رواية بين الأطلال – الجزء الثاني

رواية بين الأطلال – الجزء الثاني

رواية بين الأطلال الجزء الثاني
رواية بين الأطلال الجزء الثاني

القصة الأخيرة

صراع في نفس

6

وأخيراً .. أجلس لأكتب قصتك .. أو كما اتفقنا على تسميتها ” القصة الأخيرة ” .

أجلس يا أختاه وبي إحساس الخارج من معركة .. الملقى في استرخاء ، وخمود .. الممدد الأطراف ، المتتابع الأنفاس .. يطلق الزفرة تلو الأخرى يستروح بها من طول عناء ، وصخب ، وضجة ، وحركة .

أجلس في الفراش وبي إحساس راكب زورق أحلام جميلة ، تهادى به لحظات ، ثم عصفت به الريح فجأة فحطمته على صم الصخور وألقته من نعمائه إلى فلاة قفرة موحشة ، لا إنس فيها ولا جن ، ولا هاد ، ولا عاد ، ولا عدو ، ولا حبيب .

أجلس في بيداء واسعة قد خلت من كل شيء صمتت عن كل صوت ..  كل ما حولي مغرق في الهدوء والسكينة . ومع ذلك فما زالت تطن في رأسي أصوات موهومة من العاصفة وضجيجها ، والزورق وحطامه .. تطن في رأسي كأنها آتية من مكان عميق بعيد الغور .

وأطلق النفس حاراً طويلاً ، وأحاول عبثاً أن أسكت ذلك الطنين الموهوم ، ثم أتلفت حولي فأجد القفر شديداً والوحشة جاثمة ، والفراغ واسعاً بلا نسمة تبل ، ولا قطرة تعل ، ولا ورقة تظل .

ويبلغ بي اليأس مبلغه .. حتى تتحسس يدي في الربى المقفرة شيئاً تعروني منه هزة ، فإذا بذاهب الأمل قد عاد ودارس الرجاء قد تجدد .

وسط الفراغ الخاذل .. والوحدة المضنية .. تتلمس يدي خلا لم يخذل ورفيقاً لم يهجر .

في هذا الصمت المخيم والسكون السائد ، وأنا مضطجع في الفراش مكدود مرهق ، هائم الروح ، ضال النفس ، أحس أني قد وجدت أخيراً مستقراً وملجأ .

وسط السكون والوحدة ، حيث لا صديق ولا حبيب ولا ماء ولا غذاء ، ولا ظل ولا ثمر .. وجدت ورقاً وقلماً كانت زادي في البأساء ، وبارقتي في الظلماء .

حمداً لله .. إن العاصفة لم تمزق الورق ولم تحطم القلم .

حمداً لله أن أبقى لي شيئاً أستعين به على وحشة الفراغ .. وأبدد به بعض هذه السحب الثقيلة المعتمة . وأسكت به الآثار العاصفة من أصوات ملحة وطنين متواصل .

حمداً لله .. أن لم يسلبني بعد قدرتي على الكتابة . وسلوتي في الأحزان ، وعزائي في الملمات .

حمداً لله الذي وهب لي الداء ، وأبقى على الدواء .

ولكن .. أترين كتابتي عنك حقاً .. دواء .. أم هي أهيج للعلة ، وأيقظ للداء ؟

أترينها حقاً ستسكن طنين العاصفة في أذني ، أم ستزيده حدة ؟ سواء عليّ أسكتته أم هيجته .. إني كاتب ، كاتب ، فما تبقى لي بعد ما حدث .. سوى الكتابة .. ولن يستطيع إنسان كائناً من كان أن يمنعني منها .

ويعلم الله كيف سترئين القصة .. أستقرئينها منشورة كقصة أم مرسلة إليك كرسالة ، أم تراك لن تقرئيها أبداً ؟

وكيف ستقع من نفسك ؟ أتراك ستعتبرينها رائعة .. كما قلت عن كتابتي فيما مضى .. أم ترين الروعة قد ذهبت مع ذاهب الحب ؟

على كل حال أنا لا آمل كثيراً في أن أستعيد موضعي منك .. فكل شيء في حياتنا هذه إلى نهاية ، وإلى زوال .

أتذكرين ما قلته لك عن الزمن ، وأنه ما خذلنا وأضحكنا على أنفسنا مثله ؟

إني أتذكر ما قلت بالحرف الواحد :

” إننا نجلس الآن في نشوة ، هائمين كالفراشة ، ذائبين من الوجد والصبابة .. يجد كل منا في عيني صاحبه أقصى أمنيته ، ويصعب علينا أن نصدق ، كيف عاش أحدنا ما مضى من حياته بلا صاحبه .. وكيف يمكن أن يعيش بدونه . ثم نقسم مخلصين أن الزمن لن يستطيع أن يبهت صورة أحدنا من ذهن صاحبه ، ونقسم ونقسم . ونكتب ونكتب .

وبعد عشرة أشهر ـ ولا أقول عشر سنين ـ رغم ضآلة هذه وتلك في عمر الزمن .. بعد عشرة أشهر ننظر إلى ما كتبنا ، ونستعيد ما قلنا ، فإذا بنا قد صرنا سخرية أنفسنا ” .

وثرت على يوم كتبت لك هذا ، واتهمتني بأني أخشى الزمن لأني لا أثق بنفسي .. أما أنت فلا تخشينه لأنك واثقة من حبك ، مؤمنة بأنه أبقى على الزمن الباقي من الزمن .

والآن .. ما رأيك ؟

ألا تجدين أني كنت كثير التفاؤل حينما قلت ” بعد عشرة شهور ” ؟

الآن ، ولما تمض على حبنا خمسة شهور ، قد أعلنت أنك انتهيت منه ، ولم يعد لي أي تأثير في نفسك .. لا حزن .. ولا هناء ، ولا ضيق ولا فرح .

يا للسخرية ! أهكذا سريعاً .. انتهى كل شيء ؟!

أينتهي بمثل هذه السهولة والسرعة ، ولما تمض بضعة أيام على خطابك الذي قلت فيه :

” إن ما أحس به لك إحساس آخر .. إحساس عميق بعيد .. ملؤه الحرارة والإخلاص .. إحساس لن تخبو له على السنين بارقة ، ولن يطفأ له على الزمن أوار ” .

أينتهي كل شيء ولما يخف بعد مدا خطابك الأخير ، الذي ختمته بقولك :

” على أية حال لن أكف عن حبك حتى آخر رمق .. حتى ولو كففت أنت عن حبك . إني سأحبك إلى النهاية ” .

ولم أكف أنا عن حبك ، ولكنك كففت عنه ، ومتى ؟ ليس في آخر رمق ـ أطال الله عمرك وأدام بقاءك ـ ولا بعد عمر طويل .. ولا بعد عام أو عامين أو شهر أو شهرين .. بل في اليوم التالي ـ الذي كتبت فيه تأكيدك هذا ـ أعلنت أنك لم تعودي تحسين نحوي بما كنت تحسين .

ولِمَ ؟ لأول خصام يحدث بيننا .

ماذا كنت متخيلة أيتها الصغيرة الحمقاء ! أكنت تتخيلين وأنت تجزمين بقولك هذا أنه لن يحدث بيننا خصام ؟

وما قيمة حبك أو ميزته أو قوته .. إذا كنت تضمنين دوامة بشرط ألا يحدث في طريقة خصام ؟

إن أي حب عادي سطحي يمكن أن يدوم بسهولة .. مادام لا تعترضه عقبات الصد والخصام .

ولكن الحب القوي العميق ، هو الذي يتميز بثباته أمام تلك الهزات وبتخطيه لكل ما يصادقه من عقبات وعثرات .

هذا هو الحب حقاً .. أما ما عداه فهو نزوات طيش

أفلم يكن ما بك أكثر من نزوة طيش ؟

يا لخيبة الأمل ، ويا لضيعة الرجاء !

ولكن .. علام اللوم ، والعتاب ، والحساب .. وأنت بشر ، وأنثى ، وتلك هي طبيعة البشر وديدن الأنثى .

والآن يا أختاه .. بما تبقى لك من أثر حلو في نفسي وذكريات جميلة محببة .. دعينا نتجول في ربوع الماضي .. دعينا نرجع القهقرى كتفاً إلى كتف ، وخداً إلى خد .. كما كنا نفعل فيما مضى .

واعجباً ! أهكذا سريعاً .. أصبح حاضرنا ماضياً .. وحبنا ذكريات ؟

لنبدأ من البداية .

متى أبصرتك أول مرة ؟ .. متى وقعت عليك عيناي فالتصقت بهما صورتك ، وأبت أن تغادرهما .. حتى يومنا هذا .. بل حتى لحظتنا هذه .. حتى بعد تحولك وإعلانك القطيعة ؟

رأيتك في حفلة راقصة في أحد المنتديات .. تدورين وتلفين وتظهرين وتختفين بين الجمع الراقص ، وكنت أجلس لأتسلى بمراقبة بضعة وجوه حسان ، أدخلتك في زمرتها .

وهكذا حدث أول تمييز لك ، وإدخالك من حيز العالم المجهول الواسع إلى حيز المعلوم المعروف المحدود .. ووضعك في معرض الجمال الذي يحلو لي مراقبته واستعراضه وأصبحت بذلك معلوماً شكلاً .. ولكنك ما زلت مجهولة اسماً ، وشخصاً ، ولم يكن ذلك ليهمني كثيراً ، بل كان يحتمل أن أظل هكذا لا أعلم عنك شيئاً .. سوى وجهك الجذاب الصغير وتقاطيعك الدقيقة الحلوة ، ولكن حدث بعد لحظة من تمييزي لك أن نادتك ابنة صديق لنا كانت تجلس معنا على منضدتنا باسم عجيب بعض الشيء .

وضحكنا على الاسم وسألتها :

  • أهذا هو اسمها ؟
  • هذا اسم تعودنا أن نناديها به أنا وبقية الصديقات .

ولم تسمعيها من أول مرة ، واشتركنا معها في مناداتك على سبيل الضحك ! .. ولكن ضجة الموسيقى باعدت بين أصواتنا وأذنيك .. فيئسنا من مناداتك .

  • وأنبأتني صاحبتك ببعض المعلومات عنك على سبيل التعريف ، وقالت لي ضاحكة :
  • إنها فتاة عجيبة .. إنها قد تبدو صغيرة في ظاهرها ، ولكنك إذا ما جالستها وتحدثت معها .. وجدت فها سحر امرأة .. إنها تعجبك كثيراً .. إنك تستطيع أن تجعل منها بطلة قصة .

وسرني قولها ، فقد صدق على نظريتي المعجبة بك .. وزاد من لفت نظري إليك .. ولكني لم أكن أتخيل .. أنني حقاً .. سأجعل منك بطلة قصة .

ورقصت كثيراً في ذلك اليوم .. وكان معظم رقصك مع فتى معين .. وقيل على سبيل الضحك أنكما لابد عاشقان .

ولم يضايقني ذلك كثيراً ، فقد كنت أنظر إليك كمجرد شيء مستملح .

ومن ذلك اليوم تعودت مراقبتك ومتابعتك بنظراتي ، وكنت في الواقع أزداد بك إعجاباً يوماً بعد يوم .. حتى أصبحت أنت هدفي الوحيد في المراقبة .. وطردت من حين مراقبتي سواك من الحسان .

كنت أحدق في شعرك الأسود اللامع المتهدلة خصلة منه على جبينك ، وكنت أمتع البصر بأنفك الدقيق المستوي وبعينيك الحلوتين .. الطويلتي الهدب .. وكنت ترتدين ثوباً بحمالات .. يكشف عن كتفيك .. وعن ذراعيك .

وبدأ الرفاق حولي .. يعرفون مراقبتي لك ويسخرون من إعجابي بك .. قائلين إنك مازلت صغيرة .. وليس بك ما يستدعي كل هذا الإلحاح مني في تتبعك والإعجاب بك .

وبدأت المناقشات بيننا عندما كنا نقارن بين الحسان وكنت أصر على أنك أجمل مخلوقة في حلبة الرقص .. وفي الجالسات .

ولم تكوني أنت حينذاك تعرفين فيّ أكثر عن محدق فيك يلاحقك بنظراته .. لا أكثر ولا أقل .

وبدأت أنقل لصاحبتك إعجابي بك ، وأسألها عنك إذا ما لقيتها ، ولكن الظروف لم تسنح بأن ألقاك وجهاً لوجه أو أتعرف بك .. حتى حدث ذات مرة أن وجدتك وحيدة ، وقد جلست تتشاغلين بتقليب صفحات كتاب في يدك .

وأنا نخلوق لم أتعود الحديث إلى فتيات لا أعرفهن .. بل ما جرؤت مرة واحدة ـ حتى في صباي ـ على أن أقدم على مغازلة فتاة أو امرأة لا أعرفها ، ولكني مع ذلك لم أخجل من التقدم إليك والجلوس بجوارك .. ثم تحيتك وسؤالك عما تقرئين .

ولست أشك في أنك قد دهشت .. إذا لم أكن صبياً تافهاً مغامراً حتى أقدم على مثل هذا العمل الصبياني ، ولكنك لم تملكي سوى الرد عليّ ، وأجبتني في اقتضاب وبرود أن ما معك قصة فرنسية .

وتركتني يومذاك ، وكنت قريراً لأني تحدثت معك .. فقد كان ما أحسه لك مجرد إعجاب ورغبة في معرفتك والتحدث إليك والجلوس معك .

وبدأت أنت تحسين بي ، وتميزينني ، ولكنك كنت تبدين نافرة من الجلوس معي .. حتى حدث بيننا أول تعارف .

كنت أجلس مع صاحب لي عندما رأيته ينهض ، ثم يغيب لحظة ويعود لينبئني أنك تجلسين على مقربة منا مع صاحبتك وأنها فرصة سانحة للجلوس معك والتعرف بك .

ولم أتوان لحظة بل نهضت متجهاً إلى منضدتكما وسلمت على صاحبتك ثم عليك ، وجلست وصاحبي معكما .

وتحدثنا سوياً ، ووجدتك تقبلين على الحديث معي في رقة ولطف ، ولم يكن بك أثر للنفور الذي تعودت أن أجده بك دائماً .

وكنت واثقاً أنك لم تقرئي لي ، وأنك لن تقرئي لي .. لأني أعرف أنك لا تجيدين العربية ، ولاسيما ، وأني رأيت في يديك من قبل رواية فرنسية ، وصدق ظني .. بل وأسوأ من ذلك وجدتك تسخرين بكتّاب القصص الذين يكتبون في المجلات ، وأنا واحد منهم ، وترمينهم بالتفاهة والسطحية .

وحاولت بالطبع أن أدافع عن نفسي ، وقلت لك إني أرجو منك أن تقرئي أحد كتبي .. لو كانت لك القدرة على القراءة بالعربية .

ورحبت ـ مجاملة ـ بالقراءة لي ، ولم أدع أنا الفرصة تفلت .. وسرعان ما أعطيتك أحد الكتب .

وافترقنا ليلتذاك .. وأنا مليء بالسعادة والمرح .

لقد أحسست أني حصلت على شيء كثير .. بالجلوس معك ، وإعطائك كتابي ، وكنت في الواقع تستحقين أن أسعد بك .. فقد وجدتك مخلوقة ممتازة عقلاً وشخصية وإن حديثك حلو كوجهك .. وأكثر من هذا وجدتك من نوع عجيب .. نوع لا يبدو جماله خطافاً براقاً ، ولكن يزداد إحساس الإنسان بجماله كلما ازداد تمعناً فيه واغترافاً منه .. نوع عميق لذيذ .. ليس ضحلاً ولا سطحياً .

ولم ألقك في اليوم التالي ، وإن كنت تواقاً إلى ذلك .. ولكني لقيت صاحبتك فأنبأتني أنك قرأت كتابي ، وأنك أبلغتها أنك أعجبت به جداً .

وأنا ـ ككل كاتب ـ لا يمتعني شيء كإطراء كتابتي والمديح في كتبي من أي مخلوق كان . فما بالك إذا كان المديح منك أنت .. المخلوقة الساحرة التي لم أحاول قط التطلع إلى جعلها قارئة لي ، بل معجبة مادحة !

وبدأت أرسل لك الكتاب تلو الكتاب وأتلقى منك آيات المديح وجميل الثناء .. دون أن تسنح الفرصة لنا بلقاء مدة أسبوعين .

ومع ذلك ، ورغم أننا لم نلتق ، فقد كنت أشعر أن وثاقاً من القربى ورباطاً من المودة يشد كل منا بصاحبه بشدة وإحكام ، وأن اللقاء الذهبي بيننا ـ أنا بكتبي ، وأنت بآرائك فيها وتعليقك عليها ـ قد زاد من تعريف كل منا بالآخر خيراً من ألف لقاء .

وهكذا بت أشعر من جانبي قبل أن ألقاك أنني قطعت في سبيل صداقتك شوطاً كبيراً وأننا عندما نلتقي لن يكون بيننا أثر لكلفة .

وجلست أنتظرك في أول لقاء بعد تعارفنا الروحي ولقائنا الذهني ، وطال بي الانتظار ، وبي قلق شديد خشية ألا تحضري .. فقد أضحى لقاؤك متعذراً إلا في أوقات متابعدة . وخشيت أن تضيع الفرصة السانحة ، والتي لم تكن تسنح إلا قليلاً .

وفجأة .. وأنا مغرق في قلقي .. متطلع ببصري ، لمحتك تمرين بمدخل القاعة التي جلست أنتظرك فيها .. فقفزت من موضعي ولحقت بك حيث وجدتك تتجهين إلى الشرفة ، وسلمت عليك ، وعاتبتك على التأخير .. ولكنك أنبأتني أنك حضرتك في الموعد فلم تجديني وأنك أنت العاتبة على تأخيري .

وجلسنا سوياً .

وجرى الحديث بيننا حلواً ممتعاً ، وقلت لك إنني كنت أمر كثيراً بمأواك فأحس بحنين إليك شديد . وقلت لك مازحاً إني ما مررت عليك إلا وهتفت بقول قيس :

وما حب الديار شغلن قلبي   ولكن حب من سكن الديارا

وقلت لي أنت إن كتابتي رائعة .. وإنك ما قرأت لأحد خيراً مما قرأت لي .

ولقد سبق أن كال لي الناس المديح ، ولكني ما اعتززت بمديح إنسان اعتززت بمديحك ، وما سرني من الإطراء كقولك إن كتابتي رائعة .

وتكرر بعد ذلك لقاؤنا ، وفي كل لقاء كان حديثنا لا يتعدى كتبي وإعجابك بها ، حتى قلت لي ذات مرة :

  • أرجوك .. لا تكف عن الكتابة . إني لا أستطيع أن أفكر كيف أعيش بغير القراءة لك .

ولقد كان حرياً بي أن تبلغ سعادتي منتهاها .. فما أظن أني كنت آمل قط في أن تقولي لي أنت مثل هذا القول .. وفي أن تعتبري كتبي من ضروريات حياتك .

ولكني .. للعجب العجاب ، لم أطرب .. ولم أفرح !

لقد بدأ في تلك اللحظة نضال عجيب في نفسي .. بين الرجل والكاتب !

كنت أكره أن أكون لديك مجرد كاتب .

أنا أعرف أن ذلك كان محض خطأ .. وأنه كان يجب أن أخفي الرجل في نفسي .. أعني الرجل العاشق المحب .. وأنه كان يجدر بي أن أسمو وأرتفع .. وأن أظل أمامك العبقري النابغة .

ولكني لم أفعل . بل بدأت أتخبط في إحساسي لكتبي . كنت أحبها .. وأكرهها .. أحبها لأنك تحبينها .. وأكرهها لأنك تحبينها وحدها .

وإني لأذكر أني أهديت لك أحد كتبي وقد كتبت عليه :

” أغار من كتابي أن أهديه إليك .

أغار منه أن تعجبي بي لأني كتبته ، ولا تعجبي به لأني كتبته !

أغار منه أن يقضي العمر بين يديك .. يدفئ أوراقه حر أنفاسك ، ويمتع كلماته سحر عينيك !

أغار منه وأهديه إليك .

وعزائي في إهدائي أنه بعض نفسي . ولو استطعت لأهديت إليك كل نفسي ” .

ولكني لم أكن أستطيع أن أهدي إليك كل نفسي .. لأني كنت مقيداً .. وكنت زوجاً .

علام إذاً كان كل ما كان .. ولِمَ لم أقنع بالترفع والسمو ، وبأن أبقى لديك مجرد كاتب عبقري .. وأن أكتفي بأن أهدي إليك ـ كما قلت في كتابي ـ بعض نفسي .. أما كان ذلك مرضياً غروري ومشاعري ؟

كلا ! ..

كلا .. وألف كلا ..

ولو استطعت لهانت المسألة .. وانتهى الأمر .. ولظللت أمنحك وآخذ منك ما أمنح آلاف القراء وآخذ منهم .. ولما كان بيني وبينك .. بعد كل هذا .. قصة .

إن الرجل في نفسي تغلب على كل ما عداه !

ولِمَ لا .. وأنا رجل .. قبل أن أكون كاتباً ؟

وهكذا بت أكره كتبي .. ولا أعبأ كثيراً بحديثك عنها ، ورأيك فيها .

بل بت أكره ـ كما قلت في إهدائي ـ أن تعجبي بي لأني كتبتها .. وأتمنى أن تعجبي بها لأني كتبتها .

كنت أود أن تحبيها من أجلي ، لا أن تحبيني من أجلها !

كنت أود أن أكون أنا أولاً .

أنا أعلم أنه ما كان يجب أن أفعل ذلك .. وما كان يجب أن أنحدر وأجذبك إلى أسفل مع الرجل ، بدلاً من أن أصعد وأجذبك إلى أعلى مع الكاتب .

ولكني لم أكن حر التصرف .. ولا حر التفكير .

لسبب بسيط .. هو أنني أضحيت عاشقاً .

وعاشق في عرفي يعني .. مجنوناً .

وهكذا بدأت أتصرف كمجنون .. فأندفع أنا الكتاب الكبير العبقري النابغة .. إلخ .. في هواك .. أنت الصبية الصغيرة التي قد يتردد المرء كثيراً قبل أن يضعك في مصاف النساء !

لقد بدأت أجذبك معي في طريق بلا هدف .. طريق لا أعرف قط .. ولا أحب أن أعرف .. إلى أين ينتهي .

وذهبت معك لأول مرة إلى السينما .

وجلسنا متجاورين .

ولا أظنني في حاجة لأن أذكرك بأننا لم نشاهد من الفيلم صورة واحدة .. أنت محدقة بنظرك الشارد في الظلمة بلا وعي ولا فهم ولا إدراك .. وأنا محدق في جانب وجهك العجيب .. العجيب جداً .. الذي بدا رائعاً في الضوء الباهت .. بأنفه الدقيق وطرفه الأشم البارز .. وشفتيك الرقيقتين .. والخصلة إياها متهدلة على جبينك .

