط الدرج معه .. ثم استقرت في العربة بجواره .

إنها نفس العربة ، ونفس الجلسة التي كانت تجلسها فيما مضى .. لا فارق بين أمس واليوم .. إلا أنها استبدلت بالابن الأب .. أجل لا فارق بين الجالس أمس والجالس اليوم .. إلا جيل واحد .

وأخذت الدور تمر عليها بسرعة ، وهي جالسة في العربة ، مرت غمرة ثم السكاكيني وشارع الملك والعباسية ، ودلفت العربة في طريق الخليفة المأمون .. ‘ابرة  مزلقان العباسية . ثم سارت بجوار ثكنات الجيش حتى منشية البكري .. ثم اتجهت يساراً في أحد الشوارع الجانبية ، وبعد دورة أو دورتين وقفت العربة أمام فيلا بادية  الفخامة .

ونزل من العربة وتبعته إلى الداخل عابرة الحديقة الأنيقة الوارفة الظلال ، ودق الجرس ، ثم وقفا برهة أمام الباب الداخلي .. حتى فتح الباب خادم صغير ، وتنحى عن الباب مفسحاً الطريق للداخلين .

وأحست بأنفاسها تتلاحق وبقلبها يخفق بشدة ، وقبل أن تخطو إلى الأمام مجتازة الباب .. تمنت لو استطاعت أن تنكص على أعقابها وتفر هاربة من حيث أتت .

لقد أصابها إحساس المقدم على خطر لا يعرف كنهه أو مبلغه ، فهو يظل مندفعاً إليه غير هياب .. حتى إذا ما لاح الخطر وصادفه وجهاً لوجه .. خارت عزيمته .. وخذلته قواه .

هذا هو ما أصابها ، وهي تخطو الخطوة الأولى إلى الباب .

لقد أحست بمبلغ حمقها وجنونها ، وخيل إليها أن الكل سيمسكون بتلابيبها ثم يقذفونها خارج الدار .

أجل !.. إنهم سيعرفونها .. سيقولون .. هذه هي حبيبته .. هذه هي التي كانت تريد أن تنتزعه من زوجته ومن بيته .

لقد تملكها إحساس عجيب بالخطيئة ، وكأنها توشك أن تزج بنفسها إلى القصاص .

ومع ذلك لم تملك إلا أن تسير وراء الرجل فتجتاز الممر القصير إلى الردهة .. ثم تقف مترددة برهة وهي تراه قد صعد درجاً خشبياً مفضياً إلى الدر العلوي .

ولاحظ ترددها فناداها في أدب :

  • تفضلي اصعدي .. إنها راقدة في الدور العلوي .

ما كان عليها من هذا كله ؟! أما كان خير لها أن تقبع آمنة في المستشفى بين مرضاها المجهولين ؟

وصعدت السلم .. وصلت إلى القاعة العلوية ، فوجدت خادمة عجوماً في انتظارهما ، وقال الرجل للخادم الصغير وقد وجدها ما زالت تحمل حقيبة التمريض :

  • خذ الحقيبة من الهانم .

الهانم ؟! لا .. لا .. يجب أن يكون الرجل أكثر حرصاً .. إنها ليست بهانم .. إنها مجرد ممرضة .

ومد الخادم يده فتناول الحقيبة ووضعها على منضدة وسط القاعة ، وسأل الرجل الخادمة العجوز :

  • كيف حال سيدتك ؟
  • كما هي .. لقد نامت نصف ساعة .. ثم استيقظت ثانية ..
  • أهي الآن يقظى ؟
  • أجل .

ووجه الحديث إليها قائلاً :

  • تعالي .. تفضلي .. هذه هي حجرتها .

ومرة أخرى أصابها نفس الخور والانهيار الذي أصابها عندما همت باجتياز باب البيت ، ولكن هذه المرة كان أشد .. حتى لقد همت بأن تقول صارخة :

” لا .. لا .. أعيدوني . ارحموني . لا أريد أن أراها ، إننا غريمتان .. طالما كرهتها ، وحقدت عليها ، وتمنيت لها الموت .. طالما تخيلتها جالسة فوق ساقيه ، أو راقدة بين أحضانه ، كان ذكرها يقتلني قتلاً .. كلا .. كلا . لن أدخل إليها ، ولن أمرضها . ابحثوا لها عن ممرضة  أخرى واتركوني أعد .. أطلقوا سراحي .. لقد تبت إلى الله .. ما عدت أفكر في مثل هذا الحمق مرة أخرى ” .

كان الهاتف يصيح بها في داخلها ، وكانت قدماها تعبران الغرفة  كأنها منساقة بدافع داخلي ، لا قبل لها على وقفه أو مقاومته .

وأخيراً وقفت في الغرفة .. غرفة غريمتها .. أو غرفة حبيبها .

وكان أول ما صدمها ، صورة  مكبرة له بالألوان ، نفس الصورة التي أعطاها لها مصغرة والتي مازالت محتفظة بها مع خطاباته وأوراقه ، وهداياه .. ذخيرة العمر ، وزاد الحياة . أجل إنها نفس الصورة التي لا يغمض لها جفن كل ليلة إلا عليها ، ولا يستقر لها بدن حتى تضمها بيدها وتضعها على شفتيها .

ويبدو أنها حملقت في الصورة أكثر مما يجب ، حتى إنها لم تبصر المريضة ، وحتى اضطر الأب أن يلفت نظرها بقيامه بواجب التعريف بين المرأتين مرفقاً اسميهما بكلمة هانم .

أما زال يصر على أنها هانم ؟.. يجب أن تلفت نظره إلى ذلك ، كما يجب أيضاً أن تحذره من أن يفصح ـ دون أن يقصد ـ عن حقيقتها وعن أصلها .

ورحبت المريضة بها بصوت رقيق عطوف خافت قائلة وهي تبتسم ابتسامة باهتة :

  • أهلاً وسهلاً .

إذاً فهذه هي غريمتها ، والتي طالما أقضت مضجعها .

ولكنها ليست كما كانت تتصور ، ليست كما تعوّدت أن ترسمها في ذهنها .. إنها توحي بالمحبة والسلام والسكينة والهدوء .