وكنت تتلفتين إليّ بين آونة وأخرى وقد افتر ثغرك عن ابتسامة حلوة .. ولم يكن لي أمنية وقتذاك قدر أن ألمس يدك .. مجرد لمس .. ولكنني لم أكن أجرؤ .. فما كان هناك ما يبرر مسها . فقد كنا ما نزال مجرد كاتب مجيد وقارئة معجبة .. فبأي داع أو سبب أمسك يدك ؟

ولم أجد سبيلاً إلى ذلك سوى الهبوط إلى الطرق الصبيانية ، فأقول لك إني أود أن أقرأ كفك في الظلمة ! ثم أقرن القول بالفعل ، وأمد يدي فأمسك بها راحتك .. فتتخبط في كفي وتحاول التملص ، كعصفور قد وقع في فخ وتقاوم برهة .. ثم تستسلم في النهاية .. وتسترخي أصابعك في يدي في رفق ولين .

وأسمع همساتك في الظلام تهتف بي راجية مستعطفة :

  • ما كان يجب علينا أن نفعل ذلك !

وكم أشعر الآن أنك كنت على  حق ، وأنه ما كان علينا أن نفعل ذلك . ولكني كنت نساقاً بقوة القلب المجنون . مندفعاً بشدة الحس المرهف . فلم أسمع نصحك بأنه ما كان علينا أن نفعل ذلك .. ففعلت ذلك ، وأكثر من ذلك .

أجل .. لقد أمسكت بيدك في شوق ووجد ، وسمعتك تهتفين بي مرة أخرى :

  • أنا لست بطلة من أبطال قصصك ، فدع يدي .

ولم أدع يدك .. حقاً لم تكوني من أبطال قصصي ، ولكنك كنت أكثر من ذلك .. كنت بطلة من أبطال واقعي .. المضطرم المستعر .

وحاولت أن أقبل يدك ، ولكنك سحبتها مني برفق ، وقلت :

  • كفى هذا !

ولم أتضايق .. فقد كنت قريراً بما أخذت .. قريراً بمجرد لمس يدك .. شاعراً بأنني حقاً يكفيني هذا .

يا للعجب !.. أنا أقنع بهذا ؟!

من يصدق ؟!

أنا أقنع بلمسة يد في ظلمة السينما كصبية العشاق ومخابيلهم ! أنا الذي لم يكن يقنعني في كثير من الأحيان امرأة مستسلمة بجسدها ومفاتنها وكل ما تملك من إغراء المرأة ؟

ولكن .. علام العجب .. وقد كان هو الحادث فعلاً !

كنت أحب .. وعندما يحب الإنسان .. لا تنكري منه فعلاً أياً كان .. لقد قيل : ليس على الأعمى والمجنون حرج .. ولو أنصفوا لقالوا : ليس على الأعمى والمجنون والعاشق حرج .

وغادرنا السينما .. دون أن يحدث بيننا أكثر من مسة يد .. في الظاهر .. أما في الباطن .. فلا أشك أننا قطعنا في طريق العشق مرحلة كبيرة .

أجل !.. لقد غادرنا أماكننا وبنفسينا إحساس العاشقين .. رغم أنه لم تجر على لساننا كلمة حب أو غرام .

لم نحاول قط أن نفصح عما بداخلنا .. حتى التقينا في الشرفة ذلك اللقاء العجيب .

كنت أجلس مع صاحبتك وثلة من الأصدقاء ذات ليلة عندما أتيت إليّ وأنبأتني أنكترغبين في أن تسري إليّ حديثاً .

ونهضت معك وذهبنا إلى الشرفة .. لا يقطع علينا خلوتنا سوى همس النسيم واهتزاز الأوراق .

وبدت على وجهك ليلتذاك سيماء الحزن والإرهاف .. وأنت تهمسين بي راجية :

  • إني لن أستطيع لقاءك أو الجلوس معك بعد الآن . يجب أن نقطع كل ما بيننا .

ولم أشعر من قولك على قسوته بأي ألم ، بل أحسست بمنتهى المتعة ، فلقد كانت لهجة صوتك وتعابير وجهك ، عجيبة رائعة ، تكاد من الرقة والإرهاف والحنان تصبح شيئاً ذائباً .

لقد كان في كلماتك منتهى القسوة .. وفي صوتك منتهى الرقة ..

وقلت لك متسائلاً :

  • ولِمَ لا نلقتي ؟
  • وما الفائدة ؟.. ما الفائدة في لقائنا ؟. ماذا يمكن أن يرجوه أحدنا من الآخر ؟. ماذا يمكن أن نأمل من ذلك الطريق الذي نسير فيه ؟.. ما الأمل ؟ وما الرجاء ؟
  • لا أمل .. ولا رجاء .. هذا الطريق .. يندفع فيه المرء دائماً بلا تفكير في أمل ولا انتظار لرجاء .. نحن نسير فيه كحصاة تلقى من أعلى تل لا تملك أن تستقر حتى تبلغ القاع .. أو حتى توقفها عقبة .. أما أن تتوقف هي من تلقاء نفسها فذلك هو الشيء المستحيل .
  • ولكنني أستطيع التوقف الآن . أنا مازلت في ميعة الصبا ، ومستهل الحياة .. أنا مازلت في السادسة عشرة .. والمستقبل أمامي متفتح ، فمن الجنون أن أندفع لأقيد نفسي مع إنسان مقيد فعلاً .. إني الآن أملك أمر نفسي .. ولم يصبني بعد ذلك الشيء الذي يفقدنا السيطرة على نفوسنا والذي يجعلنا نندفع كالحصاة الملقاة من أعلى التل بلا تفكير ولا إرادة .

وكان في صوتك رنة ألم .. وكان حديثك ملؤه الحكمة والعقل .. حديث امرأة محنكة مجربة .. لا فتاة في السادسة عشرة !

ووجدتك على حق في كل ما تقولين ، وأحسست بمبلغ أنا نيتي .. ومدى انفداعي وراء متعة قلبي دون تفكير في مصيرك ومصلحتك .

وأطرقت في حزن ويأس ، وقلت لك مخلصاً :

  • إني على استعداد لكل ما تطلبين .. إن الشيء الذي تخشين أن يصيبك فيفقدك سيطرتك على نفسك . قد أصابني فعلاً .. وأفقدني سيطرتي على نفسي .. ولكنني مع ذلك أستطيع أن أكبته من أجلك وأن أحتمل آلامه في سبيلك إذا أردت ألا ترى لي وجهاً منذ هذه اللحظة ، فإني فاعل .

وأجبت فزعة :

  • لا .. لا .. ليس هذا ما أريد .. إن هذا أسوأ علاج لحالتنا .. إنه سيحدث في نفسي رد فعل شديد .. إني أحب أن أراك .. وأحب أن أجلس معك وأسمع حديثك ، فإذا ما حرمت من ذلك مرة واحدة .. زاد الحرمان من رغبتي فيك ، وكنت كملقي الوقود على اللهب .
  • ماذا تريدين إذاً ؟
  • أن نقلل اللقاء شيئاً فشيئاً .. وأن نوهن العلاقة قليلاً .. قليلاً .. يجب أن نستعمل الحكمة في إزالة ما بيننا .

وكان قولك حكيماً .. آية في الحكمة .. إذا وزناه كقول .. ولكننا إذا وزناه كواقع .. وإذا بحثنا عن جذوره في صدورنا . ونقبنا عن أصوله ودوافعه في قلوبنا ، لضحكنا من أنفسنا وسخرنا أشد السخرية !

هل تعلمين أن الحديث بكل ما فيه ، والجلسة بكل ما حولها ، كانت من ألذ المتعات التي لقيتها ؟

ولا أظنك تنكرين ذلك بالنسبة لنفسك .

إن هذا الحديث الذي دار بيننا لكي نقطع علاقتنا ونضع حداً لكل ما بيننا .. لم يكن هذا هو غرضه قط .

أو كان هذا هو غرضه الظاهر .

أما غرضه الحقيقي !

أما لبه وجوهره !.. فكان اعترافاً ببحب !

كانت الجلسة في ظاهرها مناقشة لتسوية الأمور .. ملؤها الحكمة والتدبير والأقوال المتزنة .

أما في باطنها .. فكانت مناجاة .. من أجمل وأمتع ما وعت أذني وقلبي من المناجاة .

لقد كانت مثلاً عجيباً على أن العشاق يستطيعون أن يطووا مشاعرهم الحلوة في كل مظهر ويكسوها بكل كساء .

إن العشاق أقدر الناس على أن يتناجوا بشتى الأحاديث ومختلف الألفاظ .

إن العشاق يستطيعون أن يتناجوا حتى بالسباب .

وافترقنا .. على أن نوهن علاقاتنا ، وقلوبنا تصدح وتخفق وترقص ، وتهتف بأن العلاقات قد ازدادات ارتباطاً واشتدت وثوقاً .

ولم يكن أدل على ذلك من أن اتفاقنا على أن نقلل من اللقاء .. أضحى وكأنه اتفاق على اللقاء .

وباتت رغبتك في تجنب ذلك الشيء .. الذي لم تجسري على أن تسميه باسمه وهو الحب ، ذلك الذي يفقدك السيطرة على نفسك ، وكأنها رغبة في التشبث بهوفي الإغراق فيه .

لقد بدأ دور اندفاعك في حبي .. لا كحصاة ملقاة من تل .. بل ( كجملود صخر حطه السيل من عل ) .

وملأتني السعادة ، وغمرني النعم ، وأنا أحس بأن الرجل في نفسي قد انتصر على الكاتب انتصاراً باهراً .. وأنه صرعه في ميدان حبك شر صرعة ، وأن الذي أضحيت تحبينه ، أو على حد قولك ـ تعبدينه ـ هو أنا .. أنا ، وليس أنا .. الكاتب .

أجل !! لقد أحسست أنك بت تحبين كتبي لأني كاتبها بعدما كنت تحبينني لأني كاتبها . وأننا بتنا في ميدان الهوى : رجلاً ، وامرأة .. بعد أن  كنا كاتباً وقارئة .. أو على الأصح : عاشقاً وعاشقة ، بعد أن  كنا معجباً به ، ومعجبة .

ما أعجب الإنسان .. الذي يأبى السمو ، ويرفض إلا أن يبقى إنساناً كما هو !!

كم ظننت قبل أن أعرفك .. أن أقصى متعة لي هي أن أمجد ككاتب . فلما عرفتك ومجدت فيّ فكري وكتبي وآرائي ، وجدتني أكره الكتب والفكر والآراء .. وأتلهف إلى أن تحبينني كإنسان عادي ، ومخلوق بدائي .. من مخلوقات الغابة .

ما أشد أنانية الإنسان .. أناني حتى مع نفسه ، وفكره وذهنه !!

غير مذنب

7

وهكذا بدأت علاقتنا كولهان وولهى .. ومولع ومولعة .

ولكن كيف بدأت العلاقة تتخذ مظهراً جدياً لها ؟ كيف بدأت تبرز وتتجسد ؟

في ذات يوم وصلتني رسالة إعجاب ركيكة لا تختلف كثيراً عما يصلني من رسائل القراء والقارئات .

ويبدو لي أن من الطريف أن أنقلها كما وصلتني بنفس ألفاظها وحذافيرها :

” سيدي العزيز :

أرجو أن تقبل اعتذاري عن أسلوبي الضعيف وألفاظي غير اللائقة بمكانتك عندي .

إن رسالتي هذه إحدى ألوف الرسائل التي تتسلمها كل يوم ، ولا أظنك ستعيرها أية أهمية فإنك ستجدها كغيرها مملوءة بعبارات الإعجاب والتقدير لكتبك الشيقة ، وككل قارئة سأؤكد لك أن إعجابي إعجاب يصدر من أعماق قلبي ، وألفاظي ليست بتلك الكلمات البراقة التي لا تبغي إلا خداع قارئها وإيهامه بأنها صادقة ، مع أنها ليست إلا عبارات زائفة .

صدقني يا سيدي .. إني لا أبغي منك شيئاً ، ولكني طالما أردت أن أعبّر لك عن شعوري نحو كتبك .

لو كنت في مكانك يا سيدي لحسدت كتبك على هذا الإعجاب والتقدير ، ولتمنيت أن أحظى ببعض منها .. وإنني متأكدة أنه لو أتيح لي معرفتك لأعجبت بك إعجاباً أعمق وأصدق من إعجابي بكتبك .. إذ أن الكتب شيء جامد لا حياة فيه .

منذ أشهر وأسابيع .. منذ اليوم الذي قرأت فيه أول كتاب لك ، وأنا أتشوق لرؤية شخصك الجذاب . فهلا تحقق لي هذه الأمنية ؟.. إني أعلم أن رجائي بعيد المنال ، ولكنني أطمع في شيء لا قدرة لي أن أعيش بدونه .

آه لو تدري أيها الشخص العزيز .. كم من ساعات وليال قضيتها في تصور قوامك الفارع وابتسامتك الساحرة !

سأنتظرك يا سيدي .. على أحر من الجمر بجوار .. في تمام الساعة الثانية من يوم السبت الموافق .. ولن يمكنني الانتظار أكثر من نصف ساعة لأنني سأكون في طريقي إلى المنزل من المدرسة ، وسأكون مرتدية ثوباً كحلياً .

إن لم تحضر يا سيدي فستخيب آمالي ، وسأعيش في عالم من نسج خيالي لأتصورك وأعجب بك كما يروق لي . وستكون كتبك عزائي الوحيد في الحياة .

المخلصة إلى الأبد ( …….. )

وطويت الخطاب الأحمر المعطر ، وابتسمت .

لقد أيقنت أن الخطاب لابد أن يكون إما مزحة ماجن أو هوس حمقاء .. ولم يشغل بالي كثيراً فقد كنت متعوداً على قراءة الكثير من أمثال هذه الرسائل .. المرسلة من المخلصات إلى الأبد .. المعجبات دون أن يبصرنني .. بقوامي الفارع وابتسامتي الساحرة .. اللاتي يعتبرن كتبي عزاءهن الوحيد في هذه الحياة .. واللاتي إن لم يبصرنني فستخيب آمالهن وسيعشن في عالم من نسج الخيال .

وحامت شكوكي حول صاحبتك التي كانت السبب في معرفتي بك ، وظننت أنها أو إحدى صاحباتها من المعجبات بكتبي هي مرسلة الخطاب .. وأن الفتيات الشقيات قد دبرن مؤامرة للسخرية والضحك عليّ .

ولم يخطر لي ببال أن أذهب ، حتى لقيت صاحبتك فأريتها الخطاب ، وسألتها عن مرسلته ، ولكنها أنكرت أنها تعرفها .. غير أن إنكارها كان أشبه باعتراف بأنها تعرف لاسيما وأنها سألتني عما إذا كنت سأذهب أم لا .

وأجبت مؤكداً :

  • لن أذهب بالطبع .
  • ولِمَ ؟
  • لأني لست مجنوناً حتى أعرض نفسي لسخرية العابثات .. ولأنه ليس لديّ وقت لتضييعه في لقاء المعجبات على قارعة الطريق .. إن لديّ موعداً هاماً .

أجل ! كنت على موعد للقائك ، وهو أهم عمل لديّ أفضله عما عداه .. كان موعدنا في الثالثة ، وكنت أعلم أنك قد تحضرين قبل ذلك ، ولذا كان عليّ أن أذهب في الثانية والنصف أو في الثانية ، لأقضي معك أطول وقت ممكن .

ولكن صاحبتك ألحت عليّ في الذهاب .. ألحت إلحاحاً عجيباً .. ولم تترك لي مجالاً للاختيار أو التردد . وأضحى عليّ أن أذهب على الأقل لإرضائها .

وهكذا وجدت نفسي منساقاً إلى الذهاب إلى الموعد المضحك .. تحت ضغط صاحبتك .. وتحت تأثير رغبتي في حب الاستطلاع .

وذهبت لأكتشف هذه المخلصة إلى الأبد .. ولأحدثها بضع دقائق ثم أعتذر لها وأذهب إلى موعدك .

وإني لأذكر الوقت والظروف جيداً .. كان يوماً عاصفاً شديد الريح ، كثير الغبار ، وكانت الريح تصدم وجه الإنسان فلا يكاد يفتح عينيه .

ووقفت بعيداً عن مكان اللقاء .. مستطلعاً ببصري إلى صاحبة الموعد .. حتى لا أبرز إلى مكان اللقاء قبل أن أتأكد منها ومن وجودها .

ولمحت هيكل فتاة تعبر الطريق متجهة إلى المكان وكانت ترتدي معطفاً ” بيج ” و ” إيشارب ” قد غطى رأسها ومعظم وجهها ، وأخذت تقاوم عصف الريح بضم أطراف معطفها حول جسدها .. وقد بدا من أسفل المعطف ثوب كحلي .

وحتى هذه اللحظة لم أكن قد ميزت الفتاة ، حتى أخذت أعبر الطريق وأقترب منها .. فإذا بها .. أنت .

كانت مفاجأة عجيبة .. ولذيذة .

عجيبة لأني لم أتوقع أن تكوني أنت صاحبة الخطاب لعدة أسباب :

أولاً : لم يكن هناك ما يدفعك قط لإرساله ، ونحن على موعد للقاء في نفس اليوم وفي نفس الموعد والمكان تقريباً .

ثانياً : لم يكن الخطاب يعبّر عنك .. لأنك تعرفينني ورأيتيني .. ولا كان يمكن أن يكون مزحة منك .. لأنه لم يكن هناك ما يبرر أن تمزحي معي بهذه الطريقة .

ثالثاً : كان الخطاب ركيكاً في الأسلوب تافهاً في التفكير وفي التعبير ، وأنا لم أعرف عنك الركاكة أو التفاهة في أي ناحية من نواحي تفكيرك أو تصرفك .. بل كنت أرى تفكيرك دائماً أكبر من سنك ومن مظهرك .

لهذه الأسباب كانت المفاجأة عجيبة .

أما عن كونها لذيذة فما أظن ذلك يحتاج إلى شرح أو أسباب . لذيذة لأني وجدتك أنت .. لذيذة لأنك لذيذة .. ولأن رؤيتك لذيذة .. وسماع صوتك لذيذ .. والحديث معك لذيذ .

وارتسمت على وجهك ضحكتك الحلوة المشرقة وأنت تمدين يدك إليّ متسائلة :

  • أظن أملك قد خاب .. لأنك لم تجد إحدى المعجبات بك ؟
  • خاب ؟ خيبة الله عليه إن كان قد خاب .. إن أملي ما أصاب مثل هذا الفوز الذي أصابه برؤيتك .. أتسمين لقاءك خيبة أمل ؟
  • لعلك كنت تنتظر معجبة جديدة !
  • إنك خير ما أنتظر .. هيا بنا .
  • إلى أين ؟
  • إلى مكان هادئ نجلس فيه سوياً .
  • لا .. لا .. إني لا أستطيع السير أو الجلوس معك .
  • إن لم تسيري فسأحملك على كتفي وأسير بك في وسط الطريق ، فسيري بالتي هي أحسن .

وكنت في قولي جاداً .. كان شوقي إليك يدفعني لأن آتي كل جنون في سبيل استبقائك معي والجلوس بجوارك .

وجذبتك من يدك وسرنا سوياً حتى استقر بنا المقام على مقعد في ركن خال في الحديقة المتسعة ، وجلسنا والريح تعصف بالشجر المحيط بنا ، وتثير من الأـتربة الهبة تلو الهبة .

وككل عاشقين كان لدينا الكثير مما نقول .

وسألتني عن خطابك وعما جاء فيه قائلة :

  • ما رأيك فيه ؟
  • ركيك .. آية في الركاكة .
  • لا تقل هذا .. لقد أجهدت فيه نفسي .. كيف لم يعجبك ؟
  • لم أكن أدري أنك كاتبته .. وقرأته على أنه مزحة أو عبث .. ولكني لو أعدت قراءته .. على أنه منك ، فقد أعجب به .
  • كنت أظن أنه سيؤثر فيك . إني عنيت كل كلمة فيه .
  • ولكني في الواقع لا أشعر أنه منك .. لأنك لا تعبرين به عن نفسك .. ولا يمكن أن تعني كل كلمة فيه ، لأنك رأيتني وعرفتني .. وكاتبة الخطاب تقول .. إنها تتمنى رؤيتي .
  • على أية حال .. إن النصف الأول فيه صحيح .. وقد قصدت به أن ألقاك على حدة .

وجرى بيننا حديث لا أذكر تفاصيله ولكني أذكر أننا عدنا مرة ثانية إلى مناقشة ضرورة عدم لقائنا ووقف ما بيننا .

ولم نستطع بالطبع أن نسمي ” ما بيننا ” باسمه الصريح بل كنا نكتفي بأن نسميه فقط ” بما بيننا ” وإن كنت أذكر أني كنت السابق إلى الإفصاح وأني قلت لك ونحن جلوس في السينما أول مرة إنك أصبحت عندي بمثابة ” راحة ذهنية ” .

ولقد كان ذلك فعلاً هو خير وصف لموضعك في نفسي وتأثيرك في ذهني .. فقد كنت ككل إنسان لا أكاد أخلو في حياتي اليومية من مضايقات ، ولا أسلم من بعض آلام نفسية وإرهاق ذهني .. فلما بدأت تدخلين في حياتي أصبح التفكير فيك هو خير وسيلة لوقف تلك الآلام وإزالة أثر المضايقات .. كنت إذا أحسست بضيق وإجهاد في الذهن أفكر فيك ، فإذا بالذهن قد استراح ، وإذا بقلقه قد تبدد ، فكأنك أصبحت للذهن مستقراً ومرفأ ومتكأ .. عندما يجهد يلجأ إلى التفكير فيك .

هذا هو تفسير ما قلته لك عن ” الراحة الذهنية ” .

ولقد عدت أقول لك وأنا أجلس بجوارك بين عصف الريح ، وأنت تجاديلنني في ضرورة فصم عرى ما بيننا .. أو ما يوشك أن يحل بيننا .. عدت أقول لك إن ما بي لا يستطيع أحد تأنيبي عليه ولا منعي من مباشرته .. لأنه شيء غير ملموس .. وما دام الغير لا يستطيع لمسه ، فبالتالي لا يتسطيع مؤاخذتي به .

إن ما بي .. في باطني .. وفي ذهني .. لا يستطيع أن يراه أو يحس به سواي .. وعلى ذلك فهو ملكي وحدي .. لا يمكن أن يمنعه عرف أو تقليد أو قواعد أو نظم .. لأن كل هذه الأوضاع لا تستطيع أن تؤاخذنا بغير مظهرها وهو الشيء المحس الملموس .

يستطيع أحد الناس أن يلومني على الجلوس معك .. وتستطيع القيود والنظم أن تمنعني من لقائك .. ولكن أي شيء يستطيع أن يمنعني من التفكير فيك .. ومن الشعور بمتعة هذا التفكير ؟

أي شيء يستطيع أن يمنع ذلك الذهن المجهد المكدود من أن يلجأ إلى استدعائك لكي تهيئ له الراحة والاستقرار ؟

لا شيء !

لقد قلت لك إني كإنسان في جسد .. يمكن أن تقيدني التقاليد .. ويمكن أن أمنع عن لقائك .. ولكني كذهن منطلق .. وقلب متحرر .. لن تستطيع أن تقف في سبيلي عقبة أياً كانت .

قلت لك إن كل تصرفاتي يمكن إخضاعها لقوانين الأرض .. عدا تصرف واحد .. وهو الحب .. فعندما أحب ، لن تستطيع قوة أن تتحكم في حبي ، لسبب واحد ، هو أنه مدفون في باطني ، وفي ذهني ، وهو ملك لي وحدي .

وانتهيت من حديثي بأن قلت لك :

  • إن فرقتنا الجسدية مستطاعة ، فأنا أستطيع بسهولة أن أتحكم في مظهري وتصرفاتي أمام الناس .. أما الفرقة الذهنية .. أو الروحية .. لأمر مستحيل .. إني أستطيع السيطرة على جسدي فأمنعه من السير إلى هذا الاتجاه أو ذاك . وإتيان هذا الأمر أو ذاك .. أما ذهني فمن العبث أن أحاول التحكم فيه .. فهو وحده يفكر فيمن يشاء متى يشاء ، ويستريح لما يشاء حيثما شاء .. إني قاهر جسدي ، ولكن ذهني قاهري .

وهكذا ظللنا نتناقش دون أن تنتهي بنا المجادلة إلى شيء . وكيف تنتهي إلى شيء ، وهي في الواقع .. لا تقصد شيئاً ؟ إنها كانت ـ كما قلت من قبل ـ وسيلة للمناجاة اللذيذة الممتعة .

وأخذت الشمس في الغروب .. ومرة ثانية جلسنا متجاورين في الظلمة .. والدنيا تبدو صفصفاً قد خلت إلا من كلينا .

مرة ثانية جمعتنا الظلمة والسكون والوحدة .

ولكن في هذه المرة .. كان ” ما بيننا ” قد أضحى أكثر نضوجاً ، وكانت المشاعر أكثر إرهافاً .. والقلوب أشد حرارة .

وجلسنا صامتين برهة .. والأنفاس تتلاحق ، والأعين شاردة في الظلمة .. ثم بدأت المطاردة .. بين يدي ويدك .. كلما هممت بوضعها بين أصابعي تسللت هاربة كأنها تخشى أن تقع في كمين .. أو كأنها ظبي يتجنب الصائد حتى سكنت أخيراً خاضعة مستسلمة .

كانت دافئة .. كالصيد الذي ما تزال دماؤها حارة ، واستقرت في يدي برهة ثم رفعتها إلى شفتي .

كانت المرة الأولى التي أجرؤ على تقبيل يدك .

أجرؤ ؟!

أهذا تعبير في موضعه ؟

أحقاً يحتاج مثلي لكي يقبل يد فتاة .. إلى جرأة ؟!

أنا المجرب المحنك .. أحتاج إلى جرأة .. لتقبيل يد حلوة بضة ناعمة !

أجل .. كنت أحتاج إلى جرأة .. لسبب بسيط .. هو أني ما كنت بجوارك قط .. محنكاً مجرباً .. بل كنت هياباً وجلاً ، كأي عاشق مبتدئ ، لم يعرف شئون الحب من قبل .

مرهفاً كما كنت مسموع دقات القلب .. متلاحق الأنفاس وجداً وصبابة .. أمسك بيدك الحارة في يدي ، وكأني أمسك بكنوز العالم .. أو كأني أطبق على روحي بيدي . وقدتناسيت كل حنكة وتجربة ، وتبدد مني العقل وطاش الصواب ، وبت كالغر الحدث .

أما كان الأمر يحتاج ـ وأنا في مثل هذه الحالة ـ إلى جرأة ؟

ومسست بشفتي أطراف أصابعك .. وأنت تتمنعين تمنع الراضي ، وتقاومين مقاومة المستسلم .

كانت يدك عجيبة !

أم تراني أنا الذي كنت عجيباً ؟. بذلك القلب الخفاق في صدري ، والمشاعر المتأججة في حناياي ؟

على أية حال .. وأياً كان العجيب فينا .. لقد كنت لا أشعر بعجبي .. فما أظن هناك إنساناً يحس بنفسه ، بل هو يحس بانعكاسات نفسه على الآخرين فيرى فيهم العجب .. وهو الأكثر عجباً ، ويرى فيهم الطرب والطرب في نفسه .

لم تكن يدك وقتذاك .. مجرد يد .. لأنها لو قيست بماديتها .. فما أظنها مهما كانت .. بمستطيعة إثارة كل تلك اللهفة في نفسي ، والنشوة في روحي .. ولكنها كانت شيئاً معنوياً .. كانت جزءاً من المخلوقة العجيبة الكائنة بجواري ، والتي ألمح في الظلمة جانب وجهها وأمسع حفيف أنفاسها ، والتي وددت لو طويتها في صدري وأغلقت عليها الضلوع ، وأطبقت الحنايا .

إني لم أمس بشفتيّ لحماً وجلداً وعظماً .. بل مسست روحاً .. فداها كل روح .

وكففت أنت عن التمنع ، وتركت لي يديك أحرّك عليها شفتيّ كما أريد ، وأجريها ببطء على ظاهرها ، وفي باطنها ، وألثمها أنملاً أنملاً ، وظفراً ظفراً .

وبعد لحظة وجدت يدك ـ كما انقلبت من حالة التمنع والمقاومة إلى حالة الرضوخ والاستسلام ـ قد انقلبت مرة أخرى من حالة استسلام إلى حالة أكثر إيجابية .. فلم تكتف بالبقاء ساكنة في يدي وتحت شفتي .. بل أخذت تتحرك في بطء لتتلمس بأصابعها شفتي ، وتتحسس وجهي بأقصى مظاهر الرفق والشوق والحنان .. كما تتلمس ضريرة وجه ابنها العائد بعد طول غيبة .

وأخيراً استقرت يدك بين يدي فوق ركبتي .. كأنها تتلمس الراحة بعد شوط مجهد شاق .

ولِمَ لا ؟.. ألم تكن في شوط الحب ؟!!

ومضت برهة ، وأنا شارد ببصري في الظلمة .. شاعر بأقصى آيات السعادة .. ثم تلفت نحوك .. مديراً وجهي إليك .. فمس أنفي أطراف شعرك .. ولبث أنفي في موضعه فلم أحاول أن أنزعه من شعرك .. أو على الأصح لم أستطع فلقد شممت من شعرك عبقاً عجيباً .

ومرة أخرى أجد منك العجب !

أما قلت إن العجب كان في نفسي ؟!

مرة أخرى أجد بك ما يختلف عن جميع البشر .. فكما وجدت في يدك ، وأنا أمسه بشفتي شيئاً آخر غير ما وجدته في بقية الأيدي .. كذلك وجدت في شعرك ، وأنا أمسه بأنفي شيئاً آخر لم أجده في سواه من الشعور .

وأخذت أستنشق منه شهيقاً بطيئاً طويلاً .. كأنما أود أن أعب كل ما به من عبير في نفس واحد .. كأني الصادي الظامئ يجرع الكوب مرة واحدة دون أن يغادر شفتيه .

وازددت اقتراباً بوجهي من شعرك وأخذتا أحرك أنفي وشفتيّ خلال ثناياه ، ومست شفتي أذنك وانزلقت إلى أسفل حتى لامست العنق فاستقرت عليه ، ثم أخذت تتسلل ببطء على صفحة وجهك متلمسة طريقها خلسة إلى شفتيك .

وظللت مستسلمة مستكينة طوال تلك الفترة حتى اقتربت شفتاي من جانب شفتيك فإذا بك قد نفضت عن نفسك غبار الاستكانة ، ثم أدرت وجهك إلى الناحية الأخرى ونأيت بشفتيك ـ في فزع ـ من شفتي .

وبعد أن تجنبت شفتي التقت أعيننا ، وقد استيفظ كلانا من نشوته .. ولمحت على وجهك مظاهر ألم وهتفت متوسلة في شبه همس :

  • أرجوك .. كفى .

وأحسست من ألمك ألماً أشد ، فقد كرهت أن أسبب لك ألماً أياً كان نوعه .

وقلت لك :

  • أنا آسف !

وهززت رأسك ببطء وعيناك ترمقاني في رغبة مكبوتة يطويها الألم ، ثم همست باسمي .

وأحسست من هتافك باسمي برجفة .

لقد كان هتافك ، أعجب من مسة يدك ، وعبير شعرك .

هتفت باسمي لأول مرة ، هامسة في الظلام ، بلهجة خليط من الرجاء والاستدعاء ، واللهفة والتوسل ، والتمني والحب .

هتفت باسمي .. مجرداً .. وكأنك تقولين بأعمق آيات الإخلاص … ” أحبك ” .

ولم أشعر إلا ، وأنا أهتف باسمك بنفس لهجتك الحارة العميقة ، وأعدت هتافك .. فأعدت هتافي .. وظللنا نتبادل الهتاف .. كل منا ينادي باسم الآخر .. وهو يرنو إليه بنظرة ملتهمة ملتهبة لهفى ..

وعلى غير إرادة مني وجدت شفتي تمتدان مقتربتان ببطء من شفتيك .. ولم تحاولي أنت تنحيتهما ، بل ظللت موجهة إليّ وجهك .. وأنت تهتفين باسمي ، وشفتاك غير مطبقتين .

وأخيراً مست شفتاي شفتيك .. مساً لا كمس القُبَلْ .. بل مس مشدوهين مذهولين مسحورين .. فمس القُبَل يكون بضغط الشفاه مطبقة .. ولكننا لم نضغط ، ولم نطبق ، بل كان كلانا فاغر الفم مفتوح الشفتين .. ولم يكن اقتراب شفاهنا عن إرادة أو عمد أو رغبة في القُبَل .. بل كان ناتجاً عن قوة جذب قاهرة لا سيطرة لنا عليها ولا قبل لنا بمقاومتها .. فظللنا منقادين إليها .. وهي تدفع شفتي كل منا إلى شفتي صاحبه .. حتى تلاقت الشفاه .. لقاء غير منطبق .. بل لقاء متداخلاً كأنه العناق .

ولم نلبث في اللقاء .. أكثر من لحظة خاطفة ، وجدتك تسحبين شفتيك وتديرين وجهك إلى الناحية الأخرى ، وقد بدا عليك ألم عميق .

وبعد فترة راحة .. عادت شفتانا إلى التماس .. صامتة متداخلة .. ثم عدت تتحولين مرة أخرى .. وفي هذه المرة .. رأيت الدموع تنساب من مقلتيك .. ثم سمعتك تغرقين في بكاء وتقولين :

  • دعني .. أرجوك .. إنك تعذبني !

وأمسكت يدك ووضعتها على شفتي وسألتك ، وأنا أحس بألم مرير :

  • ماذا يحزنك ؟ وعلام البكاء ؟

وصمت برهة تمالكت فيها نفسك وجففت دمعك ، ثم قلت لي :

  • أهناك آلم للإنسان من أن يجد أقصى أمنيته بين يديه ولا يتسطيع مسها ! إني أحس بك ملء يدي ، ومع ذلك لا أستطيع أن أقربك .. لأنك لست لي ولن تكون لي .. إني لا أملك فيك شيئاً .

ولم أستطع إلا أن أجيبك مخلصاً :

  • إنك حقاً لا تملكين الشيء الملموس المحس .. لا تملكين الجسد ولكنك تملكين القلب والروح ، تملكين الإحساس الجارف المندفع نحوك ، تملكين الشعور الفياض الملتهب المحيط بك والمغرقك في عبابه . إنك لا تملكين ما يملك باليد ، أو يرى بالعين ، ولكنك تملكين ما يحس بالروح . إنك تملكين اللب والجوهر ، تملكين كل شيء .. إني لك بحقيقتي .. بباطني .. لك إلى الأبد ، وبلا قيد ، ولا شرط .. فلا قيد هناك يمكن أن يوضع على الروح والقلب .

ورأيت السعادة تغمر وجهك .. وهمست ، وأنت تسدين رأسك عليّ وتمسحين بشفتيك كتفي :

  • إن ما أملك هو الأفضل والأبقى .. ليته يدوم لي إلى الأبد .. إنه أقصى ما أرجو من دنياي .

وبعد فترة صمت قلت وأنت تهمين بالنهوض :

  • أظن يجب أن أعود الآن إلى البيت .. كم الساعة الآن ؟

ورفعت الساعة إلى عيني محاولاً قراءتها في الظلمة وأجبتك :

  • الساعة السابعة .
  • السابعة ؟!! لشد ما تأخرت .. يجب أن أعود إلى البيت بسرعة .
  • أأستطيع أن أوصلك بعربتي ؟

وبدا عليك التردد برهة ، ثم قالت :

  • على أن تدعني أنزل بعيداً عن البيت .. خشية أن يرانا أحد ؟
  • كما تشائين ؟!

وغادرنا مكاننا متجهين نحو السيارة ، وجلست إلى عجلة القيادة واتخذت أنت مجلسك ملاصقة لي .. واتجهنا إلى بيتك في الطريق المقفر المظلم .

ولم يكن بيتك ببعيد .. ولقد ساءني ذلك .. كما لا شك قد ساءك ، فقد سمعتك تهمسين :

  • ليتنا نسير بلا توقف !.
  • إلى أين ؟
  • إلى أقصى الأرض .. بل إلى ما بعد الأرض .. إلى السماء .. إلى ما لا نهاية .

وأسندت رأسك على كتفي ، واحتويتني بذراعيك .. وأصابني من عناقك رجفة ، وأنا ممسك بعجلة القيادة ، حاولت أن أمس شفتيك بشفتي ولكنك قلت لي :

  • أرقب أمامك . وإلا نصطدم .. دعني أسترح على كتفك .. إني سعيدة هكذا .. بل ما أحسست بسعادة أكثر من الآن .

وقبل أن نصل إلى بيتك توقفت السيارة ونزلت منها وحثثت الخطى إلى باب البيت .

وعدت إلى البيت وأنا أحس بنشوة يخالطها نوع من الحزن عجيب ، نشوة من  حبك .. وحزن على فعلي الطائش الأحمق .

ما هذا الذي أنا مغرق فيه .. مندفع إليه ؟

أي مخلوق عجيب أنا ؟.. كيف اندفعت إلى حبك .. وتركتك تندفعين إلى حبي ؟

أنت نفسك كنت في حيرة من أمري !.. وشك من مشاعري !

كنت تظنين أني أتسلى بك ، كما تسليت بغيرك ولم تصدقي قط في مبدأ الأمر أني أحبك حقاً ، حتى لقد قلت لي ذات مرة أن صديقتك قالت لك محذرة وهي ترى اندفاعك نحوي :

  • إنك تلعبين بالنار .

فقلت لها متحدية :

  • إني أحب اللعب بالنار .

فعادت تقول ساخرة منك ومن قولك :

  • إنه يتسلى بك .

فاستمررت في التحدي مجيبة :

  • وأنا أتسلى به .

ولقد كان الأمر فعلاً ، يجب ألا يعدو التسلية . أنا أتسلى بك كفتاة حلوة ، وأنت تتسلين بي ككاتب تعجبين بكتابته .

ولكننا لم نقف عند حد التسلية . فمن كان المخطئ منا ؟

لقد كنت أنا في الواقع الأكثر خطأ .. ومع ذلك فقد كنت أقل منك إحساساً بالوزر .. بل إني ما أحسست به قط إلا بالنسبة لك ، فقد كنت دائماً أخشى عليك من نتائجه .

كنت لا أحس بالوزر لأنه لم يكن المرة الأولى أن أرتكبه .. بل لقد تعودت مباشرته حتى خرج من نفسي عن نطاق الأوزار .. وصار شيئاً طبيعياً .. أباشره كالطعام والنوم والسير .

أفي ذلك عجب ؟! طبعاً .. فيه عجب ! ولكني لو حللته .. وفسرت أسبابه .. لما بدا فيه أي عجب !

إن كل وزر له عند مرتكبه تحليله ومسبباته .. وإلا ما أقدم بشر على وزر .

أنا مخلوق ـ كما قلت لك ـ ذو قلب غير طبيعي .

ألا تذكرين عندما قلت لي مؤنبة :

  • إن حبيباتك كثيرات . إنك لا تكف عن الحب قط ؟

فأجبتك :

  • إن النحلة تنتقل بين الزهور تمتص رحيقها لكي تخرجها لنا عسلاً .. وكاتب الحب .. لابد أن يمتص رحيق الحب .. لكي يسكبه على الورق مشاعر مرهفة .. كيف أكتب عن الحب .. إذا لم أحب ؟

إن تركيب البشر يختلف فبعض الناس يغلب فيهم مركب البغضاء ، والبعض يغلب فيه مركب المرح أو الحزن ، فتجد الأول يفيض بالبغضاء ، فهو يستطيع أن يكره عشرات الناس دون أن ينفد معين كرهه . والثاني يستطيع أن يضحك ولا يكف عن الضحك ، والثالث يغرق في حزن إلى ما لا نهاية .

أما أنا فيبدو لي أن مركب الحب قد غلب في نفسي كل ما عداه .. فأنا أستطيع أن أحب وأحب ، فلا معين حبي ينضب .. ولا أنا أشبع من الحب .

بل إني لا أستطيع أن أعيش لحظة بغي حب ، بما فيه من متعات وآلام وكسب وخذلان ، وانفعالات مختلفة متناقضة .

تلك هي طبيعة خلقي .. مخلوق مثالي زاهد في كل مباهج الحياة .. عدا الحب .

أبعد هذا أعتبر حبي لك وزراً ؟

ولكن ألست زوجاً ؟ ألا يعتبر حبي لك خيانة لزوجتي ؟

لو أتينا للواقع لوجدنا أن حبي لك أمر مصلح مفيد .. قد يكون في حد ذاته خيانة .. ولكنه خيانة طاهرة بريئة ( إن صحت التسمية ) .. قد وفر عليّ بضع خيانات غير بريئة ولا طاهرة .

أهذا أمر أكثر عجباً ؟

لا شك في ذلك .. ولكن لو فسرته أيضاً لبطل عجبه !

أولاً .. نبحث قبل كل شيء عن حقيقة علاقتي مع زوجتي .. إنها قد باتت مجرد صديقة .. لا  أقل ولا أكثر .

عشر سنوات قد ضمتنا رابطة واحدة .. بدأت بالحب ثم انتهت بالزمالة ، والصداقة .

لا تغيير ولا تبديل .

عشر سنوات يظلنا سقف واحد .. وحياة واحدة .

عشر سنوات .. بلا بنين ولا بنات ، ولا شيء جديد يذهب هذا الروتين المنتظم في حياتنا .. ويذهب بذاك الملل الجاثم والتكرار المستمر .

ولست أدري حقاً سبب هذا الملل .. عدم وجود البنين ؟ أم تراه مجرد علة أعتذر بها عن حالتي بالذات ؟

إني أعرب غيري ممن أنجبوا بنين وبنات .. ليسوا بأكثر مني استقامة ولا أقل خطايا .. بل إنهم يجعلون من الذرية مبعثاً لضيقهم وضجرهم .. ومبرراً لزلاتهم .

على أية حال إن العلة في نفوسنا .. ولقد قلت مائة مرة : إن الزوجية ليست خير حل لمشكلة الرجل ـ الطبيعي ـ العاطفية أو الجنسية .. بل إنها ليست حلاً على الإطلاق .

وقد أحاول في بعض الأحيان .. عندما أبحث عن مبررات لعدم استقامتي .. أن أرجع بعض الخطأ لزوجتي نفسها فأقول إنها قد تكون طيبة لطيفة ودودة .. ولكنها دائمة المرض والهزال .. خالية من الحياة والحرارة .

ولكن حتى هذا أجده عذراً واهياً .. فأنا أعرف رجالاً .. زوجاتهم صحيحات سليمات وبهن ما يكفي من الحياة والحرارة . ومع ذلك .. يبحثون عن الحياة والحرارة خارج بيوتهم !

ثم .. أية زوجة .. بها حرارة وحياة ؟!

إن الزوجات الطيبات يفقدن حرارتهن وحياتهن بعد شهرين من الزواج .

وكل فتاة مخدوعة في نفسها .. تقول إنها ستعرف كيف تحتفظ بزوجها ، فإذا ما تزوجت لم تكن خيراً من بقية الزوجات ، حتى أنت !

ألا تذكرين ما قلت لي :

  • إني أعرف كيف أحتفظ بزوجي .. ولو تزوجتك لعرفت كيف أحتفظ بك .
  • لا أظن .. إنني رغم ما أحس لك من حب جارف فياض .. لو تزوجتك قد لا تكونين خيراً من زوجتي ، وقد يخبو حبي المستعر بعد بضعة شهور .. وقد أبحث بعد ذلك عن أخرى أحبها كما أحبك الآن .

قلت لك هذا بصراحة . وقلت لك إني أحب زوجتي وأحترمها وأقدرها وأؤدي لها كل ما عليّ من واجبات عدا الحب المستعر الملتهب . ولست أظن هذا من واجبات الزواج !

وهكذا ترينني بذلك القلب المرهف غير الطبيعي .. والنفس الفنانة الهائمة الحالمة .. والبيت الفارغ إلا من الملل والتكرار . والزوجة الهادئة الطيبة الهزيلة المريضة ، المحاولة القيام بواجباتها والتي قمت لها بواجباتي خير قيام .. بهذا الوضع وتلك الطبيعة .. أخذت أحيد عن جادة الصواب .. وأميل مع الهوى .. حتى بت ذا حياتين : حياة مستقيمة غير طبيعية .. وحياة غير مستقيمة طبيعية .

وأنت تعلمين أني لست بعربيد .. ولكن قلبي هو المستهتر العربيد .. وساعدتني ظروفي ـ ككاتب وكمخلوق لا بأس بمظهره ـ أن يهيئ للقلب العربيد .. وفرة من الزاد والشراب .. فبات متخماً من فرط الأحباء .. فلما لقيتك كان لديّ مهن ـ على ما أظن ـ ثلاثاً أو أربعاً .

فماذا كان تأثيرك .. عليهن ، وعلى القلب العربيد ؟

أقول الحق لقد كنت لي خير مصلح ، ومقيم ، ومهذب .. حتى لقد  عجب صحبي .. كيف حدث لي هذا ، كيف أصابني الزهد فيما كنت عليه أتلهف ؟ وكيف بت أغض البصر عما كنت إليه أتوق ؟

وهكذا استبدلت بعدة الخيانات التي كنت أباشرها خيانة واحدة هي علاقتي بك ، وهي علاقة سامية شريفة بريئة .

وأنا لم أكن أعتبر عدة الخيانات وزراً . فمن باب أولى لا أجد في الخيانة الواحدة ـ البريئة الطاهرة ـ أي وزر .