إن الإنسان ـ كائناً من كان ـ لا يملك إلا أن يحبها ، فقد كانت تفيض من وجهها الطيبة والرقة .

ما أعجب هذا الزمن !

أكان يخطر ببالها يوماً ما وهي تتقلب على الفراش مسهدة متخيلة حبيبها بين أحضان زوجته ، أنها ستقف أمامها يوماً وجهاً لوجه ، وتشعر لها بالعطف والحنان ؟

أكان يخطر لها ببال وهي التي كانت ـ عندما يتملكها شيطان الغيرة ـ تتمنى لها الموت ؟ أكان يخطر لها ببال أنها ستتمنى لها البقاء .. وستبذل كل ما في وسعها لإنقاذ حياتها ؟

كانت تحس في قرارة نفسها أنها ستقدم على عملها ذاك وهي أشد ما تكون رضا غبطة .

ومدة يدها فأمسكت بيد المريضة وضغطت عليها برفق وهتفت في إخلاص وحرارة :

  • إن شاء الله تقومين بالسلامة .

وتم التعارف بينها وبين غريمتها .. تعارف رقيق ودود ما كانت تتخيله قط .

وران الصمت برهة .. ووقفت تنظر إليها .

وقالت المريضة للأب :

  • دعها .. ترى حجرتها .. وتغير ملابسها .. وتستريح .

عجباً لهذه المرأة !!.. إنها أبداً .. تبحث عن راحة غيرها !

وعلا صوتها الضعيف ، تنادي الخادمة قائلة :

  • أعدي الفراش في الحجرة التي بجوار السلم ، وضعي المنضدة .

ولكنها قاطعتها برفق قائلة :

  • لا داعي أن ترهقي نفسك بشيء .. سأذهب أنا وأتولى كل شيء .. استريحي الآن .. وسأعود إليك بعد برهة .

ساكنة الدّمن

15

وهكذا استقبلت في بيته .. استقبالاً طيباً بدد كل مخاوفها ، وملأها شجاعة ورغبة وإخلاصاً .

وذهبت إلى الحجرة التي قادتها إليها الخادمة .. كانت حجرة صغيرة نظيفة أنيقة مرتبة .. ذات فراش ودولاب ومنضدة وبدت كأنها معدة دائماً لاستقبال أي ضيف .

كانت الحجرة غربية بحرية تطل على الحديقة ، وكانت تواجهها حجرة بدا من بابها المفتوح نصف فتحة أنها حجرة مكتب .. حجرته هو التي كان يجلس للكتابة فيها .

وجلست على الفراش وانطلقت منها تنهيدة طويلة .

لشد ما كانت تحس بالراحة والطمأنينة ، والعزاء .. إنها هنا في بيته ، وكل شيء يقع عليه بصرها قد وقع عليه بصره من قبل ، وكل شيء تمسه يدها قد مسته يده .

تطلعت ببصرها من باب الشرفة المطلة على الحديقة ، فوجدت الشمس تنساب وراء الأفق .. لم تكن تبدو كالشمس ، ولم تكن أشعتها تذهب بالبصر .. بل كانت قرصاً أحمر قانياً ، كأنه قرص جمر ، وكان يفيض من حمرته الصافية على كل ما حوله ، على قمم البيوت ، وعلى رؤوس الشجر وأطراف الأعمدة المتناثرة على بعد .

وعادت تذكر خلوتهما معاً ، يرقبان القرص الهاوي ، وتذكرت قوله :

” اذكري هذا المنظر واذكريني .. اذكريه جيداً ، فسأستوعبه في رأسي حتى أذكرك كلما رأيته ” .

إنها تذكره جيداً ، تذكره كلما رأت شمساً غاربة ، أو نجماً هاوياً .. فما أشبهه به شكلاً وموضوعاً .

وأخرجها من شروها طرق خفيف على الباب ودخل الخادم يسألها :

  • ماذا ترغبين في العشاء ؟
  • أي شيء .. أنا لم أتعود إلا عشاء خفيفاً ، ومازال الوقت مبكراً .
  • إني أسأل حتى نستطيع إعداده .. إذا كنت تريدين شيئاً معيناً ؟
  • شكراً .
  • أتريدين الآن الشاي ؟
  • لا أريد شيئاً .. لا تزعجوا أنفسكم من أجلي .
  • إن السيدة أمرتنا بأن نعد لك كل ما تطلبين .
  • شكراً للسيدة .. ولكم جميعاً .. شكراً لله أن منحني بضعة أيام في داره وفي مقره .

وبدأت حياتها في دار الحبيب الراحل ، وتمريضها لزوجته الراقدة .. وهي قريرة النفس ملء قلبها العزاء والسكينة .

وأحبت هي المريضة ، وأحبتها المريضة .

تحابت الغريمتان حباً خالصاً في بضعة أيام .

لم يكن عجيباً أن تحبها الزوجة وتأنس إليها ، وقد وجدت منها تفانياً في خدمتها وسهراً على راحتها ورقة في جلستها ، وجمالاً في خلقها وتكوينها ، ولطفاً في عشرتها ، ولم يكن عجيباً أيضاً أن تحب هي الزوجة .. الطيبة الودود ، المسالمة الأمينة التي تأبى إلا أن تعاملها كأخت .. لا كممرضة مأجورة .

كانت قريرة النفس .. لإحساسها أنها تخدمه هو .. بطريقة غير مباشرة .. إنها  تخدم شيئاً متعلقاً به .. إنها تخدم ابنه الذي يوشك أن يرى النور والذي طالما تاق هو إلى رؤيته .

وكانت تمر بها أوقات يستبد بها الحنين ويهفو بها الشوق .. كانت أوقاتاً عسيرة أشبه بالأزمات .

عندما تجلس في حجرة المريضة في الليل ، والسكون سائد ، والصمت مخيم إلا من أنفاس المريضة النائمة تتلاحق في هدوء ، ويطوف بصرها في أنحاء الحجرة باحثاً منقباً حتى يستقر على الفراش الخالي بجوار المريضة .

هنا كان يرقد .. كم تخيلت فراشه في أرقها ، وكم تخيلت الحجرة بأكملها .. كانت تسأله كيف ينام ، وكان ينبئها ضاحكاً :

  • كبقية خلق الله .
  • أتنام على ظهرك أم على جنبك ؟
  • أبدأ بالنوم على جانبي الأيمن واضعاً ذراعي اليمنى تحت الوسادة وذراعي اليسرى مثنية من المرفق فوق رأسي هكذا أبدأ ، ولست أدري على أية صورة مضحكة ينتهي بي الوضع إذا ما استغرقت في النوم ، على أية حال أنا لا أستريح إلا على جانبي الأيمن .

كانت دائماً تتخيله في نومته ، وكانت لا تنام إلا على جانبها الأيسر كأنها تواجهه ، وقد وضعت إحدى الوسائد بين أحضانها كأنها تشاركه الفراش .. كانت سعيدة بالتخيل وكانت لا تفتأ تحدث الوسادة وتناجيها ، وعندما قبل يدها أول مرة .. كانت تنظر إلى يدها وتقبلها في حسد ثم تمس موضع قبلته بشفتيها وتهمس لديها قائلة :

  • أنت يد محظوظة لأنه قبلك .. سأظل دائماً أعتز بك .

كانت تطوف برأسها كل هذه الذكريات ، وهي تجلس صامتة في بهمة الليل ترقب الفراش الخالي ، ويعودها الشوق فترفع يدها وتمسها بشفتيها كما مستها في زمن خلا .

وينتقل بصرها من الفراش إلى الشرفة . هذه هي الشرفة التي كانت تنتظره فيها زوجته حتى يعود .

كانت وقتذاك تحسدها على انتظاها له وقلقها من أجله وكانت تقف هي في شرفتها متوهمة أنها تنتظره .. متوقعة قدومه في كل وقع خطوات تسمعها في الطريق .

كانت مجنونة .

كانت ؟! بل إنها مازالت .. وستبقى مجنونة به ، حتى الرمق الأخير .

وينتقل بصرها من الشرفة إلى المشجب إلى الدولاب إلى التسريحة .. فتتخيله في كل وضع له في الحجرة .. ينشف رأسه بالمنشفة ، أو يعلق بدلته في الدولاب ، أو يمشط شعره أمام المرآة .

وأخيراً يستقر بصرها على صورته .. وتهتف باسمه كما تعوّدت أن تهتف ، ولكن في صوت خافت خشية أن توقظ النائمة .. أو خشية أن يضبطها أحد متلبسة بجريمة الهتاف باسمه .

ألا تعتبر جريمة ؟!

ماذا إذاً يمكن أن يعتبر ما يجول برأسها .. وما يستعر في قلبها ؟

يا رب حمدك أن طويت الصدور على خباياها وأطبقت الرؤوس على أفكارها وخفاياها .

يا رب حمدك أن تركت للبشر حرية الشعور والتفكير ..  تلك هي الحرية التي لا يستطيع أن يسلبها إياها مخلوق .

عندما كان يرهقها الجهد ويضنيها السهر .. كانت تأوي إلى فراشها فترقد عليه مستسلمة مسترخية .

كانت تحب حجرتها ، إذ كانت تحس فيها بهدوء وطمأنينة وكان يمتعها أن تجلس في المقعد الكبير المواجهة للحجرة المقابلة حجرة مكتبه .

كانت تبصر من مكانها طرف المكتب ، وقد وضع مائلاً في إحدى زوايا الحجرة ، وكانت تبصر زف الكتب في مواجهتها ، وزهرية على منضدة صغيرة بها زهور ذاوية .

لم تكن تجرؤ على دخولها .. بل لم تكن تجرؤ على التحرك في البيت إلا فيما بين حجرتها وحجرة المريضة .. حتى سألها الأب أن تناوله قرصين من الأسبرين ، وأمسكت بالزجاجة الموضوعة فوق المنضدة التي في القاعة لتخرج له قرصاً فوجدتها فارغة .

وببساطة قال لها :

  • أظن أنه كانت توجد زجاجة أخرى .. في درج المكتب الأوسط .. لقد تعوّد أن يحتفظ بها .. إذ كان كثيراً ما يصاب بالصداع .

وترددت برهة .. لقد كان قوله بمثابة أمر بأن تذهب لإحضار الزجاجة ، وكانت تتهيب دخول الحجرة ، ولكنها كانت أيضاً لا تجرؤ أن تقول ذلك .. فلم تملك إلا أن تتجه إلى الحجرة متحركة في تثاقل ، ودفعت الباب الذي كان مغلقاً نصف إغلاقة واتجهت إلى المكتب وفتحت الدرج الأوسط فلمحت بعض صور له ، وأوراقاً بخطه متناثرة في الدرج ، وتمنت لو تستطيع البقاء في الحجرة برهة ، ولكنها لم تجرؤ .. فتناولت الزجاجة وعادت بها إلى الرجل .

وكانت الحجرة قد علتها الأتربة ، وبدت كأن لم تمتد إليها يد التنظيف منذ أن رحل صاحبها .

وسألت الخادمة ذات مرة :

  • لِمَ لا تنظفون حجرة المكتب ، وترفعون الزهور الذابلة من الزهرية ؟
  • لقد أمرتنا سيدتي ألا نقربها .. إنها كانت دائماً تنظفها بيدها .. لأنها كانت تخشى أن نعبث بأوراقه أو كتبه أو لا نضع شيئاً في موضعه فتسبب له ضيقاً وإزعاجاً . أما الزهور .. فقد قالت إنه هو الذي نسقها آخر مرة ولا تريد أن تزيلها من موضعها .

وتعوّدت بعد ذلك أن تتسلل بين وقت وآخر فتجلس في حجرته ساكنة صامتة .. مجرد جلوس .. دون أن تحاول أو تفتح درجاً .. أو تعبث بورقة .. كانت تتوق لأن تقرأ كل كلمة مكتوبة في هذه الحجرة .. ولكنها لم تجرؤ مع ذلك على أن تمس ورقة واحدة .

ويوماً بعد يوم أخذ تهيبها من الدار يزول .. وبدأت ترتاد الحديقة بين آونة وأخرى ، وتنتقل في الدار كأنها دارها واطمأنت إلى كل شيء .. عدا شيئاً واحداً .. هي الخادم العجوز .. التي كانت دائمة التقطيب والعبوس .. تنظر إليها في ريبة وشك .. كأنها توجس منها خيفة .