ولكنها مع ذلك كانت تقلقني قلقاً شديداً ، وكانت تسبب لي في كثير من الأحيان حزناً عميقاً .

لقد أحببتك حقاً .. حباً صادقاً عجيباً .. جعلني أترجح في مشاعري بين رغبتي في أن تجبيني وفي أن تنجي بنفسك من ذلك الحب .

كان طبيعياً أن أتمنى حبك لي .. وأن أتلهف على المزيد منه .. ولكني لا أكاد أخلو إلى نفسي .. وأفكر في الأمر تفكيراً خالياً من عامل الأنانية حتى أجدني أتمنى ألا تندفعي في هذا الحب ، وأن يخلصك الله منه .

كنت أحبك إلى هذه الدرجة .. إلى درجة أن كنت على استعداد ـ وأنا المغرق في حبك ـ أن أتخلى عنه حتى لا يصيبك منه أذى .

ولكن لم تكن هناك جدوى في محاولة التخلص أو التراجع .. ولو كانت هناك جدوى .. لتراجعت أنت .. فقد كنت أشد مني شعوراً بالوزر .. رغم أنك ـ في الواقع ـ أقل مني خطأ .. لقد كنت في السادسة عشرة .. ولكن عقلك ومشاعرك تجزم كلها بأنك فوق العشرين أو الثلاثين .

كنت لا تكادين تجلسين معي حتى أجد ذهنك قد شرد وبدا عليك الوجوم والحزن .. فأسألك في جزع :

  • ما بالك ؟
  • لا شيء !
  • لا تكذبي .. لقد طافت بك موجة حزن ؟
  • أجل .
  • لِمَ ؟
  • لأني أفكر أنه كان ينبغي عليّ ألا أجلس معك .. إني ” بنسمّ ” عندما أفكر في حبي لك ، وعلاقتي بك .
  • كفي عن هذا الكلام المرير .
  • كيف أكف عنه .. وأنا أشعر أني سارقة .. إني لم أرتكب من قبل خطأ .. ولم أتعود قط ثقل الضمير .

كنت تقولين هذا .. وأنت الأقل وزراً .. الأخف مسئولية .. فأنت الأصغر سناً .. والأقل تجربة ، وفوق كل هذا .. خالية بلا زوج !

فماذا أقول أنا .. الأكبر سناً . الأكثر تجربة .. الزوج !!

وهكذا بت أشعر بالوزر مما لم أعتبره من قبل وزراً ، وكنت أنت وحدك التي تشعرينني بالوزر .

وعدت إلى بيتي ليلتذاك .. وكنت قد طلبت مني أن أفكر فيك في الساعة العاشرة كل ليلة .. لأنك ستفكرين فيّ في تلك اللحظة ، حتى نستطيع أن نلتقي بالذهن إذا تعذر لقاء الجسد ، ضحكت وقلت لك :

  • لا حاجة بك إلى التحديد .. لأني أفكر فيك معظم وقتي .. العاشرة ، وما قبل العاشرة ، وبعد العاشرة .

ولكنك أصررت .. ووافقت على رغبتك .

وفي الساعة العاشرة بدأت أفكر فيك .. فوجدتها طريقة عجيبة .. للقاء .. لقد كان التفكير فيك يمتعني ، ولكن التفكير فيك .. في هذه اللحظة بالذات وأنا أعلم أنك تفكرين فيّ ، وأنت مستلقية على فراشك ترنين بنظراتك اللهفى إلى الفراغ ، وتهتفين باسمي باللهجة التي هتفت بها أنت بجواري في الظلمة .. كان يسبب لي نشوة عجيبة .

وهتفت باسمك هامساً ، وأحسست من فرط التفكير فيك كأننا متجاوران .

وكأن الراقدة بجواري .. أنت ، وليست زوجتي .

زوجتي !!

لشد ما خنتها بذهني ، وتفكيري .

ولكني مع ذلك أعوضها عن ذهني الشارد .. بجسدي الحاضر .. إن لك التفكير .. ولها الأفعال .

إني أؤدي لها كل واجب ملموس .. لا عن تصنع أو ادعاء .. ولا عن إرغام وفرض .. بل برغبة ورضاء ، لأني أحبها وأخلص لها .. بعد كل هذا كأخت .. أو كأم .. أو كابنة .. أو كصدقة .. أو كأي شيء .. عدا المعشوقة الملهبة المضنية .

أتراني كنت مذنباً في حقها ؟ أم ترى هناك ما يبرر ذنبي ، وهو أني فنان ، مجنون ، وهي عليلة .. ذابلة ؟

أجل ! هذا هو العذر الشرعي الذي يبرر جرمي في حبك .. وهو أني مصاب بجنون الحب الدائم ، والقانون كما تعلمين .. أو كما لا تعلمين .. يهيئ لكل جان الدفاع بما ينفي عن مسلكه معنى الخطأ بالاستناد إلى الأسباب المانعة كالجنون والغيبوبة والإكراه .

وأنا كنت في حبك في الحالات الثلاث المانعة من المسئولية .. كنت مجنوناً بك ، ومكرهاً على حبك ، وكنت منه في غيبوبة .

كيف أسأل عن جرمي .. بعد كل هذا ؟

وهكذا لم يكن أسهل عليّ من التخلص من الإحساس بالجرم .

ولست أدري بعد كل ما قلت .. وبعد ذلك الإسهاب في التحليل والشرح والتبرير ، أما زلت أبدو مخطئاً ؟

على أية حال حتى لو كنت مخطئاً فإن خطئي لا شك خطأ طبيعي تبرره الظروف ، وتسوغه الأحوال والأوضاع .

ألوان من الغيرة

8

متى التقينا بعد ذاك ؟

أذكر أننا التقينا بضع مرات لم نكن فيها على حدة ، وأذكر أنك أعطيتني أول خطاب حب صريح كتبته إليّ ، وجلست ترقبينني وأنا أقرؤه ، ولقد كان في الواقع ممتعاً .. لذيذاً .

ثم التقينا ذات مرة وكنت على موعد مع بعض صاحباتك فأنبأتني أنك لن تستطيعي البقاء معي .. وذهبت للقائهن ، طالبة مني أن أبقى لحظة فقد تعودين إليّ .

وكنت واثقاً أنك لن تعودي فآثرت الانصراف .

وفي اليوم التالي وصلني منك هذا الخطاب العجيب :

” كم أود لو أستطيع التعبير عما يجيش في نفسي ، ولكني أحس أن الألفاظ تخذلني .. ماذا أقول لك ، وأنا أشعر بدونك كالضالة التائهة ؟ لقد ذهبت بالأمس للقاء صديقاتي فلم أجدهن ، فعدت إليك على عجل وبحثت عنك في كل مكان ، وذهبت إلى الموضع الذي تعودت أن تضع فيه سيارتك ولكني لم أجدها هناك ، ووجدتني أعود وحدي إلى مكان لقائنا بطيئة الخطى مطأطئة الهامة .. وأجلس وحيدة أستعيد همساتك الحنون وعينيك المتطلعتين إليّ في لهفة وشوق .

كم أشعر بالأسى والحزن وأنا أجد الفرصة سانحة للجلوس معك بلا رقيب يزعج وحدتنا .. وأنت غير موجود .. لِمَ ذهبت ؟ لِمَ لم تمكث برهة كما طلبت منك ؟ لو بقيت لكنا الآن نجلس متلاصقين وأنا أضع يدي بين يديك فأشعر بالسكينة والدفء .

لماذا لا تأتي ؟ إني أناديك بنفس الطريقة التي تحبها ، ولكن ما فائدة أن تنادي شخصاً لا يسمعك ، رغم أنه يفكر فيك ؟ ولكن هل تفكر فيّ حقاً ؟ هل تذكرني كل ليلة في العاشرة ؟ هل تمسك بيدي وتهتف باسمي وتدعني أنام في هدوء لأمتع بأحلام ملؤها طيفك ؟

لقد أحسست من قبل ببعض ” الاستلطاف ” لبعض الأشخاص .. ولكن الشعور الذي أحسه لك شعور آخر يختلف تمام الاختلاف .. إنه شعور عميق ملؤه الحرارة والإخلاص .. شعور لن تخبو له على السنين بارقة أو يطفأ له على الزمن أوار .

إني سأغادرك الآن لأني لا أستطيع الكتابة .. فإني في حالة من الانفعال لا أملك لها دفعاً .

وماذا أستطيع أن أقول .. والألفاظ ـ كما قلت لك ـ تتضاءل أمام مشاعري .. هل يستطيع القزم أن يحمل جبلاً ؟

كذلك لا تستطيع أقزام الألفاظ أن تحمل ضخامة مشاعري .. إن ما بداخلي لا يستطاع التعبير عنه . ولكنك أنت قد تستطيع التعبير عنه في يوم من الأيام إذا قدر لك أن تكتب عني ، فأنت أقدر الناس على فهم الشعور وعلى جميل التعبير .

كل ما أرجوه منك هو ألا تنساني سريعاً .. أتوسل إليك . إني لا أستطيع أن أتصور كيف استطعت أن أعيش من قبل بدونك ، وكيف أستطيع أن أعيش بعد ذلك بعيدة عنك ؟ حمداً لله .. أن وهبنا العزاء في الأحلام والسلوى في الذكريات ” .

وتلوت خطابك مثنى وثلاث ورباع .. ومازلت أتلوه إلى الآن كلما استبد بي الشوق إليك .

حمداً لله .. أن وهبنا العزاء في الأحلام ، والسلوى في الذكريات .

كان يجب أن أكون أنا القائل هذا .. لا أنت .

إنه قد وهبني الأحلام والذكريات .. وهبني فوق هذا القدرة على الكتابة .. ومع ذلك .. فلا عزاء .. ولا سلوى .

حمداً لله .. والذي لا يحمد على مكروه سواه .

وكان لابد أن أرد على رسالتك ، إذ لم أكن أستطيع أن أراك قبل مضي مدة .

وترددت برهة في الكتابة . فقد كانت أول مرة أكتب إليك .. وبدا لي أني أمام امتحان .. وخشيت أن أرسب في الكتابة وهي صناعتي . والواقع يا أختاه أني فشلت فعلاً في كل كتابتي إليك .

كيف لا وقد كنت كثيرة الوساوس والشكوك . كنت تنقبين في كتابتي عن المواضع التي تثير ألمك وتهيج شجنك . أما بقية الكتابة الممتعة اللذيذة التي وضعت فيها كل مشاعري .. فقد كنت تعتبرينها مجرد صنعة ، وكنت تجزمين أني لا أقصد منها شيئاً .

كنت تعتبرين الإساءة مقصودة .. أما الإحسان فكيف ترينه احترافاً ؟ وإني أكتبه .. أكتبه .. كما أكتب قصصي !

وبعد تردد رددت عليك :

” أشعر وأنا أكتب إليك أني أجتاز امتحاناً عسيراً .

إني لم أتعود قط الكتابة المباشرة ، الكتابة إلى إنسان عزيز أعنيه بالذات . فلقد تعودت أن أطلق مشاعري في كتابتي بطريقة غير مباشرة .. تعودت أن أطلقها لتكون ملكاً مشاعاً لكل قارئ .

لم أتعود أن أخص بكلماتي مخلوقاً معيناً محدداً .. أكتبها له وحده ، وأسوقها إليه منطوية في صحائفها لا تنتهبها سوى عينيه ولا تمسها غير يديه .

لقد قلت في رسالتك إنك تعجزين عن التعبير بالكتابة عما يجيش في صدرك من مشاعر وأحاسيس .. فهل أستطيع أنا الاعتذار بذلك ؟ وهل يقبل مني مثل هذا العذر إذا أنا اعتذرت به ؟

أنا محترف الكتابة والتعبير .. وتاجر الأسطر والكلمات .

غير معقول !!

غير معقول أن أعتذر بالعجز عن التعبير .. رغم أني أشعر فعلاً بذلك العجز .. ورغم أني قد شعرت به من قبل وأنا أجلس بجوارك .. أتأمل في وجهك ، وأتفرّس في عينيك .

إني أحس بالقلم تائهاً بين الأفكار .. وبالأفكار تموج صاخبة في الذهن .. وبالذهن يتململ حائراً قلقاً في الرأس .

ماذا أقول لك ؟

بل لِمَ أكتب إليك والحديث غير متعذر .. واللقاء غير بعيد ؟

لِمَ أضع نفسي في هذا الحرج فأمتحن في كتابتي إلى أعز مخلوق كائن في الواقع .. لا في الوهم ولا في الخيال .

أول سبب يدفعني إلى الكتابة إليك .. أني أود أن أستزيد من لحظات قربك .. فأنا بكتابتي إليك أعيش معك في لحظات الكتابة ، وأتنقل بك بين السطور .

أنا أستدعيك بالقلم ، وأجلسك على الورق ، وأناجيك وأهتف باسمك ، وأرنو إليك .. وأنت تعرفين كم تمتعني مناجاتك والنظر في وجهك .

والسبب الثاني .. هو إحساسي بأني أكثر عجزاً عن التعبير بالقول مني بالكتابة .. وأني ـ رغم تهيبي الكتابة ـ لا شك قادر على أن أكتب لك الكثير مما لم أستطع قوله ، وأن ذلك الشيء المختزن بين جوانحي .. المضطرب في صدري الذي لم يجد له مخرجاً بالحديث .. قد يجده بالكتابة .. وأن الكلمات الصامتة الحائرة على شفتيّ لن تحتار كثيراً على طرف قلمي .

والسبب الثالث .. أني وجدت في خطابك نوعاً من الزاد أتزوّد به في فرقتك وأستعين به على بعدك .. فخيل إليّ أني لو كتبت إليك فقد أمنحك بخطابي زاداً تتبلغين به ، كما منحتني زاداً أتبلغ به .

أتجدينني مبالغاً ؟.. أم حسن الظن ؟.. أم ترين تقديري في موضعه ؟

ولكن مالي قد استرسلت في سرد دوافع الكتابة حتى ملأت الصفحات وأضعت الوقت وأنا لم أكتب إليك بعد .

ترى من أين أبدأ الكتابة ؟.. من أين أمسك بطرف الخيط المشوش المضطرب من أفكار تموج كالدوامة .

إني أجد طرفه في رسالتك .

رسالتك العزيزة المجنونة الملتهبة الحارة .. التي أكاد أحس منها حرارة عينيك ترنوان إليّ في شوق ولهفة .. وأكاد ألمس فيها دفء راحتك وأشم فيها عبير شعرك .

إنه قولك : ” إن ما أحس به لك إحساس آخر .. إحساس عميق . ملؤه الحرارة والإخلاص .. إحساس لن تخبو له على السنين بارقة ، أو يطفأ له على الزمن أوار ” .

إني أحس بإحساسك .. ولكني لا أجرؤ على مثل قولك .. لا لأني لست واثقاً منه . بل لأني أخشى غوادر الزمن وأكره تقلباته .

يا حبيبة الروح ! ما خذلنا كالزمن ، وما أضحكنا على أنفسنا مثله .

إننا نجلس الآن في نشوة .. هائمين كالفراشة .. ذائبين من الوجد والصبابة ، يجد كل منا في عيني صاحبه أقصى أمنيته ، ويصعب علينا أن نصدق ، كيف عاش أحدنا ما مضى من حياته بغير صاحبه ، وكيف يمكن أن يعيش بعد ذلك بدونه .. ثم نقسم مخلصين أن الزمن لن يستطيع أن يبهت صورة أحدنا من ذهن صاحبه .. ونقسم ، ونقسم .. ونكتب ونكتب .

وبعد عشرة أشهر ـ لا أقول عشر سنين ـ رغم ضآلة هذه وتلك في عمر الزمن .. بعد عشرة أشهر ننظر إلى ما كتبنا ونستعيد ما قلنا ، فإذا بنا قد صرنا سخرية أنفسنا .

أنا أكره الزمن ، لأن وظيفته هي أن يحطم مثلنا العليا ويهدم أمانينا الشم الروائع .

إني أود لو توقف الزمن الآن .. في هذه الفترة العجيبة حيث يصنع كل منا ذلك النموذج الرائع لصاحبه .. ثم يجلس لعبادته والتأمل فيه ، ويجد في ذلك منتهى سعادته .

أنا أحبك صادقاً مخلصاً .. وأومن بحبك الصادق المخلص . ولكني لا أومن بالزمن ، وفعل الزمن .

أنا أكره أن أكتب لك شيئاً يكون متعتك في الحاضر وسخريتك في المستقبل .

إن الزمن الساخر يتحرك .. والحاضر سيجري في وهاده فيضحى ماضياً .. والمستقبل البعيد المجهول سيقبل علينا فيضحى حاضراً .. معلوماً .. لا بعيداً ولا مجهولاً .. وأنا أود أن أكون في كل مراحل هذا الزمن المتحرك .. أود أن أكون .. دائماً .. دائماً .. ذلك النموذج السامي الذي ترينه الآن .

في لحظة من لحظات ذلك المستقبل البعيد المجهول .. ستكونين زوجة .. وأماً .. وستنظرين إلى الحياة نظرة جد مختلفة .. وتجدين أن لديك الكثير مما يشغلك عن ذلك الإنسان الذي كان شغلك الشاغل في ساعة من الزمن .. ستجدين أن لديك أبناء وزوجاً وبيتاً أصبحوا في حياتك كل شيء .

مادام الزمن يتحرك .. فإن هذا المستقبل مقبل مقبل ، آت .. آت .. وهذه اللحظات التي نعيش فيها الآن ذاهبة ، ذاهبة .. عافية عافية .

في هذا المستقبل المقبل .. كل ما أتمناه .. أن أظل محتفظاً بصورتي النموذجية التي ترسمينها لي الآن .. وأن تذكريني كإنسان حساس .. ذائب القلب وألا تسخري من حبي لك ، وأنت كما أنت ، وأنا كما أنا ، ذلك الحب الذي نقدسه الآن فيما بيننا ، والذي تخجل من أن نصرح به أمام الناس ، أريد منك أن تقدسيه دائماً ” .

ذلك هو ما كتبت لك .

وأكثر ما يبعث العزاء في نفسي الآن ، هو أني كنت سديد القول ، بعيد النظر ، حتى في أشد أوقات حبي جنوناً ونزقاً وطيشاً .

الآن ، وبعد أن تحرك الزمن كما توقعت ، فماذا فعل بنا ؟

لشد ما أعتب عليك يا حبيبة الروح !

لقد محوتني من ذاكرتك ، وأثبتك في ذاكرة الزمن ، لقد رفعتني من قائمة نفسك ، ووضعتك في قائمة الخلود .

بت لا شيء عندك ، وبتنا سوياً شيئاً على الزمن .

ما علينا ، ما جدوى عتاب ، من لا يسمع العتاب ؟

كيف تلقيت رسالتي وقتذاك ؟

لقد أحزنتك الرسالة .. وأنا الذي كتبتها لتسعدك .

تبدد كل ما كتبت مع الرياح ، ولم يستقر منه في نفسك إلا قولي : إنني أخشى الزمن .

وأرسلت تقولين لي إني لم أكتب الرسالة من قلبي ، وتتساءلين في حيرة : كيف أخشى الزمن ، وأنت لا تخشينه ؟ أليس لديّ من الإيمان بحبي قوة كافية للتغلب على هذه الخشية ؟ أيمكن أن تكوني أنت واثقة من بقاء حبك على الزمن ، وأنا غير واثق ؟

عجباً ! عجباً !

أتصدقين الآن أنك قلت هذا ، في وقت ما ، ترى كيف يقع من نفسك هذا القول في وقتنا هذا ؟

مضحك ؟! أم مرير أليم ؟!

عني أنا ، لست أملك إزاءه إلا أن أقلب شفتيّ وأهز رأسي في دهش وذهول .

ولقد خذلني رأيك في رسالتي ، وكرهت أن أفشل في أن أبلغك ما أود إبلاغه ، وأن تسيئي فهمي ، فتظني أني أخشى الزمن لأني غير واثق من حبي .

وقبل أن أرد عليك ، وصلتني منك كراسة ، كتبت فيها قصة أهديتها إليّ .

وأقبلت على القصة أقرؤها في شغف ولهفة .

ولم تكن القصة أكثر من قصتنا معاً ، أفرغت فيها على لسان البطلة ( التي هي أنت ) كل ما في نفسك من مشاعر ملتهبة وأحاسيس متأججة .

وكتبت في القصة كيف تعارفنا ، وكتبت عن لقائنا في ميدان السباق ، ووصفت تطلع كل منا إلى عيني الآخر طول السباق .

وكانت خاتمة قصتك أليمة مريرة ، فقد أصبت نفسك بداء الصدر بعد أن نأيت عني مرغمة يائسة حتى لا تجعلي من حبك عثرة في سبيلي ، وحتى لا تدمري به حياتي ، وفي الرمق الأخير دفعك الحنين إلى رؤيتي قبل الرحيل ، فسعيت إليّ وقضيت لحظاتك الأخيرة سعيدة بين يدي .

كانت القصة رائعة ، إذ لم تكن تزيد عن مشاعر مخلصة تنساب من نفسك المرهفة العاشقة في تدفق وقوة .

كانت انعكاساً عما في قلبك الجياش الزاخر الفياض . كانت شيئاً حياً ، لا أثر فيه لصنعة أو احتراف .

ولم أستطع بعد الانتهاء من قراءتها ، إلا أن أمسك القلم فأكتب لك مرة ثانية قائلاً :

” بي حنين إلى لقائك ، ولهفة على مناجاتك .

وكيف اللقاء على البعد ، والمناجاة مع الفرقة إلا بالكتابة ؟

أفلا أقل من لقاء على الورق . ومناجاة القلم !

إني لأشعر .. وقد انتهيت الآن من قراءة قصتك التي أهديتها إليّ برغبة شديدة في الكتابة إليك .. وأحس أني في حاجة ماسة إلى اختلاس بعض الوقت للتعليق عليها .

إن أول أثر تركته قصتك هو إيضاح جديد لذلك التوافق بين روحينا ، فإن أسلوبك في السرد تحليل المشاعر والحوار والوصف .. قد أكد لي أنك كاتبة .. فلا عجب بعد ذلك أن تفهميني ككاتب .. ولا عجب كذلك أن تنسجم ورحانا .. ككاتب وكاتبة .

هذا ما تركته القصة من أثر في نفسي باعتبارها مجرد قصة .

أما ما تركته باعتبارها شيئاً حياً ، أو باعتبارها حياة واقعة كائنة ، فهو كثير .. كثير جداً .

إن قصتك شطران : الشطر الأول .. وهو الواقع الكائن الذي ينبض به قلبك .. وتفيض به مشاعرك .. والشطر الثاني .. وهو الذي لم يقع ولم يكن ، ولكنه يلوح مهماً غامضاً وراء الأفق البعيد المجهول .

أما الشطر الأول .. فهو كما ينعكس من روحك ، سعيد مورق مزدهر .. ملء كأسه الهناء .. وملء ربوعه السعادة والنعيم .