ولكن حتى هذه .. ما لبثت حتى أقبلت عليها في ثقة واطمئنان .. بعد أن ثبت لها فرط إخلاصها لسيدتها .

وأخذ موعد الولادة يقترب .. وكلما اقترب الموعد ازدادت الأعصاب توتراً .. والنفوس قلقاً .. والقلوب رجفة ورعباً .

كانت حالة المريضة لا تنبئ بخير .. وعندما زارها الطبيب آخر مرة .. غادر غرفتها وهو يحاول جهده أن يخفي قلقه ، وعندما شرع يهبط الدرج سمعته يتمتم :

  • ربنا يسلم .

ثم التفت إليها وهز رأسه في ضيق وقال لها :

  • كنت أعرف هذا من قبل .. لقد توقعت كل ما حدث .. وحذرتها من الحمل .. وأوضحت لها مدى خطورته على حياتها .. وقلت لها إن حياتها في ناحية .. والحمل في ناحية أ خرى .

وأحست بالمرارة تملأ نفسها ، ولم تملك إلا أن تجيبه :

  • ربنا يسلم .. ليس أمامنا من ملجأ غيره .

وعادت إليها بنفس مهمومة .. بعد أن ودعت الطبيب على الباب .

وجلست بجوارها على الفراش .. ونظرت إلى وجهها الشاحب وعينيها الغائرتين ، وقالت مطمئنة :

  • الحالة جيدة بإذن الله ، وستكون الولادة طبيعية .

وضحكت المريضة ضحكة صفراء ، وتمتمت قائلة :

  • الحالة جيدة .. حالة من ؟.. حالتي أنا ؟ لا .. لا .. قولي شيئاً غير هذا .. إني أدرى بنفسي منك .
  • إنك بخير .
  • بخير أو بشر .. إني لا أرجو لنفسي شيئاً .. وأنا أحفظ جيداً ما سبق أن قاله الأطباء .. لقد حذروني من الحمل ، وقالوا إني سأقضي على حياتي لو حملت ، ومع ذلك فقد أقدمت على الحمل راضية ، وأنا أعرف كل عواقبه .
  • أحقاً فعلت ذلك ؟
  • أجل ! لقد أقدمت على الحمل برغمه .. بل دون أن يدري .. ولقد مات وهو لا يعرف أني حامل .. لقد حملت من أجله .. ومع ذلك فقد تركني وذهب .. ومن يدري ربما أذهب أنا .. وأترك الطفل ! عجيبة هذه الدنيا ! نحن نقدر .. وهي تقدر .. ويمحو تقديرها كل ما قدرنا .. ويجعل أمانينا في واد .. والواقع في واد آخر .. كنت أعلم دائماً أنه يحب الأطفال . وأنه يتمنى لو رزق ابناً أو ابنة ، ولم يكن يحز في نفسي قدر أن أراني عاجزة عن أهبه مطلبه .. المطلب الطبيعي الذي تهبه كل زوجة لزوجها .. إنه لم يحاول قط أن يظهر ضيقاً أو تبرماً .. بل كان معي رقيقاً إلى أبعد حدود الرقة .. ما سألته شيئاً إلا وأجابه .. بل إنه لم يدع لي الفرصة أن أسأله شيئاً .. فقد وفر لي كل شيء .. كان حنوناً ودوداً .. مرحاً لطيفاً .. ما ذكرت أنه غضب عليّ .. أو لامني أو عنفني .. إني لم أكن معصومة من الهنات البسيطة .. ولكنه كان دائماً كريماً متسامحاً .. ومع هذا ـ ورغم أنه لم يحاول الإفصاح ـ لم يغب عني لحظة واحدة .. حنينه إلى الأطفال ولهفته عليهم .. ولكن كان يعلم ألا سبيل إليهم إلا على حساب حياتي .. كان واثقاً ـ بناء على تحذير الأطباء ـ أني سأكون الثمن الذي يدفعه لأول ابن .. ولذلك لم يحاول قط أن يدعني أحمل .. بل كان أشد مني تحرّزاً .. ومرت السنة تلو السنة وأنا أرانا وحيدين .. وأراني مقصرة في حقه .. هو يعطيني كل شيء ، وأنا لا أعطيه الشيء الوحيد الذي يجب أن أعطيه له .. وأخيراً بدا لي أن أقدم على المغامرة .. لقد بت أخشى عليه من الملل والسآمة .. بل بت أخشى على الرابطة بيننا أن تنفصم عراها .. وما قيمة حياتي بعد ذلك بدونه ؟ وساءلت نفسي : أحقاً يصدق الأطباء في أقوالهم ؟! أهم يعرفون كل شيء ؟ أم أن هناك رباً علمه فوق علمهم ، وتقديره فوق تقديرهم ؟ أيكثر على الله أن يهبني من لدنه رحمة ، وييهيئ لي من يأسي أملاً ؟! ألا يجب أن نسلم أمرنا لله ، وهو يدبره !!

وبهذا الرجاء ، وبهذا الإيمان والأمل في الله ، وبرغبتي القوية في أن أنجب له ابناً ، وبقلقي على الرابطة التي تضمنا أقدمت على الحمل .. لقد كانت مقامرة .. اندفعت فيها قائلة : إما حياة هنيئة ، أو لا حياة .. إني لا أستحق العيش إذا لم أنجب له ولداً .. أما إذا ذهبت .. وأنجبت له الابن ، فإن حياتي لن تذهب سدى بل سيكون لها ثمن .

هذه هي الاحتمالات التي افترضتها .. كانت كلها تملؤني شجاعة وإقداماً ، ورغبة في التضحية .

شيء واحد هو الذي لم يخطر لي ببال .

احتمال وحيد .. هو الذي أسقطته من حسابي فلم أدخله مع غيره من الاحتمالات .

أن يذهب هو .. ويتركنا .

كان هذا هو الشيء الذي لم أقدره .. وما كنت لأقدره أبداً .. فقد كنت من فرط حبي له .. أراه شيئاً خالداً باقياً ، لا يجسر الموت أن يمد له يداً .