إني أحس به كما تحسين .. إن صورته النعكسة من روحي تنطبق تماماً على صورته المنعكسة من روحك .. إننا نلتقي في كل ما نحس به ، ولو كتبت أنا عنه لما كتبت أكثر مما كتبت أنت .

أما الشطر الثاني .. البعيد المجهول .. فلشد ما نختلف فيه .. إنك ترينه أسود قاتماً .. ولكني أراه أبيض ناصعاً على الأقل فيما يختص بك .

إنك سعيدة بحبك .. وإنك ضنينة به .. تكرهين له أن يذوى ويذبل ، وتكرهين أن تري نهاية ذلك الشيء الممتع العذب الذي ملأ عليك حياتك وجعلك تعيشين في عالم نسج من الزهور والألحان . لشد ما يعز عليك أن تري نهاية حبك .. ولذا تفضلين ـ كما رويت في قصتك ـ أن تجعلي نهايتك قبل نهايته .. فتصيبي  نفسك الناضرة بالذبول قبل أن يذبل هو .. فإذا بك قد ذويت وبقي هو ناضراً على الزمن .

لا .. لا .. حاشاي أن أكون أنانياً إلى هذا الحد الذي أقبل فيه مثل هذه الخاتمة .

أنا أحبك ، وأنت تعلمين أكثر من أي مخلوق سواك كيف أقولها .

أحبك .. هل تسمعينها ؟.. بقلبك .. لا بأذنيك ؟

إني أحبك وأعتبر أن أول واجب عليّ نحوك هو أن أجعلك أنت هانئة قبل أن أكون أنا هانئاً .

أنت ما زلت صغيرة في مستهل عمرك .. لم ترشفي بعدما يطيب من كأسك .. ولم تأخذي بعد نصيبك من حياتك الطويلة .

أما أنا فرشفت كأسي .. وحددت مصيري .. ومن الأنانية أن أحاول العودة القهقري لأشاركك في كأسك .. وأربط مصيرك الحر بمصيري المقيد .

إن حبك يمتعني وينشيني .. ولكن عندما أجلس وأفكر ..  تنتابني تلك النوبات من الحزن التي رأيتني فيها ذات مرة .. لأني أحس بالخوف عليك من هذا الحب .

إنه يمتعك الآن .. ولكن ماذا سيفعل بك ـ إذا استمر على حاله ـ في مستقبل الزمن .. المستقبل اليائس الذي لا أمل فيه ؟

أنا لا أخشى على نفسي .. لأني أشد جلداً وأكثر احتمالاً للشقاء وصبراً على الأحزان .

ولكن أنت ؟.. كيف أتركك تنسابين في حبي ؟ وكيف أتمناه منك وأتوق إليه .. وأنا أعلم أنه كلما ازداد بك .. شقت عليك نهايته ، وقست خاتمته ؟

إن أكثر ما يعزيني في حبك كلمة قلتها لي .. وهو أنه يهبك السكينة والطمأنينة .

إن هذا هو خير ما أود أهبه لك .. الآن ومستقبلاً .

وما زلت كلما عصف بي اليأس .. أطمئن نفسي بأني سأحتفظ بروحك وقلبك وكل شيء فيك ، حتى أردك هانئة سالمة إلى مصيرك المقبل الناضر المزدهر .. لكي تواصلي حياتك مع مخلوق يستطيع أن يهبك ما لا أستطيع أن أهبك إياه .. ثم تذكريني كذكرى طيبة ومثل أعلى كما ترينني الآن .

لقد قلت عن رسالتي السابقة إني لم أكتبها من قلبي ، ولست أنكر قولك هذا ففيه الكثير من الصدق .. لأني لا أستطيع أن أمنع عقلي من التدخل عندما أكتب إليك . إني أكره ترك العنان لقلبي عندما أكتب إليك فهو قلب عربيد لا يعرف حدوداً ولا قيوداً .. قلب أناني أحمق مجنون .. لا همّ له إلا أن يعب من كأس حبه ، وينهل ما يشاء من مشاعره .

ولكني ـ كما قلت لك ـ أحبك أكثر من حبي ، وأكثر من قلبي .. ولذا أستعين عليك وعليّ ، وعلى القلب العربيد .. بشيء ساكن هادئ .. بعيد النظر ، هو عقلي .

احتمليه الآن .. فعندما يمر الزمن ويصبح الحاضر ماضياً .. ستشكرينه كثيراً ” .

تلك كانت رسالتي إليك .

رسالة مخلصة صادقة .. رغم أنها قد تكون الآن مبعث هزء وسخرية .. بعد أن قلب الزمن الأوضاع .. فوقاك شر حبك .. وألهبني بسعير هجرانك .. وحاولت أن أستعين عليك بعقلي .. فخذلني شر خذلان ، وتركني للقلب المهجور المجنون يسقيني من شوقه كئوس العذاب .. ويذيقني من لهفته مرارة الحرمان .

كنت أخشى عليك وقتذاك من حبك لي .. فقد كنت مغرقة فيه إلى حد الإفراط .. ممعنة فيه إلى حد الهوس .. حتى بدأت ألقى منك ألواناً من الغيرة .. لم تكن تخطر لي ببال .

كنت أقاسي من غيرتك ـ رغم أن الغيرة هي أقصى ما يتلهف عليه العشاق ـ لأني كنت أشعر أنها تعذبك ، أو ـ على حد قولك ـ تقتلك .

وعلامَ ؟.. على لا شيء !

لم يكن هناك قطعاً ما يستدعي غيرتك .. ولم يكن هناك أدرى بذلك مني .. فقد كنت مخلصاً إلى أدق حدود الإخلاص .. إخلاص في النظر وفي التفكير .. إخلاص في القرب وفي البعد .

وكان أول مبعث لغيرتك .. هو قصصي .. أو على وجه التحديد بطلات قصصي .

كنت تتوهمين من قصصي وقائع غرام حدثت لي .. وكنت تتخيلين في كل بطلة م عشوقة شغفت بها حباً .

ولست أبرئ نفسي من كل قصصي .. ولست أنكر أن بعضها به بعض الحقائق .. ولكن لم تكن بهذا القدر الذي تتخيلينه .. ولا كان هناك مبرر لأن تزعجي نفسك بأشياء وهمية .. حتى لو صح بعضها .. فهو لا يزيد على  أصداء لذكريات غابرة .

ولكنك اندفعت في تعذيب نفسك .

ولقد كا يحلو لك هذا دائماً .. فما خلت فترة .. من حبنا .. من إمعانك في تعذيب نفسك بشتى الوسائل .

وكنت أول الأمر تعذبين نفسك بتوهمك أني ألهو بك وأتسلى ، وأني لا أكن لك حباً حقيقياً .

فلما وثقت من حبي .. بدأت نوعاً آخر من الآلام . وهو آلام غيرة موهومة .. فلما دفعت عنك هجمات الغيرة . بدأت في نفسك وساوس القلق .. من أن أتركك كما تركت سواك ممن أحببت قبلك .. وأخذت أدفع عنك هذه الآلام فنجحت إلى أقصى حد .. حتى قلت لي ذات مرة :

” مهما فعلت من ذنوب فسيغفرها الله لك .. لأنك أسعدتني وأذهبت عني القلق والوحدة .. وملأت روحي بالطمأنينة .. ورويت نفسي الظمأى إلى الحب .. المحرومة من الحنان ” .

ومع ذلك فقد بقيت في نفسك مشكلة كبرى .. لم أكن أستطيع لها دفعاً ولا حلاً .

وهي غيرتك من زوجتي .

كنت تسائلينني كيف أجلس معها ؟ كيف أعاملها ؟ وكيف أحدثها ؟ ولتحين عليّ في أن أجيبك .. فإذا ما أجبتك .. انقلبت حزينة بائسة .

إني لأذكر ذات مرة وقد جلست تنسجين صديرياً من الصوف وحاولت مشاكستك فجذبت الإبرة الطويلة من النسيج فانحلت العقدة .. ونظرت إليّ عاتبة وأخذت في إعادة الإبرة إلى موضعها ووجدت إعادتها يستغرق جهداً لم أكن أتوقعه فقلت لك ضاحكاً :

  • لم أكن أظن أني سأعذبك بهذا القدر !

ورفعت رأسك من الصوف ونظرت إليّ نظرة حزينة وقلت هامسة بصوت ملؤه الأسى :

  • يا ريت عذابك كله كده !

وفاجأني قولك الحزين وتمنيت أن أحتويك بين ذراعي وأضمك إلى صدري وأذهب عنك لوعتك وأبدد حزنك .. ولكن لم أملك إلا أن أطأطئ رأسي وسط الجمع  المحيط بنا وأجيبك هامساً :

  • أنا آسف .

وكنت أحس من عذابك عذاباً شراً منه .. ولكن لم أكن أملك حياله شيئاً ، فقد كنت لا أكاد أدفع عنك غيرتك من زوجتي حتى تقولين في حزن :

  • لا تنصح بشيء لم تجربه .. ماذا تفعل لو كنت مكاني .. وأنا أجلس الليل وحيدة وأتخيلك بين أحضانها .. ولكني مع ذلك لا أملك إلا أن أحتمل .. على أية حال دعنا من هذا .. إني آسفة لأني أزعجتك .. ولكن أعدك بألا أحزن بعد هذا .

كان أمرنا غريباً .. وبات يزداد على الزمن غرابة .. فلقد كان الحب يتمكن بيننا على مر الأيام .. وكان كل منا يشعر أنه قد أضحى جزءاً لا يتجزأ من الآخر ، وأن له حق تملكه والتحكم فيه .. كل ذلك دون أن نعرف لنا غاية ، أو على الأصح ، ونحن نعرف أننا بلا غاية .

لقيتك ذات مرة في بيت صاحبتك . وكنت أعرف أنك تحبين العزف على البيانو .. وسألتك أن تعزفي .. فرفضت . وعجبت لرفضك ، ولكنك قلت لي :

  • إني لا أجيد إلا عزف الموسيقى الغربية ، وأنا أعرف من كتبك أنك لا تحبها ، فإذا ما سمعتها مني الآن ، فسيكون إعجابك مجاملة ، وأنا أكره أن أسمع منك مجاملة ، بل أريد أن تكون كل مشاعرك صادقة عميقة حقة .

ومرة أخرى قلت لي في نهاية لقائنا :

  • لقد قلت لي كلمة ملأتني سعادة ، وجعلتني أشعر أنك تحبني حقاً .. إني أجعلها ذخيرة العمر ، أذكرها كلما همني هم أو احتواني حزن .

وسألتك في دهش :

  • وما هي ؟
  • لن أقولها لك .
  • لم ؟!!
  • لأني لو قلتها لك فستفقد قيمتها بعد ذلك إذا ما أعدت قولها لي ، لأني سأظن أنك تقولها مجاملة .

كنت مخلوقة عجيبة تكرهين المجاملة ، وترغبين في إظهار الشعور الصادق العميق .

وكنت تقولين لي إنك تحبين فيّ أني لم أحاول قط أن أمتدح ثوبك أو أتملق مظهرك .

وحدث في ذلك اليوم الذي لقيتك فيه في بيت صاحبتك أن عرضت عليّ بعض صور لك ، وجلسنا نتسلى بمشاهدتها حتى توقفت أمام صورة لك ، وقد وقفت تبتسمين بجوار فتى وشعرت من الصورة بضيق وسألتك عمن يكون الفتى ؟

ولا شك أنك أدركت أن لسعة الغيرة قد مستني .

وكنت على حق ، فقد شعرت بالغيرة عليك لأول مرة ، فقد كان إقبالك المفرط عليّ وحبك الشديد لي ، يجعلني من حبك في طمأنينة دائمة ، فلم أشعر بالغيرة عليك من قبل .

وضحكت وقلت عاتبة :

  • هذا صديق لابنة عمي .
  • وعلام احتفاظك بصورته ؟
  • مجرد ذكرى .

وقلت لك بلهجة الآمر :

  • مزقيها .

ودهشت ، وبدا عليك الضيق والتبرم ، فإنك لم تتعودي مني مثل هذه اللهجة الآمرة ، وأجبت متسائلة :

  • ولِمَ ؟
  • لأني أريد أ ن تمزيقها .
  • إني أكره أن أتلقى أمراً .
  • حتى مني ؟
  • من أي مخلوق .

وشعرت بالغضب ، وقلت لك آسفاً :

  • كنت أظن أنك لن تعصي لي أمراً .
  • هذا أمر لا مبرر له !
  • إنه أمري وكفي .
  • أنا أكره كل أمر .

وأضحت المسألة أشبه بالتحدي ، ولم تكن الصورة تمهني كثيراً ، ولكني كرهت عنادك وقلت لك :

  • كان يسعدني أن ترضخي لأمري أياً كان !

ثم صمت .. ولم نعد بعد ذلك للحديث في الصورة ، وعندما حل موعد انصرافك ذهبت صاحبتك لتوديعك إلى الخارج ، وجلست أنا على الأريكة واجماً .

وعند عودتها أحضرت إليّ قصاصات الصورة بعد أن مزقتها ، وهي تودعك بالباب .

وأمسكت بالقصاصات فأخرجت منها القصاصة التي بها وجهك ، فاحتفظت به ، وأريته لك عندما التقيت بك بعد هذا ، فقلت ضاحكة :

  • كنت أعلم أنك ستحتفظ به .
  • وأنا أيضاً كنت أعلم أنك ستمزقين الصورة قبل أن تغادري الدار .

هذه كلها صبيانيات تافهة .. لست أدري ما يجعلني أستعيدها لأنثرها من الذهن على الصفحات .

إنها تفاهات قد تبدو مملة من كاتب يريد أن يمسك بتلابيب قارئه ، ويحبك له القصة ، ويطرد عنه السآمة والملل .

ولكن ما لي أنا والقارئ ، وللقصة ؟

إني أكتب الآن لك .

هذه قصتي الأخيرة كما قلت لك ، التي يعلم الله إذا كنت أستطيع تتميمها أم لا ، بل إذا كانت ستصل إليك أم لا !

ولكني مع ذلك أكتب فتلك هي صنعتي ، وذلك هو عزائي ، ولا أظن هناك كائناً من كان يستطيع منعي عن الكتابة .

إني أعتصر البقية الباقية من حياتي على هذه الأوراق . أعتصر البقية الباقية من نصف الإنسان ، الراقد على الفراش .

إن الممرضة تحاول منعي ، ولكني أفهمتها في قسوة وإصرار أني لابد أن أكتب ، أراد الطبيب أم لم يرد .

وقلت لها :

  • إذا كانت الكتابة ستضرني ، فإن ترك الكتابة سيقتلني .

وهكذا تركوني أكتب .

حمداً لله مرة أخرى ، لأنه ترك لي النصف الذي أستطيع أن أكتب به .

ترك النصف الأيمن ، وأشل الأيسر .

أنا نصف إنسان ؟!!

من كان يصدق هذا ؟

أتصدقين أنت ؟!

أتصدقين أن هذا الجسد المتين البنيان المنتصب القامة الذي كان يحتويك بين ذراعيه قد بات أشل عاجزاً ؟!

ولكن علام هذا الحديث عن نفسي !

عذراً . إني ما قصدته قط .. ولكن القلم قد زل به .

دعينا من الحاضر البغيض .

دعينا منه ولنواصل الحديث عن ماضينا الممتع ، وعن سويعاتنا الحلوة معاً .

بداية النهاية

9

كنت أقول إن كلاً منا بات يشعر بتملكه للآخر وحقه عليه ، تملكاً صورياً ، وحقاً موهوماً .. فقد كان كل ما بيننا لا يزيد عن الأحاديث والكتابة ، وكان أقصى ما حدث هو ما نلته من ذلك التماس بين الشفتين في الظلمة وما سببه لك من آلام وأحزان .

وكنت دائماً تحاولين تجنب لقائنا منفردين .. كنت فزعة خائفة .

حتى حدث ذات يوم أن دق التليفون في مكتبي ، وسمعت صوتك تسألين عني في شيء من الوجل .

وأجبتك في شوق وفرحة ، وسألتك متى أستطيع أن أراك ، وكنت أعرف أنك ـ كعادتك ـ ستحددين اللقاء عند صاحبتك ، وأني لو عرضت عليك الذهاب للسينا أو اللقاء وحيدين في مكان ما ، فسترفضين لأنك تخشين الظلمة ومس الشفاه .

ولكن لدهشني الشديد أجبت في صوت خفيض :

  • تستطيع أن تراني متى تشاء .
  • أين ؟!
  • حيثما تشاء ، فسأكون وحدي .
  • حقاً ؟!

وقلتها في فرحة شديدة ، ثم اتفقنا على مكان اللقاء والموعد .

وقبل الموعد كنت في طريقي بالسيارة إلى المكان الذي سألتني أن أنتظرك فيه ، ولم تمض بضع دقائق حتى أبصرتك تقبلين في خطى عجلة وجلة ، وفتحت الباب بسرعة ثم جلست بجواري قائلة :

  • هيا بنا .

وانطلقنا .. انطلقنا بكل ما في معنى الكلمة .

انطلقنا بسيارتنا وبأنفسنا وقلوبنا ومشاعرنا وأرواحنا .

كان الوقت أواخر الشتاء ، وبرودة الجو لطيفة محتملة ، والسحب في السماء تعدو متلاحقة ، كأن إحداها تمسك بتلابيب الأخرى ، وهبّات الريح تنذر بالمطر ، والطريق المؤدي إلى الصحراء قد بدا خالياً ساكناً ..

وأنت .. أنت يا حبيبة الروح .. يا منية النفس الدائمة الخالدة . يا أنشودة القلب في كل زمان ومكان ، مهما نأيت ومهما هجرت ومهما أسأت .

أنت .. جالسة بجواري متطلعة ببصرك في هدوء إلى ما وراء زجاج العربة ، وأنا أرقبك بين آونة وأخرى وقد ارتديت ” بلوزة ” بيضاء من الأنجورا ، وبدا عنقك من ياقتها المستديرة المغلقة وكأنه عنق تمثال أبدع فيه صانعه ، ورأسك قد استقر على عنقك ، وقد شع منه سحر عجيب ، وفتنة أخاذة .

وانطلقت من صدرك تنهيدة حارة ، ثم تركت رأسك يستند في استرخاء على كتفي ، وقلت متسائلة :

  • إلى أين ؟
  • إلى حيث تشائين .
  • إلى ما لا نهاية .. اذهب إلى حيث لا نستطيع العودة . إني أحس بسكينة كبرى ، واستقرار عجيب . ليتنا نضل معاً ، فإن ضلالنا سوياً هو خير هداية في حياتي .

واندفعنا بالعربة في الطريق الصحراوي مخلفين وراءنا كل أثر للعمران والحياة .

وتركنا الطريق إلى جوف الصحراء ، وسط الرمال المنبسطة على امتداد البصر ، واختفى كل شيء عن أعيننا وكل صوت عن آذاننا ، وبت وإياك وحيدين بين السماء والأرض .

وأوقفت السيارة . وعم السكون وراء الصمت ، كأن المكان قد أقفر حتى منا .

ونظرت إليك ، ونظرت أنت إلى الفراغ البعيد ، وأخيراً التفت إليّ ، وهتفت باسمي بطريقتك الذائبة المتوسلة اللهفى .

كنت أشعر بظمإ شديد إليك ، وما أظن ظمأك كان أقل من ظمئي ومددت ذراعيّ نحوك فأحطتك بهما وضممتك إليّ .

وقلت وأنت تحاولين مقاومة ضمي :

  • دعنا نتحدث .

ولم آبه لقولك ، وأخذت أضمك إليّ حختى التصق صدرانا وتماس أنفانا ، وشممت رائحة أنفاسك الحارة ، فسرى منها إليّ ما يشبه التخدير ، تخدير ممتع لذيذ ، وأخذت أستنشق عبيرها في نهم عجيب .

ومضت فترة ، وأنا ملصق طاقتي أنفي بطاقتي أنفك ، كأني أخشى أن يتسرب من أنفاسك العطرة شيء إلى الخارج دون أن أحتويه في صدري .

وأحسست بك تحركين وجهك حركة  خفيفة رافعة ذقنك إلى أعلى حتى انطبقت شفاهنا .

وأغمضنا أعيننا بلا وعي ، وزدنا شفاهنا ضغطاً حتى تماست أسناننا .

وخلدنا إلى السكون وقد تراخت أعصابنا ، ورحنا في شبه إغفاءة .

وأخيراً فتحت عينيك وسحبت شفتيك من شفتي ، وفككت حصار يدي من حولك .

وأخذ كل منا يحدق في عيني صاحبه وهمست أنت قائلة :

  • قل شيئاً .
  • كل ما سأقوله سيكون تافهاً إلى جانب ما يزخر به باطني .. إن أقصى ما أستطيع قوله .. إني أعبدك .
  • وأنا أيضاً أعبدك . إني ملكك وحدك . كم أوحشتني غيبتك ، وكم ناجيتك في سكون الليل . كنت أسألك وأتخيل إجابتك عليّ ، فأرد على  إجابتك الموهومة ، وأظل أتحدث معك كأنك كائن أمامي . ضع رأسك في حجري ، ودعني أتحسس شعرك .. دعني أحقق كل ما تمنيته وكل ما كنت أفعله معك في الأوهام والأحلام .

ولم يكن من الميسور أن أضع رأسي في حجرك ، ونحن جالسان في المقعد الأمامي من العربة .. وسألتك أن نجلس في المقعد الخلفي حيث المكان أكثر اتساعاً .

وكان المطر قد بدأ يتساقط دون أن نحس به أو بالرياح التي أخذت تهب عاصفة عاتية .

وفتحنا باب العربة وانتقلنا بسرعة إلى المقعد الخلفي فانتحيت أنت أحد أركان المقعد ووضعت أنا رأسي في حجرك ممدداً جسدي على المقعد ، ماداً ساقي على نهاية حافة المسند الأمامي .

وأخذت تخللين شعري بيدك ، عابثة به ، وقلت وأنت تنظرين إلى وجهي وتحدقين في عيني من عل :

  • إنك تبدو كطفل صغير .. وإني أحس لك بحنان الأم .

ولم أملك إلا أن أضحك ، فقد كان عجياً أن ينقلب الحال فأصبح أنا الطفل وأنت الأم .. أنا طفل في الثالثة والثلاثين وأنت أم في السادسة عشرة !

ومددت أصابعك تتحسسين أنفي وشفتي .

ورفعت أنا يدي على غير إرادة فتحسست بها شعيرات بيضاء نبتت في فودي ، وقلت لك ضاحكاً :

  • أيتها الأم الصغيرة الحلوة .. ألم تلاحظي الشيب الذي قد دب في فودي طفلك .. ما رأيك في هذه الشعيرات البيض ؟

وأخذت تتحسسينها برفق أصابعك .. وهتفت في لهجتك الذائبة :

  • إني أحبها .. وأحب كل شيء فيك .. دعني أقبلها .

وانحنيت برأسك فوق رأسي ، وأخذت تقبلين فودي في شوق وحنان أنت تهمسين :

  • سأقبل كل شعرة فيها . إني أعبدك . أعبدك وأعبد كل شيء فيك .. كل ما بك يستحق العبادة .

ما كان أعجبك وأعجب حبك .

إني ما لقيت في حياتي .. أعذب من حبك ولا أشهى ..

أجل يا حبيبة الروح . ما أحبني أحد كما أحببتني أنت . ما أظن إنساناً قدأحب إنساناً كما أحببتني .

كان حبك أروع وأجمل من كل ما كتب عن الحب والعشاق .

كيف لا وأنت تهمسين في صوتك الذائب وجداً :

  • لن تستطيع أن تعرف الآن كم أحبك .. من العبث أن أحاول وصف مشاعري لك .. ولكنك قد تعرفها على حقيقتها في زمن ما .

زمن ما !! أي زمن ؟! لشد ما خذلنا هذا الزمن . لعنة الله عليه .. وعلى كل من توقع منه خيراً .

وسألتني أن أحدثك كيف أحببتك .. ولم يكن هناك أمتع عندي من هذا الحديث .. فاندفعت أقصه عليك .

وبين آونة وأخرى كانت الأذرع تلتف في شوق .. والصدور تتلاصق في لهفة .. والشفاه تنطبق في شدة .. والأعين تغمض في رفق .. والرؤوس تغفى في  نشوة .

إننا لم نمل الحديث .. ولم نمقل القبل .

لقد قبلتك يومذاك .. حتى التهبت شفتاك .

وحلت بنا الظلمة ونحن عنها ساهيان .. وبدا عليك الوجوم والحزن وأنت تقولين :

  • كم أكره الفرقة .. ترى كيف تكون آخرة حبنا ؟ وددت لو غادرنا الحياة معاً ، وخلفنا الدنيا بمرارتها وسيئاتها .

تلك كانت أمنيتك وقتذاك .. أن نجتمع كموتى بدل أن نفترق كأحياء .

ولكن لم يكن من الفرقة بد .. فافترقنا أخيراً .

وفي اليوم التالي وصلني منك خطاب .

كان خطابك هذا بمثابة تسليم بالواقع .. ورضاء عن كل ما حدث بيننا .

كان خطابك يجزم بأنك لم تندمي على لقائنا قط ، وأنك قررت راضية أن نتمتع بحبنا على وضعه اليائس الذي لا يتيح لك أملاً في المستقبل ، والذي لا يهيئ لك إلا متعة حاضرة وألماً متوقعاً .

لقد قررت فيه أن تقبليني كما أنا بعد أن أحسست أن ليس هناك من يستحقك ويستحق حبك .. أكثر من هذا المخلوق المقيد إلى سواك .. لقد عزمت على أن تندفعي إلى أحضاني صامة أذنيكم إلا عن صوت قلبك .

والتقينا بعد ذلك بضع مرات .. في نفس المكان ونفس الموعد ، وظللنا نرشف من النعيم ، حتى وصلتني منك رسالتك التي أستطيع أن أعتبرها بداية النهاية .. والتي تبين أقصى الصعود في علاقتنا ثم تشير إلى بدء الهبوط .

كانت رسالة حزينة قلقة شاكية .. بدأتها بأنك تلجئين إليّ كصديق .. لأنك في أزمة نفسية حادة ، وأخذت تعددين مسببات ضيقك وحزنك وألمك .. وكان أعجب ما فيها ـ بالنسبة لي على الأقل ـ هو أن إحدى بنات عمك تثقل عليك بإخبارك أنها رأت صديقاً تعرفت به في بعض المناسبات يصاحب هذه الفتاة أو تلك .. كأنما هذا الصديق يعني شيئاً لديك ، أو كأنها تحاول أن تدخل في روعك أنك تحبينه .. مع أنه لا يعني لديك شيئاً .. ثم أخذت بعد ذلك تتحدثين عما يثقل ضميرك قائلة :

” إني في حاجة إلى إنسان أفضي إليه بدخيلة نفسي .. إنسان يفهمني .. إني أشعر بثقل الضمير ، ولست أريد أن أسبب لك إزعاجاً .. ولكني واثقة أن ضميرك أيضاً يقل عليك كما يثقل ضميري عليّ ، فحساب الضميرين مشترك بيننا . كم أتمنى ألا أغضبك بقولي .. وكم أتمنى أن تساعدني على فعل الصواب ، وعلى تجنب الخطأ .. إني أود أن أكون في باطني بريئة مستقيمة ، كما أبدو أمام الناس ، وكما يعتقد فيّ كل من يعرفني ، دعنا نكف عن اللقاء وحيدين .. إننا نستطيع أن نتمتع بلقائنا عند صاحبتي وفي الحفلات وبين الصحاب .

” إني أعرف أني ـ برغبتي هذه ـ أحرم نفسي وأحرمك من متعة كبرى لا نستطيع تعويضها .. ولكن لا تنس أننا نرتكب خطيئة بمجرد إحساس كل منا بحب الآخر .. إن حبنا المستتر في القلب خطيئة ، ولكنها خطيئة لا قبل لنا على دفعها ، فلماذا نضاعفها بارتكاب أشياء نستطيع تجنبها والحياة بدونها ؟

” دعنا نكون أمناء بالقدر الذي نستطيعه .. أمناء على الأقل في الظاهر .. ما دمنا لا نستطيع أن نمنع خيانة قلوبنا .

” ليتك تقبل رجائي وتساعدني عليه بصدر رحب ، وبفرحة المقدم على واجب لابد من أدائه لا بأسف المقدم على حرمان نفسه من لذة ممتعة .

” لقد كتبت قصة جديدة أرسلها إليك علها تعجبك كمجرد ” قصة ” .. أو على الأصح كمجرد محاولة ” قصة ” ، لقد كتبتها لمجرد التسلية ، ولأبين فيها قسوة الحياة وضعة البشر ، ولست أقصدك بالطبع ضمنهم .

” والقصة بالطبع غير واقعية ، فأنا لا أكن لبطلها أي إحساس ، وما شعرت له بأكثر مما شعرت لأي صديق ، أو صديقة ، إنه مجرد غر أحمق لم يكن من الذكاء بحيث يستطيع خداعي .

” وإنه ليسرني أن تؤلمك القصة ، وأن تحس منها بعض الضيق حتى تدرك كيف أشعر ، وأنا أقرأ قصصك الغرامية الواقعية ، رغم أني لم أقصد بها قط إيلامك .

” أنا أعلم أن رسالتي هذه ستؤثر في نفسك كثيراً .. ولكني مكرهة عليها لأني في حالة نفسية مزعجة .

” إني أشعر الآن ـ بعد الكتابة ـ بشيء من الراحة بعد أن أفرغت ما في صدري .. شكراً على إنصاتك لي .. وتقبل أعمق حبي ” .

أعمق حبك !!

من أين أتقبله ؟!! من هذه الرسالة ؟!! أمجنونة أنت ؟

أتعتقدين حقاً أنه يبدو منها حب عميق . أم تحول عجيب ؟

إني أتسطيع أن أقرأ ما وراء الكتابة .. بل وما وراء ذهنك .

إنك حزينة لأن ابنة عمك أخبرتك أن صاحبك ( الذي تؤكدين أنه لا يعني لديك شيئاً ) قد أبصرته مع هذه الفتاة أو تلك .

ماذا يحزنك من ذلك وهو لا يعني لديك شيئاً ؟

وهذه القصة التي كتبتها لثورتك على البشر .. ولإرضاء نفسك الساخطة عليهم .

لِمَ تثورين عليهم ، إذا كان الرجل الذي تعبدينه ، مازال يعبدك ؟ وأي رجل هذا الذي تكتبين عنه قصة ؟ رجل تدعين أنك لا تكنين له إلا إحساس صديق .. ثم تقولين بعد ذلك إنه لم يكن من الذكاء بحيث يستطيع خداعك ؟

إنك تدعين أنها ليست حقيقية .. ثم تعلنين عن رغبتك في إيلامي .

ما كل هذا الخلط و ” الكركبة ” و ” اللخبطة ” .

وما الذي حرك ضميرك وأنت المعلنة عن أقصى رضائك بما كان بيننا ؟!

أترى قد جد جديد في مشاعرك ؟!

قاتل الله الوساوس والشكوك .. لقد بدأت أحس بالغيرة القاتلة .

ومع ذلك ـ ورغم ما في رسالتك من بوادر إزعاج ـ فقد تقبلتها بمنتهى الهدوء .. وقلت لنفسي : إنك لا شك مضطربة .

ولم يضايقني من رسالتك رغبتك في عدم اللقاء وحيدين فقد كنت ـ رغم متعتي بلقائك ـ أكره أن أسبب لك متاعب أو مضايقات ، وكنت دائماً على استعداد تام لأن أضحي بكل متعة في سبيل إرضائك وطمأنينتك .

وعلى ذلك فقد تقبلت عرضك عن طيب خاطر ، وقلت لنفسي إني أستطيع أن أقنع منك حتى بمجرد التفكير فيك مادمت واثقاً من صدق مشاعرك .

ولكن ما أزعجني هو ضيقك من حديث ابنة عمك ، وأزعجني أكثر من هذا .. قصتك .. التي كتبتها على سبيل التسلية ـ و أنت مغرقة في حبي ـ عن شخص آخر .. كل هذا طاف بذهني وأنا لم أقرأ القصة بعد .. طاف بذهني من مجرد رسالتك .

وقبل أن أقرأ القصة أسرعت بالكتابة إليك محاولاً جهدي إزالة أحزانك . قائلاً لك : إنه يكفي أن تفكري في حبي لك حتى تزول كل أحزانك ، وأني كنت أعتقد أنك مثلي ، يكفي مجرد التفكير فيّ لتبديد كل المتاعب والهموم ، وعاتبتك قائلاً : إني ظننت أني أحتل في قلبك موضعاً يهيئ لي طرد كل ما به من أحزان وأشجان .

وخيل إليّ أن كتابي سيضع حداً لحالتك هذه ، حالة التوتر والحزن . ولكني وجدت أن رسالتي ، ككل رسالة  كتبتها لك ، قد فشلت في تأدية غرضها .. وأنها سببت لك إزعاجاً فوق إزعاج وأنها على حد قولك : روّعتك .

وليس أدل على ذلك من رسالتك نفسها التي رددت عليّ بها .

كانت رسالة عنيفة حارة ملتهبة ثائرة ، قلت فيها :

” لقد أوجتني رسالتك ، بل قتلتني قتلاً ، ومزقتني من الداخل إرباً .. لقد استدرت الدمع من مآقي ولو تركته لانهمر كالمطر ، ولكن كان لابد من التجلد والتماسك ، فإني لم أكن وحدي ، وإني لم أعد بعد صغيرة ، ويجب أن أكتب مشاعري وأخفيها في باطني .

” لماذا تحدثت ؟ وما هذا الذي قلت ؟

” كيف تشعر أنك لست أهلاً لمنحي السعادة والسكينة التي أحتاجها ؟ هلا تعرف أن هناك بعض المنغصات في حياتنا لا يستطيع إزالتها إلا مسببها ؟

” كيف تجسر على التشكك في موضعك من قلبي ؟ كيف تجسر على ذلك ؟ أجننت ؟ أتقول ذلك وأنت في وعيك وتمام عقلك ؟

” لشد ما قسوت عليّ بقولك هذا ، ولشد ما عذبتني به .

” هل تستطيع أن تتصور حالي من الألم والعذاب ؟ أنت تدرك تماماً مبلغ حساسيتي !

” وإنها قد تكون أنانية مني أن أفكر في نفسي أولاً ، ولكني معذبة موجعة .

” إني أهتف باسمك كما تعوّدت أن أهتف . أستمع إليّ فلا شك أن هتافي واصل أذنيك ـ أو كما تقول أنت ـ لقلبك .

” صدقني يا حبيبي وثق بي ، لقد كتبت لك ما كتبت في رسالتي السابقة كصديق ، فالصديق هو الذي نلتمس معونته إذا ما أصابتنا شدة ، فهل يعني ذلك أني لا أحبك ؟

” هل يعني ألا أحبك مجرد كوني في حالة نفسية لم تساعدني على مخاطبتك كما يتخاطب الأحياء ؟

” وما الحب ؟ أليس هو ـ قبل كل شيء ـ صا دقة خالصة لا تشوبها شائبة ؟

” يا حبيبي . إني أتعذب . إني لا أستطيع الكتابة ولا أستطيع التفكير لأني أكاد أجن ، لقد شككت في حبي من مجرد قراءتك الرسالة .. شككت فيه وأنت لم تقرأ تلك القصة الحمقاء بعد ، فماذا سيحدث إذا ما قرأتها ؟

” ويحي ! إني أخشى أن تتلف كل شيء .

” ماذا أفعل ؟

” ولكن ، ليحدث ما يحدث ، إذا لم تثق في حبي ، فلست أهلاً له .

” ماذا كتبت لك حتى تقول لي إن موضعك لم يعد كما هو ، وماذا أفعل لأثبت لك أني لم أتغير ولن أتغير ؟

” إني لا أستطيع أن أرغمك على الثقة بي ، فلن تتبع إلا وحي قلبك مشاعرك .. إني لا أملك إلا التوضيح والرجاء ، وعليك أنت أن تفهم وتقبل .

” ألا تثيرك أنت بعض مضايقات في عملك أو في بيتك ؟ لِمَ تأبى عليّ أنا أيضاً أن أثور وأتضايق !! أتأبى عليّ أن يزعجني إلحاح ابنة عمي السخيفة وملاحظاتها الثقيلة التي تريد أن تثبت بها أني مشغوفة بصاحبها الصبي الأحمق .

” ألا يضايقني هذا ؟! أيعجبك أنت أن يظن أي إنسان أني أعيره أدنى التفات ؟

” إني واثقة أنه لن يعجبك .. أفلا أكون على حق إذا أنا غضبت أو ثرت ، لأني لا أحب سوى مخلوق واحد هو أنت ولا أريد من أحد أن يعرف أني أحبه ، إلا أنت ؟

” هل هناك ، ما أستطيع قوله أكثر من هذا ؟

” وهل هناك طريقة أخرى لتفسير مشاعري ؟

” إنك تعرفني جيداً ، وليس هناك من يستطيع فهمي أكثر منك .. إني لا يضيرني قط أن أخبرك بكل ما فعلت في حياتي لأنه ليس به ما يشين ، ولأني أعرف أنك واثق من موضعك في قلبي ومن قيمتك عندي .

” وأرجو بعد كل هذا أن تبعد من ذهنك هذه الوساوس وأن تذكر أن هناك أشياء قد تحزنك ولا يفلح حبي لك في تخليصك منها . وكذلك أنا .. وليس يعني ذلك أني لا أعبأ بك أو أنه لا قيمة لك عندي .

” إنها المرة الأولى أن أصاب بأزمة نفسية وألجأ إليك بحثاً عن المعونة والسكينة .

” لقد دفعني توتر أعصابي إلى الشجار مع إحدى الصديقات في هذا الصباح . ولكني لم أكد أتسلم رسالتك حتى نسيت الصديقة ، ونسيت شجاري معها ، وأحسست بالسعادة والهدوء .. تلك هي إحدى الحالات التي يجدي حبك فيها ، والتي يستطيع معاونتي على التخلص من أحزانها .

” أما إذا كانت رغبتي في عدم لقائنا وحيدين هي التي دعتك إلى التشكك في حبي ، فانس كل ما قلت ، واذكر شيئاً واحداً وهو أني على استعداد لأن أتبعك حيثما تشاء حتى إلى أقصى الأرض .

” يا حبيبي !! إني لا أستطيع الشرح أكثر من ذلك ، فإذا كنت لم تقتنع بعد كل هذا ، فليس أمامي سوى الاستسلام لسوء حظي . على أية حال ، سأحبك حتى آخر رمق في حياتي .

وثقت بي أم لم تثق .. بقيت على حبي .. أم محوتني من ذاكرتك .. ” أني أحبك ” .

ملحوظة :

إني آسفة لأني قد مزقت رسالتك . لأني أحسست أنها ستبكيني في كل وقت أعيد قراءتها . إني أكره أن أمزق شيئاً كتبته أنت ، ولكني أيضاً أحب ألا أستبقي منك سوى الذكريات العذبة الهنيئة .. أما الخصام والحزن والأسى ، فإني أود أن يتبدد مع الرياح . ولذا أرجو أن تمزق خطابي الذي أحزنك حتى ننسى كل شيء عن هذا الخصام ونعود .. سعيدين كما كنا .

تلك هي رسالتك !

وأكون مجنوناً سخيفاً مغروراً ، لو طمعت في أكثر منها ، اعتذاراً وتفسيراً وتوطيداً للحب ، وتأكيداً للوفاء

وأكون كافراً أستحق اللعنة ، لو لم يتبدد حزني ، ولم أحلق من الفرح في أرفع السموات .

فلست أظن هناك أبين منها ولا أحر ولا أخلص .

ومع ذلك فقد أبى القدر السيئ إلا التدخل ، فجعلني أقرؤها بطريقة ، أضاعت الكثير من وقعها ، وبددت الكثير من أثرها .

إن سوء الحظ إذا ما بدأ ، فلن ينتهي حتى يتلف كل شيء . كذا فعل بنا سوء الحظ ، لقد بدأ يزج بنفسه بيننا فلم يتركنا إلا وكل ما بيننا قد أضحى حطاماً .

إن كل ما حدث بعد ذلك من خصام كان نتيجة خطأ في توقيت قراءة رسالتك .

لقد قلت إني أرسلت رسالتي السابقة التي تشككت بها في حبك قبل أن أقرأ القصة .

ودعتني الظروف ودواعي العمل إلى تأجيل قراءتها . فلم أبدأ في قراءتها إلا وقد وصلتني رسالتك الأخيرة التي تعتذرين فيها عن الرسالة والقصة .

وصلتني الرسالة وقد قرأت من القصة بضع صفحات .

ولست أكتمك أن القصة أثارت أعصابي ، رغم كل ما ادعيت من برود وهدوء وعدم اكتراث .

كانت القصة عبارة عن رسالة كتبتها إلى شخص أحببته ، وجعلت تستعيدين فيها ذكرياتكما معاً ، وتسوقين إليه عبارات الشوق والهيام ، وتجزمين له أنك تحبينه حتى بعد أن هجرك ، وحتى بعد أن أثبت أنه لم يرع لك عهداً .

لم تكن القصة ، قصة ، لا حوادث ، ولا حَبْك ، ولا حوار . ولكنها كانت أشبه بنفثة مصدور ، أو بآهة عاشق .

ولو كنت كاتبة أو قصاصة محترفة ، لتلمست لك بعض العذر في نفسي ، ولو كنت قد تعوّدت كتابة مثلها من قبل لأندى ذلك على قلبي المحرور ولعزى نفسي الممرورة .

ولكنك لم تكتبي قبلها سوى واحدة ، هي قصتي ، الواقعية ، الحية .

وكتبتها لِمَ ؟ لتفرغي بها مشاعر تصطخب في صدرك ، ولتسكبي على الورق أحاسيس فاضت بنفسك .

فإذا ما أتيت بعد ذلك وكتبت هذه القصة أفلا يحق لي أن أظن أنها واقعة حال تنضج بها نفسك بعد أن هاج بها داء دفين .

وإذا كنت قد قرأت في قصتك الأولى تفاصيل دقيقة عن كل ما حدث بيننا وسرداً حقيقياً لكل أحوالنا وأفعالنا . أفلا يحق لي أن تذهب بي الظنون شتى المذاهب ، وأن أعتقد أن ما قرأته في قصته الجديدة ، لا يعدو أن يكون حوادث حدثت لك مع صاحبك هذا وقد دفعها إلى ذهنك جرح نكأه حادث طارئ ؟

ألم تثوري لأن ابنة عمك ذكرت لك أن الصبي ـ كما تسمينه ـ قد شوهد مع هذه الفتاة أو تلك ؟ ألم تقولي إنك قد كتبت القصة ، إرضاء لنفسك ولتبيني فيها ضعة البشر ؟ أليست قصتك إذاً ثورة على حبيب هاجر ؟

لقد قلت لي إنك لا تكني لبطلها أي إحساس . كيف إذاً قضيت الأيام وأنت تكتبين له بتلك الحرارة وهذا الشوق ؟

أأنت مؤلفة بارعة الوصف خصبة الخيال ؟!!

أأنت كاتبة عبقرية ؟!!

لا .. لا .. إن في قصتك كل بواعث الغيرة ، وكل بواعث الخطر والخوف .. لقد أحسست منها ببدء صراع بيني وبين الصبي ، الصبي الذي كنت تحبينه ، أو كنت ـ على حد قولك ـ تشعرين له بمجرد إحساس صديق .

لقد كنت تغارين من بطلات قصصي . وأنا كاتب محترف .. أخلق في كل أسبوع بطلة .

فكيف لا  أغار من بطل قصتك .. وأنت لم يكن لك من بطل سواي ؟!

لا تتهميني بالطيش والاندفاع .. بل افهمي مشاعري كما أحللها لك .. واقتنعي بأني كنت في غيرتي ، وفي غضبي ، على صواب .

وعندما وصلتني رسالتك المهدئة .. المفسرة .. الذاهبة بكل غضب .. كنت قد قرأت من قصتك بضع صفحات .. وكنت في حال من الضيق والتوتر .

ولو أنني أنهيت قراءة قصتك وابتلعت كل سوئها .. ثم قرأت رسالتك .. لكان في ذلك الخير كل الخير .. لأني واثق أن رسالتك كانت جديرة بأن تمحو كل سيئاتها .. ولكن ما حدث .. هو أني تركت القصة ، ثم أقبلت على الرسالة أقرؤها دون أن أتم القصة .

وشعرت في نهاية قراءتي للرسالة بأقصى آيات السعادة والحبور .. وهدأت نفسي الثائرة ، واستقرت مشاعري الهائجة .

ولو أني كتبت ردي على رسالتك عقب الانتهاء من قراءتها مباشرة .. لكان في ذلك أيضاً الخير كل الخير .. ولما حدث بيننا ما حدث .

ولكنني ـ لسوء الحظ ـ لم أكد أنتهي من الرسالة السعيدة .. حتى أقبلت على القصة الشائقة وانهمكت في تكملة قراءتها .. فلم أنته منها .. إلا وقد أتلفت ـ كما توقعت ـ كل شيء .

أجل .. لقد كانت أشبه بكوب من المرارة تسكبينه فوق طعام شهي أو شراب حلو .

لقد سكبت في نفسي من المرارة ما أنساني حلو رسالتك وحلو حديثك .. وحلو اعتذارك .. وجعلني أنهار في حزن واكتئاب .

أنا يا حبيبتي .. كاتب .. شاعري .. حساس .. أعيش على الأوهام والخيالات .. وتؤثر في نفسي جداً ، ما قد يظنه غيري تفاهات وسخافات .