كنت أود أن أفاجئه بالأمر .. ولكنه فاجأني قبل أن أفاجئه .. فاجأني وذهب ..

لقد صرعتني الصدمة .. ولكني مخطئة .. يجب عليّ أن أتحمل .. يجب أن أثق في الله .. وأن أومن بحكمته .. يجب أن أذكر قوله ” الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إن الله وإنا إليه راجعون ” .

الحمد لله على كل حال .. إنه هو الذي يملك المصاب . وهو الذي يملك العزاء .. أما نحن البشر .. فما حيلتنا سوى الخضوع لمشيئته .. وحمده على كل ما وهبنا .

عجيبة هذه المرأة ! ما كل هذا الإيمان والسكينة والطمأنينة ؟ وهي التي لو كفرت بالله وملائكته ورسله .. ما لامها لائم ؟!

فيم كان الحمل .. وفيم كانت التضحية .. إذا كان المضحي من أجله قد تركها وولى ؟!

فيم كل هذا العناء ؟ وهي ترقد الآن بحملها في جوفها ، وبحياتها في مهب الريح .. وصاحب المطلب قد خذلها وفر :

ومع ذلك فهي تحمد الله .. علامَ ؟!! ماذا يمكن أن يفعل بها شر من هذا ؟

ولم تملك إلا أن تخفي مشاعرها الثائرة في صدرها .. إذ كانت ترى واجبها هو أن تزيد سكينة المريضة .. لا أن تزيد لوعتها .

وأمسكت بيد المريضة المستسلمة الطيبة وربتت عليها برفق وقالت :

  • ربنا يعوّضك بولدك خيراً .. إن شاء الله تقومين سالمة ، وتتمتعين به ، إن الله لابد أن يكافئك على تضحيتك .

كانت تقولها قول المتمني المخلص .. فقد أحست بحب شديد للمريضة .. كانت تجد أن مصابهما واحد .. وأنهما شريكتان في ضربة القدر القاسية .. لقد كرهتها عندما كانت تشاركها المتعة .. وأحبتها وهي تشاركها الألم .. غارت منها وهي تزاحمها على الحي .. ورثت لها وهي تقاسمها الميت .

وفي الليلة التالية بدأت الولادة ، وكان الطبيب قد أعد نفسه لكل الاحتمالات .. وجهز أدوات العملية .. كان يعرف أن المسألة لن تمر بسلام ، وكان بودّه لو وضعتها من أول الأمر في المستشفى .. ولكنه كان يعرف أن في نقلها خطورة عليها .

بدأت الولادة .. ومن بدايتها أحست أنها بدأت تخوض المعركة الثانية ضد الموت .

ما لها هي ولكل هذا .. لو لم تأت إلى هذه الدار ، لوقت نفسها كل هذا الأسى والألم .. إنها باتت تخشى على غريمتها السابقة أكثر مما تخشى على نفسها .. ولو بقيت حيث كانت ولم تغامر بخدمتها لكانت تجلس الآن مستريحة هانئة .. بل إن نبأ وفاتها لو حدث .. لما أحدث في نفسها أي تأثير ، بل من يدري ؟ ربما كان قد سرّها وأطربها !

أما الآن فهي تخوض معمعة الموت وكأنها طرف فيها .

كانت تشعر أنها هي التي تقاوم الموت لا المريضة المستسلمة .

وبدأ الطلق ، وعلت بضع صرخات ضعيفة .. ما لبثت حتى خفتت ، وراحت المريضة في إغماء ، واشتد شحوب وجهها .. لقد كانت في حالة شديدة من الضعف .

وتشاور الطبيب برهة مع مساعده ، ولم يكن هناك بد من إجراء عملية ، وبدأ بإجراء العملية ، وكانت تحس بإرهاق شديد ، وكانت تتحرك هنا وهناك لتناول الطبيب أدواته .. وهي تحس أنها مغرقة في ظلمة كثيفة .

وأخيراً أخرج الجنين .

حمداً لله .. هذه أولى بشائر الخير .. إن الجنين حي .

إنه بنت .. كان خيراً لو كان ولداً ، ولكن لا بأس بنت أو ابن .. كله خير .. المهم أن تنهض الأم سليمة .

وأخذ الطبيب يتمم العملية ، وقامت هي والممرضة الأخرى بتجفيف الطفلة ولفها .

وأخيراً انتهى الطبيب من عمله .. حمداً لله .. إن كل شيء على ما يرام .. إن المريضة شديدة الشحوب ، ولكن صدرها .. يعلو ويهبط بانتظام .

وخرج الطبيب ، ووقف الأب يتساءل في لهفة :

  • كيف الحال يا دكتور ؟
  • الحمد لله .. بخير إن شاء الله .. ربنا يتم فضله ويسترها .
  • سليمة بإذن الله .. سليمة .

وجلس الطبيب يستريح برهة في القاعة .. وبيت في غرفة المريضة .. كان كل شيء يبشر بخير ، وكانت الساعة قد بلغت السادسة صباحاً ، وبدأ الطبيب يستعد للانصراف قائلاً :

  • سأعود بعد بضع ساعات ، وإذا حدث أي شيء فاتصلوا بي في العيادة أو البيت . ولكن إن شاء الله لن يحدث شيء .

وقبل أن يرحل ، دخل الحجرة ليلقي نظرة أخيرة على المريضة .. نظر في وجهها ، ثم أمسك بيدها يجس نبضها ، وبدا على وجهه القلق وهمس قائلاً :

  • النبض ضعيف جداً .

وألقى على المريضة نظرة فاحصة ثم عاد يهمس في قلق :

  • الظاهر أنه قد حدث نزيف .. أحضري اسطوانة الأكسجين .

وبدأ التنفيس الصناعي .

كانت المريضة تفلت من أيديهم رويداً .. رويداً . كان الموت يذهب بها بعيداً بعيداً .

ولم يطل بهم الأمر ، حتى أعلنوا الاستسلام .

مرة أخرى .. انتصر الموت .

أبعد هذا سخرية ؟!