لهذا أحببتك .. ولهذا جننت بك .. إننا نحن الاثنان : مجنونا غرام .. لم يكادا يلتقيان حتى اندفع كل منهما في أحضان الآخر .

أغريب بعد هذا .. فقد صممت على التجلد والتماسك .. وحاولت جهدي أن أمسك بزمام نفسي ، وألا أدع أعصابي تفلت مني أو تنهار ، وأن أجيبك بمنتهى السكينة والهدوء .. وأن أترفق بك فلا أحملك في رسالة  أخرى إزعاجاً جديداً وأن أخفي عنك كل أثر لقصتك في نفسي .

وأمسكت بالقلم .. محاولاً جهدي أن يكون ردي .. على رسالتك .. لا على قصتك ، وكتبت بضعة سطور هادئة رقيقة .. قلت لك إني واثق من حبك .. وأنه لم يعد بنفسي أي شيء ، وأني قبلت عذرك .

وقلت لك إن القصة من حيث هي قصة ، لا بأس بها ، وإن كانت تنقصها الخاتمة .. فهي تبدو كمجرد رسالة .. أو شبه اعتراف .

أما من حيث هي واقعة فقد عجبت مما دفعك إلى كتابتها . وهنا بدأت قدرتي على التحكم في كتابتي تخونني ، وبدأت سخريتي الطبيعية في الكتابة تتخذ طريقها إلى الورق لتعلن عن ألم وتعبّر عن ثورتي على القصة .

قلت لك إني أتساءل عما دفعك إلى كتابتها ، وإني أستطيع أن أتبين بوضوح أنها نكسة حب قديم نكيء فيه جرح حديث ، وأنك بكتابتك تتلمسين العزاء عنه .

ثم تساءلت أيضاً .. عما دفعك إلى أن ترسليها لي أنا ؟ وهل لم يكن أفضل لو أرسلتها لصاحبها كما أرسلت لي قصتي من قبل ؟!

ثم قلت لك إني سأرد لك القصة لأني لا أود الاحتفاظ بممتلكات الغير ، وأن من الخير أن تبقى القصة لصاحبها .

وأرسلت لك الرسالة ـ برغمي ـ مريرة ساخرة .

وداعاً

10

إني لأسائل نفسي الآن : ماذا كان عليّ لو تمالكت أعصابي فلم أرسل لك تلك الرسالة ؟! أما كان ذلك خيراً ؟ وأما كنا ما زلنا نتمتع بحبنا سوياً ؟

ولكني مع ذلك لا أملك إلا أن أجيب ، أن القدر لابد واقع ، وأن القطيعة بيننا كانت لابد آتية مهما حدث .

ولم تجيبي على رسالتي ، وبدا لي أنها كانت أشد وقعاً عليك من سابقتها ، فلقد بلغني أن موضعي في نفسك قد تزعزع ، وأني لن أستعيد حبك لي أبداً .. كما كان .

وأحزنني قولك هذا ، أكثر مما أحزنتني قصتك .. ورأيت نفسي أهبط من سوء إلى أسوأ ومن كدر إلى كدر .

وأرسلت لك رسالة اعتذار رقيقة ، ولكنك لم تجيبي .

واشتد بي الحزن ، فكتبت هذه الرسالة .. ولم أرسلها لك ، بل أعطيتها لك عندما التقينا بعد ذلك .

هل تذكرين ما قلت لك عن السعادة المردودة آلاماً ؟ وأن القدر بقدر ما يعطينا من متع يهبنا شقاء ؟

إني لأجلس الآن وأسائل نفسي والحزن يرسب رويداً رويداً في أعماقي .. هل نضب معين السعادة المستمدة منك وبدأ سيل الأحزان يطغى ويفيض ؟

حقيقة أني أشعر أن قلبي أفعم منك هناء ، ولكني أكره أن يكون الهناء قلد بلغ منتهاه ، وأتمنى أن تكون هبتك من الأحزان هبة مدسوسة طارئة عاجلة الزوال قريبة النهاية ، وأن يعود غيث هنائك إلى التدفق مرة أخرى فيمحو الأحزان ويبدد الشجن .

أنا أكتب الآن لنفسي وبي حنين شديد إلى الكتابة ، وأحس من القلم نوعاً عجيباً من الإخلاص ، وأشعر وأنا أمسك به كالمتشبث في بحر ثائر يلوح من حطام سفين .

أنا لا أكتب إليك لأني أعتقد أن كتابتي إليك كانت فاشلة دائماً ، وأن صناعتي التي اتخذتها ، لم تجدني نفعاً في نقل ما بنفسي إلى نفسك ، وأني لم أنجح بها إلا في إيلامك وإغضابك .

لقد قلت لك ذات مرة إني أحببتك وسأستمر في حبك لأنك لم تسببي لي في حبك ألماً وأن التفكير فيك يهيئ لي راحة ذهنية ، وأنك وطيفك وذكراك خير معين لي على طرد الهموم والتخلص من الأحزان .. فهل يرضيك بعد هذا أن ينقلب الوضع ؟ فإذا بذهني كلما شرد في ذكرك جثم على قلبي الحزن وفاضت بنفسي المرارة والألم .

أهكذا صمودك أمام أول تجربة ؟

هبي أني أخطأت ، وأني قد أسأت إليك وآلمتك برسائلي ! أهذا يدعوك إلى القول بأني فقدت موضعي عندك ، وأن حبك لي لن يعود كما كان ؟

أبمثل هذه السهولة تزعزع حبك وإيمانك ؟

أحقاً حدث منك هذا ؟

إني لست جزعاً لأنه لو كان قد حدث فهي شيء غير مفاجئ لي ، فأنا لست شديد التفاؤل في الحياة ، وأنا دائم التوقع للأحزان ، دائمالتهيؤ لاستقبالها .

ولكني مع ذلك لا أود قبول أحزانك لأني لو أخذت بعضها فسأتجرعها كلها حتى الثمالة ، وسينتهي عندئذ كل ما بيننا .

وكم أكره أن ينتهي ما بيننا ، وكم أود لو يدوم أبد الدهر .. لأني أحس أن بك ما يميزك عن سائر الناس ، وما يجعل حبك يخلد في نفسي ، فأرجوك ألا تبددي ذلك الوهم الذي جمل الحياة في نفسينا .

إني أحبك الآن كما أحببتك دائماً .. لم يتزعزع حي قيد شعرة ، فإذا كان حبك ما زال كما هو فلننس كل ما كان ، ولندع ريح الإهمال والنسيان تذروه ليصبح كأنه ما كان ” .

والتقينا بعد ذاك .. لأول مرة عقب الرسائل المتبادلة بيننا ، وعقب القصة التي سببت ذلك الخصام .

وكان للقاء المباشر .. أثر عجيب .

أتدرين كيف تنفض هبة ريح كوم غبار ؟ كذلك فعل اللقاء بما بيننا من خصام !!

لقد نفخه شر نفخة .. نفخه من بعيد ، من مجرد إقبال أحدنا على الآخر .. ورؤية كل منا لصاحبه .

لم أكد أبصرك من بعد ، حتى أصابتني نشوة عجيبة ، ودق قلبي ببلاهة محدثي العشق .. حتى أنكرت منه لهفته واستحمقته ، وعلت شفتيك ابتسامة عريضة بمجرد أن لمحتني وبدت عليك نفس اللهفة والشوق التي كنت تبدين بهما .

وتعاتبنا طويلاً ، ونظرت إليّ نظرتك الحلوة المشوقة وهمست بي :

  • شوقي إليك شديد ، كأني لم أرك منذ أشهر .

وكان هذا نفس ما أحس به .. رغم أنه لم يكن قد مضى على آخر لقاء لنا أكثر من أسبوعين .

وأجبتك في لهفة :

  • وشوقي إليك أشد .. قاتل الله الخصام والغيرة والوساوس لقد ألهبت نفسي ، وجعلت اليوم يمر كأنه عام .

ولم نكن في لقائنا وحيدين تماماً .. ولكننا كنا أشبه بذلك .. فقد كنا نستطيع أن نتحدث كما نشاء رغم وجود الناس من حولنا .

وبدا عليك القلق فجأة ، وأنت تتلفتين حولك فسألت :

  • ما بك ؟
  • سأتركك الآن .. لأن لديّ موعداً مع إحدى صديقاتي .

وبدا عليّ التجهم وقلت لك :

  • كان يجب عليك ألا ترتبطي بمواعيد تقطع علينا لقاءنا .
  • ولكننا جلسنا سوياً مدة طويلة ، وهناك أشياء لابد أن أفعلها .. إني منذ أحببتك انقطعت عن صديقاتي القدامى ، وأخشى أن أثير في أهلي الأقاويل والشكوك .
  • كما تشائين .

قلتها ونفسي تفيض بالضيق والحسرة ، وأجبتني راجية متوسلة :

  • أرجوك ألا تحزن ! يجب أن تفهم موقفي .
  • إني أفهمه .. ولكن أريد أن أوضح لك أمراً .
  • ما هو ؟
  • لقد جعلتني في حبك كالطفل المدلل . لقد أفرطت في حبي ، وأمعنت في تدليلي .. حتى تعوّدت منك هذا .. وبت لا أقنع منك بغير الإفراط .. والآن .. في هذا الوقت بالذات .. وفي هذه الفترة التالية لفترة الخصام والشكوك والوساوس والغيرة .. أراني في حاجة إلى هذا الإفراط الذي عودتنيه أكثر مما كنت في أي وقت مضى .. حتى يمحو تماماً كل أثر للوساوس والأحزان .. فإن أي تقصير منك ـ غير مقصود ـ سبعث الوساوس مرة أخرى ، وستكون نفسي مهيأة لمضاعفة أثره وتأويله بغير حقيقته . فأرجو أن تراعي ذلك وتكلفي نفسك بعض الجهد حتى يمضي بعض الوقت ويزول كل أثر لما حدث بيننا .

وابتسمت في رقة وأجبت قائلة :

  • إن الجو غير مناسب لأحاديث الحب والهوى .. ولكني مع ذلك ” أعبدك ” .

ومست يدك يدي مسة خفيفة .. وكان هذا أقصى ما نستطيع فعله .

وقبل أن نفترق قلت لي :

  • لست أعرف إذا كنا نستطيع اللقاء غداً أم لا ؟ ولكن أرجو أن تتصل بي تلفونياً ، فربما قد تسنح الفرصة للقاء .

وفي اليوم التالي اتصلت بك في الموعد المحدد ، وكانت بي لهفة شديدة إلى لقائك ، كنت متوقعاً ـ بعد ما قلت لك أمس ـ أنك ستهيئين لنا فرصة لقاء .

ولكنك أجبتني في عجلة أنك لن تستطيعي لقائي .

وخذلت كثيراً . ولكني لم أجبك بأكثر من التحية . ثم وضعت السماعة في هدوء .

ولم أكد أضعها حتى تملكتني ثورة مفاجئة ، وغضب شديد .

كنت واثقاً إنك تستطيعين إيجاد الفرصة للقاء .؟

وزج الشيطان بأنفه في رأسي .. وبدأ يؤكد أنك لم تعودي تعبئين بي كسابق عهدك .. وأخذت مظاهر الغيرة والحنق والسخط تتفاعل في رأسي .

وعبثاً حاولت التمسك بأهداب الاستقرار والهدوء .

ولو استطعت .. لتغير كل شيء .. ولما انتهينا إلى ما نحن عليه .

ولكن مرة أخرى .. أعود فأقول .. إن ما حدث كان لابد حادثاً .. على أية حال .. ما من وسيلة هناك لتجنب فعل القدر

ومرة أخرى طلبتك في التليفون .

لِمَ ؟! لأفرغ لك حمق غضبي .

وقلت لك حانقاً .. إني لن أراك بعد هذا .

وصحت مذهولة :

  • لِمَ .. ماذا حدث ؟

وكان الحديث سريعاً أشبه بالشرر .. ولم تكن هناك وسيلة للتفاهم الهادئ .. كان كلانا متألماً .. موجعاً .. أنا بغضبي وحنقي ، وأ نت بذهولك ودهشك .

وأخيراً انتهى الحديث .

وهدأ لهيب الغضب ، ولكن بقيت مرارة الندم .

لعنة الله عليّ .. كان يجب أن أكبت الغضب في صدري فلا ألقيه عليك ، فأحطم حبك .

ولكن أي حب هذا الذي لا يتحمل صدمة غضب ؟!

ومن ذا الذي لا يغضب ؟!

لقد حاولت أن أعتذر لك .. ولكنك أعلنت القطيعة وأرسلت خطاب الوداع التالي . وهو آخر ما سمعت منك :

” كم أكره أن أنهي ما بيننا ! وكم أحس صعوبة ومرارة في إنهائه !

” أهذه هي الطريقة التي تحترم بها حبنا ؟ لقد قلت عني ” تافهة ” . أحقاً أنا كذلك ؟ وهل هذا هو اعتقادك فيّ ؟

” إنك تظن أن حبي لك قد انتهى ، ولكني أؤكد لك أنه لم ينته ، وأؤكد لك أني ما زلت أحبك ، ولكن تذكر أنك أنت البادئ بالقطيعة ، وأنت القائل إنك لا تريد أن تراني ، لا لشيء إلا لأني لم أستطع لقاءك ، لأني لم أملك اللقاء .. ولأني لست حرة في أن أفعل كل ما أريد بل لابد لي أن أفعل ما يريد أهلي .

” ولكني واثقة أننا قد وصلنا إلى نقطة ، أو إلى  حالة ، لابد لنا إزاءها من وضع حد للقائنا ، وإني أقول لقاءنا ، ولا أقول حبنا .

” لقد استطعت لقاءك فيما مضى ، ولكن لا تدري شيئاً عما كنت أقاسيه من أجل ذلك .. كنت دائماً أضطر إلى الكذب ، وهو أبغض إلى نفسي .

” لقد اعترفنا دائماً أن ما بيننا ما كان يجب أن يكون ، وأننا لو حاولنا أن نكون أبرياء في مظهرنا ، فإن الخطيئة ستبقى  كامنة في قلوبنا ، ومع ذلك فإني أعتقد أني لو استطعت أن أحبك بيني وبين نفسي ، أحبك دون أن أراك أو ألقاك حباً صامتاً في الحنايا ، مستقراً في الأعماق .. فإنني أكون قد فعلت بذلك ما تمنيت أن أفعله دائماً .. ولكن لم تكن لديّ الشجاعة الكافية لكي أقدم على فعله .

” وعندما حدثتني آخر مرة حديث الغاضب ورفضت رؤيتي .. عزمت على ألا أراك ، وأن أبقي حبي في قلبي .. وبهذا أتحرر من وطأة الضمير الذي يثقل على نفسي .

” وإني واثقة أن هذا خي رلك ، لقد قلت لي من قبل أن بعدي لا يؤلمك لأنك تستطيع أن تسعد بالتفكير فيّ . وسأحاول أن أجرب هذا الأمر .. وأن أتغلب على آلام بعدك .

” فإذا ظننت بعد ذلك أن حبي لك سطحي .. وأن مشاعري نحوك ليست من العمق بحيث تقاوم الأحداث . فأنت حر في أن تظن كما تشاء ، ولست أراني أملك لظنوك دفعاً .. كل ما أملك هو أن أداوم على حبك .. بضمير هادئ مستريح .

” وكل ما أرجوه منك هو أن تذكر أمراً واحداً .. وهو أنه مهما حدث .. فأنت دائماً في الذهن مستقر ، وفي القلب مقيم .

” بقي لي رجاء أخير .

” أتذكر ما قالته لك صاحبتي .. عن أني أصلح بطلة لإحدى قصصك ؟!

” أتذكر أيضاً قولك لي .. إنك ستكتب قصتي .. عندما ينتهي أمرنا معاً .. وإجابتي لك أنك بذلك لن تكتبها أبداً .

” وإني لا أعتبر أمرنا معاً قد انتهى ، ولكن .. إذا كنت تعتبره أنت ، وإذا كنت تنوي الكتابة عني .. فأرجوك ـ بحق حبنا ـ ألا تكتب ما يشير إليّ .. أو ما يكشف أمري .

” أنا لا أستطيع منعك من الكتابة ، ولا أودّ منعك .. فما تلهفت في حياتي على شيء كتلهفي على كتابتك .. إني أعتبرها زادي في الحياة .. إني أعبدها .

” وحاشاي أن أنكر أني أتوق إلى قراءة قصتي .. وأترقب كتابتك عني .

” إني سأنتظرها على مر الزمن ، وستكون هي عزائي عن فرقتك، وسلوتي في بعدك .

” ولست أملك في النهاية إلا أن ألقي إليك على البعد تحية وداع ، وأهتف خلالها باسمك كما تعوّدت أن أهتف به .

” وإني أتمنى لك كل خير وهناء ، وأرجو أن تذكرني بالخير كما أذكرك لأني لم أفعل نحوك أي خطأ ، وأخيراً وداعاً ” .

وداعاً .. وداعاً .. وداعاً .

هذا هو كل ما خرجت به من رسالتك .

أحقاً تعنين ما تقولين ؟!

إن كل ما برسالتك من ألفاظ الحب والإخلاص .. لا تستطيع أن توازي كلمة ” وداعاً ” .

إن كل ما أودعته رسالتك من متعة وهناء .. يمحوه ويذروه إعلانك الوداع ، إذا كنت تعنين ذلك حقاً .

أعازمة أنت حقاً على الفرقة والقطيعة ؟ وعلى أن تحبيني فيما بينك وبين نفسك ؟

أتستطيعين ذلك ، وأنت تحبينني فعلاً ؟!

أم أن أحبك .. لم يعد إلا كلاماً منمقاً معسولاً ؟!

وأمسكت القلم ، وأنا في حدة أليمة .. أسائل نفسي .. أجادة أنت في قطيعتك ؟ أتستطيعين تنفيذها وتحمل آثارها ؟

على أية حال .. لم أجد أمامي إلا قبولها ، وانتظار نتائجها العملية .. أجل .. ليس أمامي إلا التمسك بكبريائي وقبول الوداع .

وترددت .. أأرد عليك .. أم أعتبر رسالتك هي النهاية ؟ وأوحت إليّ كبريائي ألا أجيب ، وأمرني قلبي الأحمق بأن أجيب ، فكتبت إليك :

” عزيزتي ..

” لست أدري أكان يجب أن أكتب إليك خطابي هذا ، أم كان عليّ أن أعتبر خطابك الأخير هو تحية الوداع فأكف عن الكتابة وأصمت عن الحديث .

” لقد ترددت كثيراً في كتابته ، وقلت لنفسي إنه يجب عليّ أن أعاونك على ما أنتويه من إنهاء لما بيننا ، وأن أساعدك على القطيعة فأنأى بنفسي عنك ، وأبعد بها عن محيط حياتك ، وأكفيك مشقة رؤيتي أو سماعي أو القراءة لي .

” كان يجب إذاً والأمر كذلك ألا أكتب شيئاً ، وأن أخلد إلى السكون والصمت والابتعاد ، ولكني أشعر أن ثمة شيئاً في صدري لابد أن يقال ، وأن هناك بعض تعليقات على رسالتك الأخيرة لابد أن أسر إليك بها .

” على أية حال استمعي لرسالتي ولا تزعجي نفسك بها كثيراً .. بل اعتبريها بمثابة رد على تحيتك ، وأنها بعد كل شيء لا تعدو أن تكون كلمة ” وداعاً ” .

” أول كل شيء أشكرك أجزل الشكر على رسالتك ، فقد كانت لنفسي ـ رغم أنها رسالة وداع ورغم أنك قطعت بها كل ما بيننا وأنهيت بها كل علاقتها ـ كانت رغم ذلك كله أجمل عزاء وأطيب دواء ، وما أظنني قرأت خيراً منها رسالة وداع .. لقد جعلت من مرارة الوداع حلاوة ومن قسوته رقة .

” ولكن لي عليها بضع ملاحظات ألخصها فيما يلي :

أولاً ـ قلت في رسالتكأني وصفتك بالتافهة فمتى قلت ذلك ؟ أقلتها بلساني أم بقلمي ؟ إني لا أذكر أبداً أني قلتها لك ، وأستطيع أن أجزم بذلك لسبب واحد ، وهو أنك آخر من توصف بالتافهة ، وأن أ؛سن ما فيك ـ كما قلت لك مائة مرة ـ أنك لست تافهة ، ومع ذلك فلو كان قد حدث أني قلتها فعلاً .. فلابد أن أكون قد قلتها ، وأنا في حالة غضب جعلني لا أعني ما أقول . وعلى أية حال أنا أعتذر عنها لأني ـ إذا كنت قد قلتها فعلاً ـ فإني قطعاً أعنيها .

” ثانياً ـ إني موافقك على أن ما بيننا ـ منذ مبدئه شيء خطأ ، وأن من الحكمة والعقل والمصلحة أن نضع له حداً ، ولكن أتذكرين أنك سبق أن قلت ذلك كثيراً ، ولكنك لم تستطيعي تنفيذه ، حتى لقد قلت لي ذات مرة : ” إنك لو كنت قد أقدمت على ترك رؤيتي لأصابك الجنون ، فهل حدث جديد جعلك تقدرين الآن على فعل ما لم تكوني تقدرين على فعله ؟ ألا ترين معي أنه كان من الأفضل أن نجعل الأمور تجري سهلة بلا قطيعة حتى نفترق افتراقاً طبيعياً في عطلة الصيف ؟ أتدرين كم مرة كنا سنلتقي خلال المدة الباقية ؟ لن يزيد لقاؤنا قبل الفرقة على أربع مرات ، فهل لقاء أربع مرات قد أضحى من الخطورة بحيث يحتم علينا أن ننهي ما بيننا الآن ؟

” وأخيراً أرجو ألا تفهمي حديثي هذا على أنه رجاء للقاء ، وأرجو ألا تحملي قولي محمل العتاب أو اللوم ، بل هو مجرد شرح لوجهة نظر في مسألة اعتبرتها منتهية . ولم أملك أنا ـ تلبية لرغبتك ـ إلا أن أعتبرها كذلك ، بل إني لأعتبر رسالتك الأخيرة هي النهاية فعلاً ، وأعتبر رسالتي هذه شيئاً خارج الموضوع .. أو على هامشه .

” وأظنك تعرفين أكثر من غيرك .. أني لست الإنسان الذي يرجو لقاء ، وأنه كان يكفي أن أعلم أنك نويت القطيعة حتى أنهي ما بيننا .. وأن أكتب كل مشاعري فلا أبلغك منها شيئاً ، ولكن لم أفعل لسبب واحد ، وهو أنك مخلوقة عزيزة ، وإني أكره منك أن تأخذيني بلحظة غضب لا يخلو منه مخلوق .