أبعد هذا يطلب من العبد حمد الله والإيمان به ؟

بل .. أبعد هذا يوجد شيء اسمه الله ؟ أيوجد رب مدبر منظم حكيم ؟

لا .. لا .. كل هذا عبث في عبث ، إن ما حدث لا يمكن أن يكون من تدبير مدبر ، ولو كان من تدبير مدبر فلا مراء في أن هذا المدبر ، يبغي السخرية والهزل ، هذا لا يمكن أن يكون تدبير جاد حكيم .

هذا هو الطفل .. المطلب العزيز ، والأمنية المستعصية قد باتت ملء اليد ، وما عاد مستعصياً ولا متعذراً .

فأين الطالب ؟ وأين المتمني ؟

أين صاحب الأمنية .. يحملها بين يديه ، ويحمد عليها ربه ؟

أهذه أمنية ؟

أمنية تعسة يائسة ، يتيمة الأم والأب .. لا عائل لها ، سوى جد ، رجله ـ كما يقولون ـ والقبر .

أمنية لم تكن قادمة ، بل كان المفروض ألا تأتي ، لو لا مقامرة أمها ورغبتها في التضحية ، وإرضاء زوجها .

كانت ككل أمنية مطلوبة .. لا تأتي ، فلما كف طالبها عن طلبها ، أتت !

سحقاً لها .. ما كان أغناها عن هذا كله ، لقد زجت بنفسها في معركة خاسرة ، لم يكن نصيبها منها سوى التعاسة والحزن والدموع .

والآن خير لها أن تنسحب بهدوء ، وتعود إلى مقرها في المستشفى .

إنهم لم يعودوا في حاجة إليها ، وما كان بها من حاجة إلى شهود جنازة أخرى .. إنها منهارة تماماً ، وهي لا تكاد تقف على قدميها .

ووسط بكاء الخدم والعويل والصراخ .. تسللت إلى حجرتها وارتمت في الفراش دافنة وجهها في الوسادة كأنها جثة هامدة .

ومضت عليها فترة طويلة في رقدتها ، والصراخ يطن في أذنيها .. ثم أخذت تتحامل على نفسها وتناولت حقيبتها وسارت تجر ساقيها متسللة إلى الخارج .. كالهاربة .

ولم تكد تهبط بضع درجات حتى سمعت صوتاً يهتف باسمها .

وتوقفت .. لقد كان صوت الأب .. كان الله في عونه وصبره علىما بلاه .. لشد ما قاسى الرجل ، ولكن ماذا يريد منها ؟ لعله ينوي أن ينقدها أجرها .. ليس هذا وقته .. ليس الآن .. إنها تريد أن تفر ، وأن تنأى بنفسها عن هذا المحيط المروع .

وتلفتت بإعياء .. فوجدت الرجل مقبلاً عليها ، محطماً مهدماً ، مقروح الجفن ، متثاقل الساقين .. وسألها في صوت يائس :

  • إلى أين ؟
  • عائدة إلى المستشفى .. لم يعد هناك من حاجة إليّ .
  • عائدة إلى المستشفى ؟ وتتركينا وحدنا ؟!

تتركهم وحدهم ، وما صفتها هي .. حتى لا تتركهم وحدهم ؟ إنها ممرضة مأجورة .. ليس لها من وضع بينهم سوى هذا .. إنها حقاً تشعر أن البيت بيتها ، ولكن هذا شعور في قرارة نفسها .. لا يشاركها فيه أحد ، ولا يقره أحد ، ولا يعترف به أحد .

ولم تعرف بماذا تجيب ، ولكنها نطقت بضعة كلمات لمجرد الرد قائلة :

  • أنا آسفة جداً ، وحزينة لما حدث .. البركة فيك .

وعاد الرجل يتساءل في يأس :

  • كيف تذهبين وتتركينا ؟
  • لم يعد لي ما أعمله .
  • والطفلة ؟

” الطفلة ” ؟ كأنها هي التي وضعتها !! إنها تتمنى لو كرست حياتها من أجلها .. إذ تشعر أنها طفلتها هي . أليست ابنته ؟ ألم تكن تتمنى أن تكون أم أولاده ؟!

ولكن هذا مجرد تمني .. إنها ليست أمها فعلاً ، لا صفة رسمية لها ، ولا تستطيع أن تدعي عليها حقاً .

وعاد العجوز يتوسل :

  • والطفلة من يتولى أمرها ؟ أرجوك ، امكثي معنا ، على الأقل حتى نتدبر أمرنا .. إني خائر القوى .. لقد نفد جهدي ، وتحطمت قواي .. إني لم أعد أصلح لشيء .. أريد من يتولى أمري أنا .. لم يعد هناك فائدة ترتجى مني ، وليس لي من أحد أعتمد عليه .. لا أقارب ولا أصدقاء .. بعد أن ذهبا كلاهما وخلفاني وحدي .

وهي أيضاً ، خائرة القوى ، نافذة الجهد .

ولكن أهي مثله لم تعد تصلح لشيء ؟! ألم يعد يرتجى منها فائدة ؟

ونظرت إلى الشيخ المتداعي المنهار ، وأحست بالندم يخزها .. كيف سوّلت لها نفسها العاجزة أن تفر هاربة ؟!

كيف سوّلت لها نفسها ، أن تترك أباه وابنته ؟!

وتساقط الدمع من عينيها وأحست بحنين شديد إلى الشيخ والطفلة ، إنهما أقرب الناس إليه ، وبالتالي أقرب الناس إليها ؟ كيف تخذلهما في محنتهما ؟

أما زالت تتعلق بالأوضاع الرسمية والشكليات ؟! إن ثلاثتهم كل ما بقي منه !

لقد عجزت على أن تكون زوجته .. أيستطيع أحد أن يمنعها أن تكون أرملته ، وأن ترعى أباه وابنته ؟

لا . لا . هنا موضعها ، في بيته وبين ابنته وأبيه ، إنها لم تكن زوجته شرعاً ، ولكن كانت زوجته روحاً ، وحساً ، ولو أنهم في السماء يقدرون الأمور بحقيقتها لا بشكلها ، لاعتبروها لا محالة زوجته .

على أية حال . إنها باقية في الدار .. باقية حتى يدبر الله أمرهم ، أو حتى لو لم يدبره .

لابد لها أن تحتمل ، وأن تقاوم إعياءها وانهيارها ، وأن تتمالك وتتماسك وتتجلد ، وتضحى سيدة الموقف وربة البيت .

وهكذا استمدت من ضعفها شجاعة وكفكفت دمعها ، وأجابت الشيخ الذي ينتظر متوسلاً :

  • سأبقى ، سأبقى حتى تقول لي .. اذهبي .. لم نعد في حاجة إليك .
  • لن تذهبي أبداً ، أنت ابنتي والطفلة ابنتك ، ويجب أن تتولي أمرنا .

وكما يمر كل شيء مرت إجراءات الموت من جنازة ودفن وعزاء .

وكما تهدأ كل عاصفة ، هدأت هذه العاصفة ، وساد الدار سكون عميق أشبه بسكون ما بعد العاصفة .

كانت الحوادث تمر بها تباعاً . وكانت تجد نفسها تعمل بطيقة آلية ، لا دخل للذهن فيها ، كانت تكلم هذا وتحدث ذاك .. كانت تأمر وتجيب ، بلا إدراك ولا  وعي .. أو بوعي باطني لا سيطرة لها عليه ، حتى انتهى كل شيء ، واستقرت مرة أخرى ، تفكر في أمرها ، وتستعيد لذهنها كل ما مر بها .

أين هي الآن ؟!

عجباً !! عجباً !! أبعد هذا يمكن أن يكون عجب !؟

إنها تقطن في داره ، وحدها ، لا شريكة لها فيها .. إنها ربة بيته ، أم ابنته ، وراعية أبيه .

كل ما له أضحى لها .. من ابنته إلى أبيه .. إلى كتبه إلى فراشه .. إلى .. إلى .. إلى كل شيء .

إنها تملك كل شيء له ، إلا هو .

وما قيمة كل هذا دونه ؟!

ما أشبهها بقاطنة الأطلال الخربة ، والدمن العافية !

إنها تجلس الآن في داره .. إن كل شيء يبدو كما تركه ، لم يصبه الخراب ولم تمتد إليه يد البلى ، وبالمكان أحياء يتحركون ، وأصوات تسمع ، ومع ذلك ، فهي لا تحس أثراً لتلك الحياة في نفسها .. إن المكان قد فقد روحه ، وبغير الروح ، لا يبقى سوى الأطلال ، ولو بقي هو في قفرة جرداء لملأها حياة ، ولكانت لها خيراً من كل هذه الدمن المحيطة بها .

إنها فقدت الروح ، وبقيت لها الأطلال .. أما هي .. الزوجة الراحلة .. فقد لحقت بروحه ، وتركت لها الرماد الخامد والأنقاض الخاوية .

ويحها ! إنها دائماً الرابحة ، في الحياة ، وفي الممات . أما كان خيراً .. لو أنها هي التي ماتت ؟!

ولكنها لا تملك أن تموت .. إن عليها أن تبقى لتعاود سيرتها في حمل الأعباء .. أعباء أحزانها ، وحرمانها ، ويأسها . عليها أن تبقى لتقوم بواجبها في رعاية أبيه وابنته .

ولكن أهذا شيء يستدعي منها الحزن ؟!

أليست الأطلال خيراً من القفرة الجرداء ؟ ألا يقيها الطلل من هجير الوحدة وقر الفراغ ؟ أليس شيء خيراً من لا شيء ؟! ألا تشعر بعزاء جميل ، وهي تجد نفسها قد استقرت في داره ، ولتجد نفسها تتلقى الأعباء التي كان يمكن أن يتلقاها لو بقي هو حياً ؟

أي شيء يمكن أن تطمع فيه أكثر من أن تتولى أمر ابنته ، وتجعلها ابنتها ؟!

أهناك عزاء لنفسها أجمل من هذا ؟!

وأي شيء يسعدها أكثر من أن تقدم يد المعونة إلى أبيه وأحب الناس إليه ؟! ألا يسعدها أن تخفف لوعته ، وتذهب شجنه ؟

ومرت بها الأيام .. يوماً بعد يوم ، وفي كل يوم تزداد طمأنينة واستقراراً .. حتى أضحت تحس كأنها تحيا في بيتها الذي ولدت فيه وقضت بين جدرانه عمرها .

وبدأت تحس بنوع عجيب من المتعة الهادئة .. وهي تضم الطفلة إلى صدرها وتلقمها زجاجة اللبن .. وتجلس في الشرفة بجوار الجد المتكئ في سكينة على إحدى الأرائك ، والشمس القانية الحمراء تهوي في الأفق .. وكأنها تبصر في قرصها وجهه يبتسم في رضاء وحبور .. ويكاد يهمس بها : ” هذه ابنتنا ” !

أجل ! إنها ابنتهما .. إن حقها فيها أكثر من حق أمها ، لقد حملتها أمها تسعة أشهر .. وهي ستحملها وحدها العمر كله .

ولقد رقدت بضعة الأيام الأولى على الفراش الصغير في الحجرة الصغيرة .. إذ كانت تحس برهبة شديدة من استعمال الحجرة الكبيرة .. ومن الرقاد على الفراش الذي كانا يرقدان فيه .

ولكن الأيام محت الرهبة .. ولم تجد هناك ما يمنعها من استعمالها بعد أن ألح عليها الأب بقوله :

  • إذا كنت مصرّة على ترك الحجرة خالية .. فخير لنا أن نغلق البيت وننصرف عنه .

وهكذا احتلت الغرفة ورقدت على نفس الفراش . وفي أحضانه .. ليس هو بالذات ، ولكن جزء منه .. ابنته .

وفتحت حجرة المكتب وأزالت الغبار عنها وأعادت ترتيبها وتنظيفها ، وأعادت ملء الزهرية بالزهور ، وحاولت جهدها أن تبعث الحياة بين الأطلال ، أو على الأقل ، تضفي على الأطلال بعض الرونق والبهاء .

وسارت الحياة بالثلاث .. هي والابنة والأب ، وئيدة مرتفقة هادئة ، ليس بها ما ينغص ولا ما يسيء .. وكان دخل الأب من ممتلكاته وعقاراته كفيلاً بأن يهيئ لهم كل مطلب ويجعلهم في رغد من العيش .

وكفت الأم عن الحديث وران على المكان سكون عميق .

وأحست ” سامية ” بأطرافها تتراخى .. وأعصابها تفتر .. لقد أنهكها طول الاستماع .. ولم تشعر إلا وهي تعلق بقولها :

  • خاتمة عجيبة ! لقصة عجيبة ! أهذه الأشياء تحدث في حياتنا هذه ؟ إن تلك المرأة وذلك الحب لا يمكن أن يوجد على ظهر الأرض .. إنها لا شك مجرد قصة .

ولم تنبس الأم ببنت شفة .. ومدت يدها في الظلمة فتحسست رأس ابنتها وضمتها إلى صدرها برفق .

وكانت القصة قد استرعت كل اهتمام الفتاة واستحوذت على كل تفكيرها .. حتى كادت تنسيها مسألتها الأصلية .

ولكن لم تكد تمضي برهة مستندة إلى صدر أمها حتى عاد السؤال يلح عليها ، وصاحت بأمها فجأة :

  • ولكنك يا أماه .. لم تجيبي بعد ، على ما سألتك عنه .. لم تنبئيني بعد بحقيقة ما أقض مضجعي .

وصمتت الأم ، ولم تجب في أول الأمر ، ورفعت الفتاة رأسها إليها متوسلة بقولها :

  • أريحيني يا أماه .. قولي أي شيء !.. إني لن أقتل نفسي .. أهو ابنك حقاً ؟

وأخيراً جداً .. وببساطة عجيبة أجابت الأم :

  • نعم !

وندت عن الفتاة صرخة دهش وعادت تردد في ذهول :

  • نعم !

وأحست بأنها تنهار تماماً ، ولم تستطع المقاومة فاندفعت تنشج في بكاء عنيف دافنة رأسها في صدر أمها .

وهتفت بها الأم :

  • كفي عن البكاء .. فليس هناك ما يدعو إليه .. إنه ابني .. وليس ابني .. وأنتي ابنتي ولست ابنتي .. إن هذه المرأة التي تقولين عنها لا يمكن أن توجد على ظهر الأرض هي أنا .. أنا تلك المخلوقة العجيبة الشاذة .. التي أفنت عمرها بين الأطلال ، والتي ترملت دون أن تتزوج ، والتي أنجبت ابنة دون أن تحمل أو تلد .. لقد واصلنا الحياة سوياً .. أنا وأنت وجدك .. حتى حانت منية جدك بعد عام أو بعض عام ، وبقينا في الحياة وحيدتين أنا وأنت .

بقينا وحدنا في الدار الطويلة العريضة ، وبقي لنا من الدخل ما أعاننا على الحياة ، وما أعانني على تربيتك تربية مثلى .. ولقد تركنا الدار ، فما كان بنا من حاجة إلى تلك الحجرات الفسيحة .. ومكثنا في هذه الفيلا الصغيرة .. وانقطعت كل صلة لي عن بقية الناس .. لا أزور ولا أزار ، حتى صاحبتي لم أعد أراها بعد أن تزوجت .. وانشغلت ببيتها وأولادها .

كنت أنت هدفي في الحياة وكانت سعادتك هي بغيتي ومطلبي .. وكنت أنت عوضي عن كل شيء .. عوضي عن الأهل القساة ، والحياة المضطربة المنهكة ! عوضي عن أبيك الحبيب الراحل ، وجدك الطيب الحنون .. عوضي عن أمك الطيبة التي عاشت غريمتي ، وماتت وهي أعز الناس لديّ .

لقد كرست حياتي من أجلك .. ولأول مرة شعرت أن القدر كافأني وأن جهدي لم يذهب سدى .

إني لم أر ابني الحقيقي منذ تركته ، فلقد تعاونت ظروف أبيه وقسوته على حرماني منه .. كان دائماً مع أبيه خارج القطر ، أو يبدو لي أن أباه قد قصد ذلك ، وأنه لم يرغب في البقاء في  مصر بعد أن هجرته ، أو بعد أن طردني ، واستمر ممعناً في السفر .

ولست أظنني أشعر بشوق كبير إلى رؤيته .. ولا بحنين إلى لقائه .

الدم يحن .. هراء .. ذلك الذي يقولون عن الدم الذي يحن .. إنها مسألة عشرة لا أكثر ولا  أقل ..  إنني لم ألدك .. ومع ذلك لا أطيق عن فرقتك صبراً .. وإني ولدته ، ومع ذلك فإني واثقة أننا لو التقينا ولم أعرف أنه ابني ولم يعرف أني أمه .. لمر أحدنا بالآخر مرّ الكرام .

إني إذا أحببته الآن .. فسأحبه كزوج ابنتي .

وأحست ” سامية ” بسعادة عجيبة ، وهي تسمع أمها تدعوه بزوج ابنتي .

إن المسألة إذاً تعتبر منتهية .

ولكنها ما لبثت حتى تجهم وجهها .. وداخلها خاطر أوجست منه خيفة ، وملأها بالوساوس والشكوك .

ماذا يقول أبوه إذا علم بأمها ؟ أما زال يكرهها ؟ لقد رفض فيما مضى عودتها ، وحرّم عليها رؤية ابنها .. أيقبل بعد هذا أن يزوّجه ابنتها ؟

واتخذ السؤال طريقه إلى شفتيها متردداً حائراً .. وأخيراً لفظت به متسائلة :

  • ولكن يا أماه . أترين أباه سيقبل أن يزوجه لي ؟

وقالت الأم في حدة :

  • يقبل ؟ طبعاً يقبل .. أهناك خير منك على ظهر الأرض .. إن أباك خير منه .. وأنت مثل للزوجة .
  • ولكن أترينه قد نسى ؟
  • وما شأنه بي .. إذا لم يكن قد نسى فإنك تستطيعين التبرؤ مني ، ومن أمومتي .
  • لا تقولي مثل هذا القول يا أماه .. إنك لديّ خير من الدنيا بأسرها .
  • على أية حال لا تتعبي رأسك كثيراً .. دعي الأمر للغد .. فقد يدبره الله بحكمته .