” أما عن قولك بأني قلت دائماً : إنه لا يؤملني ألا أراك . فقد قلت ذلك حقاً عندما كان التفكير فيك يسبب لي كما قلت دائماً ” راحة ذهنية ” . أما الآن والفكر يرزح تحت عبء مُلحّ من الحزن . أما الآن ورصيد الأحلام الجميلة قد تبدد ، وربيع الذهن قد أضحى خريفاً يتساقط فيه الأوراق الصفر وتعصف فيه الريح العاتية .. فلا أظنني أستطيع أن أزعم أنني في غير حاجة إلى رؤيتك .

” ولكني ـ كما سبق أن قلت لك ـ أعلم تماماً أن سعادتنا لابد مردودة ، وأن من الجنون أن نتخيل أن الحياة يمكن أن تداوم على منحنا هذا القدر العجيب الذي منحتنا إياه من السعادة .. لأن هذا ليس من طبيعة الحياة .

” لقد مررت بأجمل أيام الحياة ، والآن أمر بأشقاها ، وكما استمتعت بمتعة الأيام الحلوة ، لابد أن أحتمل آلام الأيام المريرة ، وكما استمرأ الذهن لذة ” الراحة الذهنية ” لابد أن يلقى نصيبه من ” الإجهاد الذهني ” .

” وبعد .. فالحمد لله .. إن كل شيء إلى زوال ، وإلى نهاية .. حتى الألم .. وحتى الشقاء .. لقد أقبل النعيم ، ثم ولّى ، وأقبل الشقاء ، فلابد أن يولي ، وسنخرج في النهاية بلا شيء لا نعيم ولا شقاء .. اللهم إلا ذكريات راسبة في الذهن .. الله أعلم بحلاوتها أو مرارتها .

” لعن الله الذهن الذي لا يهدأ ولا يغفو .. بل يمعن في التفكير والتذكير ، حتى صيبه الكلال ، دون أن يجد له مستقراً يستقر فيه ، أو ملجأ يمنحه الرجاء الضائع .. والراحة المسلوبة .

” حتى الساعة العاشرة قد باتت موضع يأس ، بعد أن كانت مرفأ رجاء .

” كان الذهن يجد فيها أقصى راحته ، إذ يشعر أنه ليس وحيداً . وأنه يلتقي مع ذهن آخر في الفضاء الحر الطليق حيث لا حدود ولا قيود ، ولا خوف من رقابة ، ولا خشية من تقليد .

” أما الآن فما أشبهه بوحيد مهجور يحوطه الفراغ والظلمة والوحشة .. ينتظر ، وينتظر ، وينتظر .

” أجل ! إن الذهن قد بات يخشى الساعة العاشرة . بعد أن كان يترقبها ، لأنه يحس فيها الفشل والخيبة والخذلان .

” لقد أطلت في الكتابة ، لأني مثلك ، أكره أن أنهي ما بيننا ، ولكن مادمت تصرين فلتكن النهاية .

” أما عن قصتك فإني لابد كاتبها فهي كل ما تبقى لي للعزاء عنك .. وأرجو أن تطمئني ، فما تعوّدت قط أن أفضح أبطالي وأكشف أمرهم .

” أجل ! يا حبيبة الروح ، لن يكشف أمرك إلا ثلاثة : أنا ، وأنت ، والله .. الستار ، الغفور ، الرحيم . سأذكرك بالخير ، لأني لا أذكر لك إلا الخير .

” وأخيراً .. وداعاً ” .

قلت لك وداعاً ، ويعلم الله أني ما عنيتها قط .

لقد كنت أعتبرها مجرد كتابة ، ما صدقت وقتذاك .. أنها وداع حقيقي .

والآن لندع الرقة والمجاملة جانباً .. ولنتحاسب معاً على ما فعلناه بعد ذلك :

ماذا فعلت ، وماذا فعلت ؟

كنت جادة في وداعك ، مصرّة عليه .. وكنت أنا لا أتصور حدوثه .

ومرة واحدة ، وجدت كل شيء قد تخلى عني وإذا بي أترنح كالذبيح .

تخيلت عني أنت بالفعل لا بالقول .. فتجنبتني تماماً .. لا لقاء ولا حديث ولا كتابة .

وتخليت عن كبريائي وعنادي واعتدادي .. فذهبت ألاحقك راجياً عفوك .. مؤملاً صفحك وغفرانك ، وارتدادك إليّ .

وتخلى عني الصبر والتؤدة .. فلم أحاول أن أتركك للزمن أو لنفسك .. حتى تتلهفي أنت على لقائي إذا كنت حقاً مازلت تحبينني .

وتخلى عني العقل .. فتصرفت في غير حكمة ، وفي كثير سخف وغباء .

وتخلى عني القلب فاشتط وتغالى وجعلني أغرق في أعماق من الحزن واليأس لا نهاية لها .

قالتني الله من غرّ أحمق ، قليل الصبر ، ذاهب اللب !

ولكن .. علام التقريع واللوم وأنا بشر ؟

بشر .. عاشق ..  مهجور .

مهجور .. بعد طول حب وتدليل .. ملطوم .. بعد طول رفق وربت .

كانت صدمتك صدمتين : صدمة المفاجأة .. وصدمة الإذلال .

كانت ـ على كثرة تجاربي وصدماتي في الحياة ـ أشق صدمة تلقيتها . وأقسى تجربة صادفتها .

إن المسألة برمتها ، قد تبدو تافهة .. أو قد تبدو إنهاء سليماً لحالة خطأ .. كان لابد أن تنتهي .

فأنا زوج عاقل مستقيم ، وكانت معروف محترم ، ورجل متزن جاوز الثلاثين ، وخط الشيب رأسه .. قد أخطأت بحب فتاة في الخامسة عشرة ، وأخطأت هي بحبي .

وقد كنت أنا نفسي أتمنى في كثير من الأحيان ، رفقاً بها ، أن تكف عن حبي ، وأن تنفصم تلك الرابطة التي شدتنا بلا أمل ولا رجاء .

كنت أتمنى أن ينتهي ما بيننا .. عندما أحكم عقلي .. وعندما أحاول النظر إلى مصلحتك ومصلحتي .

فما بالي قد جننت ! وأنا أرى ما بيننا قد انتهى ، وأجد حالة الخطأ قد زالت ؟

ولكن هذا تفكير إنسان عاقل .. يحكم على الأمور وهو في حالة طبيعية إنسان غير عاشق ولا مهجور .

أما أنا فقد كنت عاشقاً مهجوراً ..! ذاهب اللب .. شارد الذهن ، محرق القلب .

لقد ذهبت عني كل صفة ، إلا هذه الصفات ، صفات العاشق المهجور .

وانطويت على نفسي ، وكتمت السهم في كبدي ، لم أكن أملك غير ذلك .

ماذا أفعل وكيف أتعزى ؟

لقد حاولت التعزي بالصالحات السابقات .. ولكني وجدت لقائي بهن لم يغير حالي .. كنت أجلس معهن صامتاً شارداً ، لا أكاد أنبس بكلمة ، فضقن بي وضقت بهن .

إن شر ما في الهجر .. أنه ما من إنسان يملك للمهجور عزاء .. إلا الهاجر .. وأين للمهجور عزاء الهاجر ، وهو ممعن في هجره !

لقد كان دوائي عندك وحدك .

أنت وحدك التي كنت تستطيعين أن تفعلي لي شيئاً ، وأنت وحدك التي لم تفعلي شيئاً ، سوى التجاهل والإنكار كأنك لم تقولي لي إنك ستحبينني دائماً ، وأني سأبقى في ذهنك وفي قلبك إلى الأبد .

أمعقول هذا ؟

أمعقول أني باق في قلبك أو في ذهنك ، وأنت تبخلين عليّ حختى بمجرد إيماءة ، أو نظرة ، إحساس بوجود ؟

لا .. لا .. لقد انتهى كل شيء .

وأي عجب في ذلك ؟ أهو أول حب ينتهي .. أم أنك أول محبة تكف عن الحب ؟

أنت معذورة !.. ما ذنبك وقد سلوتني ، وتبدد حبي من قلبك ؟ حبي الذي كنت أعتقد أنه لا ينفد .

ولكني مع ذلك أعتب عليك .. فلو أني كنت البادئ بالسلوان ، ولو أني أنا الذي كففت عن حبك أولاً لكنت أكثر رفقاً بك .

أجل ! إني ما كنت أمعن في الهجر ، وما كنت أنكرت وأتجاهلك . إني ما كنت أسبب لك جرحاً ، بل كنت أجعل من حبي صداقة أضمد بها جرحك . لو كففت أنا عن حبك لما أشعرتك بهذا ، ولما تحوّلت عنك ، بل لذكرت لك طول ح بك ، وفرط تدليلك ، ولما نسيت ما أعتبره منك جميلاً طوقتني به .

وهكذا أخذت أرزح تحت أحزان الهجر ، وآلام الإذلال .. وبدأت أقبع في الدار .. في شرود وصمت وحزن .

أجل ! لقد أخذت أقبع في الدار .. أنا الهائم الحر الطليق ، الذي لا يستقر له قرار .

لقد عدت أخيراً ، كما يعود الطير الجريح إلى وكره .

وفي الوكر ، وجدت الصابرة الساكنة .. تنظر إليّ في تساؤل صامت .

لقد أخذت ترقبني الساعات الطوال .. وأنا مغرق في الصمت مخلد إلى الشرود .

ولا شك أن قبوعي في الدار وشرودي قد أثار دهشها ولكنها لم تخرج من صمتها .

لم تفصح بالسؤال ، فما تعوّدت قط أن تسألني شيئاً .. كانت مسيعة مطيعة .. لا تسأل ولا تطلب ، ولكنها تسمع وتفعل .

لقد كان يداخلها إحساس بأنها مقصرة نحوي ، لأنها لم تنجب لي أطفالاً ، ولأنه لا أمل لها في الذرية ، إلا بأبهظ الأثمان ، بحياتها .

كانت تشعر أنها مقصرة في حقي . لأنها هزيلة مريضة ولأن الطبيب حرّم عليها .. الولادة .. لأن في الحمل والولادة قضاء على حياتها .

ولم أكن في قرارة نفسي أكرهها .. بل على النقيض .. لقد كنت أحبها ـ كما سبق أن قلت ـ حب أخت أو أم أو ابنة ، وكنت لا أرى لها ذنباً فيما أصابها ، لقد تزوجتها كالزهرة اليانعة ، ولكن المرض بدأ يمسك بتلابيبها .. فهزل جسدها وأوجع نفسها .

وهكذا كانت دائماً ، تقيني السؤال والتدخل ، فلم تحاول قط أن تستفسر : أين كنت ؟ وأين أذهب ؟ وماذا أفعل ؟

ولكن في هذه المرة .. كنت أقرأ التساؤل واضحاً في عينيها .. كنت أجلس في صمتي وشرودي ، وقد أرقت فلم أذهب إلى المضجع ، وكانت تجلس أمامي منهمكة بيديها في عمل ” التريكو ” وقد طأطأت رأسها ، وأخذت تحدق في الإبرتين بين يديها ، وبين آونة وأخرى ترفع عينيها في تساؤل ثم تخفضهما في استسلام دون أن تقول شيئاً .

وهكذا تظل ترقبني حتى أذهب إلى الفراش ، فتطفئ النور وتتمدد جانبي في صمت وسكون .

وفي ذات ليلة طال بي الأرق ، والذهن ممعن في التفكير فيك .. كيف أنساك ؟ إني أتوق إلى نسيانك ، ولكن كيف ؟ إني أحاول أن أجسم سيئاتك وعيوبك حتى أكرهك .. وأظل أجهد ذاكرتي في جمعها وفي تضخيمها وأقول لنفسي إنك رديئة متقلبة وأنك لست جميلة وأنه ليس بك ما يميزك عن سائر البشر وأنك لا تستحقين حبي ، ثم ينتهي بي الأمر بعد كل هذا .. أتدرين إلامَ ؟

إلى مزيد من شوق .. ومزيد من حب .. ومزيد من حنين ولهفة .. لا على تقبيلك ، بل على تقبيل أطراف أصابع يديك ، بل قدميك .

وطال بي الأرق والتفكير فيك ، وهي جالسة أمامي ، دائبة بيديها في عمل التريكو .. متسائلة بنظرراتها الصامتة المتوسلة بين آونة وأخرى .

وأخيراً .. وجدتها تضع الإبرتين جانباً .. ثم تنهض مقتربة مني في سكون وتقف ملاصقة لمقعدي ، ثم تمد يدها إلى رأسي وتتحسس جبيني في رفق وتقول في صوت خافت وجل :

  • ماذا بك ؟ ماذا يحزنك ؟ ألا أستطيع أن أفعل لك شيئاً ؟

وبذلت جهدي لكي أكتم تلك الزفرة الحارة التي همت بالانطلاق من صدري .. وأجبت وأنا أربت على يدها في رفق :

  • لا شيء .. اذهبي وسألحق بك للنوم .

يا للسخرية !! لقد قتلتني برفقها وحدبها ، كما قتلتني أنت بهجرك وقطيعتك ؟

ماذا أقول لها ؟!

أقول لها .. إني حزين لأني أحب غيرها .. التي هجرتني وضربت بحبي عرض الحائط ؟!

ما هذا الخلط العجيب ؟! وعلامَ تكرهنا الأقدار على هذه المتناقضات ؟ ولِمَ تأبى إلا أن توجه أذهاننا ومشاعرنا أسوأ توجيه ؟!

ولكن . وحمداً لله .. أن جعل رؤوسنا منطوية على ما فيها ، وإلا .. ماذا ترى يحدث .. لو كان كل منا يرى ما في ذهن الآخر ؟

إنها تسألني : هل تستطيع أن تفعل لي شيئاً ؟

ترى هل لو عرفت سبب ما يحزنني ، وأدركت حقيقة ذلك الشيء الذي يمكن أن يذهب بحزني . أكانت تصر على سؤالها ؟!

أم تراها على استعداد لأن تذهب إليك ، وتحضرتك إليّ وتقول لك : أحبيه ، كما كنت تحبينه ، حتى لا يقتله الحزن ؟

هذه سخرية عجيبة !

لعن الله حياتنا ، إنها كلها سخريات .

ولم أملك إلا أن أنهض وأتمدد على الفراش وقد ثبتت عيناي في سقف الحجرة .. أو على الأصح ، في صورتك ، فما كنت أبصر أمامي مبصراً ومغمضاً .. إلا أنت .

ومرت الأيام والشهور ، وأنا مثقل بالحزن .. مقل في الكتابة .. لا أكاد أكتب إلا ما أكره على كتابته كواجب لابد من تأديته ، وحتى هذا الذي كنت أكتبه كنت تزجين بنفسك فيه .. فلم تكن تخلو منه صورة لك .

ولم يكن ما بي في أول الأمر .. ليزيد على إرهاق نفسي وكلال ذهني ، حتى أصابني ذات يوم ما يشبه الإغماء ، وأنا أسوق العربة ، ووجدتني أتهاى في مقعدي ، وقد أخذت المرئيات حولي تدور وتتمايل ، وبهتت صورتها فما عدت أرى فيها سوى أشباح متداخلة .. وحاولت جهدي أن أسيطر على عجلة القيادة ، ولكني وجدت كل شيء يدور بي ، وفجأة سمعت صوت فرقعة شديدة .. ولم أعد أحس بعد ذلك شيئاً .

ولم أفق إلا وأنا راقد على فراشي في المستشفى .. وبذراعي وساقي وحولهما بعض الضمادات والأربطة .

ولم أكن أحس بجراح ولا رضوض ، ولكني لم أكن أحس أيضاً بإحدى ساقي وإحدى ذراعي .. لقد بدا لي أنهما ليستا مني .

إني لا أريد أن أسترسل في وصف تفاصيل مزعجة ، ولا أريد أن أستبكي بكتابتي مقلة .. أو أستذرف دمعاً .

لا .. ولا أريد أن أكتب لنفسي رثاء ، ولا أستجدي من غيري رثاء .. فما كرهت في حياتي أكثر من شعور الرثاء .. إن الفشل نفسه لم يكن يحزنني بقدر ما يحزنني ما أتوقعه من رثاء الناس لي على ذلك الفشل .

وأنت بالذات .. أكره رثاءك لي .. إني أتوق إلى حبك وعبادتك وتقديرك ، وبقدر ما أتوق إلى ذلك أن أكون موضع رثائك أو شفقتك .

وعلى ذلك أعلنت أني في أشد حالات مرضي وعجزي وشقائي وحزني ، ما زلت قوي النفس .. شديد الاعتداد بها .. بل إني في باطني أكثر مني قوة في أي وقت مضى .. إن ما أصابني من عجز وكلال .. لم يؤثر على قوة نفسي ، فأنا .. هو أنا ، دائماً ، وسأبقى كما أنا ، حتى الموت ، وما أظنه ببعيد .

بل أن توقعي الموت .. هو سر قوتي ، واعتدادي .

لقد كنت أفهم الموت دائماً على حقيقته .. أفهمه على أنه نهاية واجبة ، لحياة أكرهنا على تحمل متاعبها وآلامها . لقد فهمت الموت دائماً على أنه نومة مريحة ، وأنا ما أحببت في حياتي شيئاً كالنوم ، فهو ينزعنا من كل متاعبنا ومضايقاتنا . ويتركنا في خير حالة من الطمأنينة والراحة .

هكذا فهمت الموت دائماً ، وأنا منه بعيد ، وهكذا أفهمه وأنا منه غير بعيد .

لست أريد رثاء ولا بكاء .

فما ضايقني من فكرة الموت .. سوى شيء واحد ، خطر لي ذات مرة وأنا أشيع جنازة صديق ميت ، وهو ولولة النساء وفزعهن ، فلقد كرهت أن أرى ذويّ في مثل هذا الفزع والارتياع ، ولكني حمدت الله ، أني عندما أموت .. لن أسير وراء جنازتي ، ولن أبصر هذا المنظر المروّع .

إني أحاول المزاح ، وسأمزح حتى أموت ، فإني على حال من التجلد والقوة ، لا أشك في أنها ستوقف رثاءك لي لو كنت تنوينه .

إني على خير حال .

ليس هناك ما يضايقني سوى ثلاثة أشياء .

أولها ، وأسوأها : هجرك ، ونسيانك .

وثانيها : هو مرضى زوجتي .. فأنا أحبها ، رغم كل ما فعلت بها من خيانات في عرف الشرع والناس ، أحبها الحب الهادئ الدائم ، الثابت ، الباقي ، الذي لا تبدو مظاهره ، ولكن لا تتزعزع أصوله .

لقد أصابتها حادثتي بصدمة أقعدتها ، وضاعفت هزالها ومرضها ، فلزمت فراشها في الدار .

إن مرضها يضايقني ، ويضايقني أكثر من ذلك وجيعتها فيّ وألمها عليّ ، وعجزها عن أن تراني وتسهر على راحتي .

أما المضايقة الثالثة : فمبعثها أبي الشيخ .. إني لا أكاد أحتمل منظره وهو قادم إليّ كل يوم متكئاً على عصاه ، محاولاً الابتسام ، فلا يكاد يجلس إليّ حتى ينهمر الدمع الصامت من عينيه كالمطر .

وكم أحب هذا الشيخ ، وكم أكره دمعه ، إني أراني صورة أخرى منه ، وأراه أكثر الناس في هذه الدنيا فهماً لي . وتقديراً لطبيعتي .. إنه لم يحاول مرة واحدة أن يوجه إليّ نصحاً ولا لوماً ، بل كان دائماً شديد الإعجاب بكل ما أفعل .

إني أحبه ، وأكره أن أسبب له فجيعة بموتي .

آه .. ما أحب الموت ، لولا أحباؤنا في الحياة .. إن الموت يبدو في عيونهم ، لأنهم يرونني شاباً ، ونافعاً وطيباً . ويحهم كأن الموت لا يأخذ سوى الكبار العجزة الأشرار : ولكن ما هذا السخف الذي اندفعت فيه ؟

ما هذه الأقوال اللينة الضعيفة ؟

إني لن آبه بمن حولي ، لن أضعف قط ، سأخرج من الدنيا ، ضاحك الثغر مرفوع الهامة .

شيء واحد كان يزيدني ضحكاً ومرحاً وقوة ، وهو استمرار حبك .

لو أنك لم تخذليني ، لكنت بلا جدال ، أحسن بكثير مما أنا ، ولكني مع ذلك ، أستطيع أن أستعيض عنك ، بالكتابة إليك .. أجل .. أجل . إن خير ما أفعل هو أن أكتب قصتك .. لقد سألتني أن أكتبها ، وأنت لا شك تنتظرينها .. فمن النذالة أن أخذلك فأغادر الحياة ، قبل أن أكتبها لك .

لابد أن أكتب قصتي الأخيرة .

حمداً لله .. إن الجزء العاجز مني هو الجزء الأيسر .

إياك أن تشعري لي برثاء أو بعطف .

إني حقاً مشلول .. ذلك الجسد الطويل الفارع ـ كما كنت تسمينه ـ والذراعان القويتان .. لم تعودا تستطيعان ضمك ، ولكن ما حاجتها إليك ، وأنت هاجرة نائية ؟!

إن يمناي تستطيع أن تمسك بالقلم .

وأنا بالقلم في يميني والورق أمامي أشعر بقوة خارقة . إن قوتي كامنة بين أصابعي ، وفي قلمي .. إني أستطيع بها أن أفعل كل ما أريد .

لا يهمني كثيراً إذا ما رقدت عاجزاً مشلولاً .

فإنك لن تريني على حالي تلك .. ولكن ما يهمني هو أن أستطيع أن أمسك بالقلم وأكتب .. فكتابتي هي ما يمكن أن يصل إليك وهي التي يمكنني من أن أبر بوعدي لك .. فأمنحك قصتك .

راقد على الفراش ممدود كما أنا .. وقد اتكأ ظهري ورأسي على الوسائد .. وضعت أمامي المنضدة الصغيرة المتحركة التي أتناول عليها الطعام وهي تكاد تلاصق صدري وعليها كوم من الأوراق .

والحجرة هادئة ساكنة لا أكاد أسمع من حولي إلا أقداماً تروح وتجيء في الممر بين آونة وأخرى .

أنا لا أعرف علة ما بي .. فهؤلاء الأطباء الأغبياء يأبون أن يقلوا لي إلا أني بخير وأن ما بين مسألة بسيطة .

لعنة الله عليهم . إني أعرف أكثر منهم . إنهم يحاولون منعي من أي جهد ، ولكني سأكتب رغماً عنهم .

ليعاونني الله على الكتابة .

وليهبني من لدنه قوة ، فلا يشتت ذهني ، ولا يفقدني وعيي قبل أن أتمم القصة .

وبهذه العزيمة ، وبهذه القوة ، وبهذا الرجاء من الله أمسكت بالقلم لأكتب قصتك .. وظللت أكتب ، وأكتب حتى تملكني الإعياء .

لست أدري ماذا كتبت .. وما موقعه من الجودة أو الرداءة ؟

إني متعب منهك ، ويبدو أن ما كتبت به كثير من خلط وتشويش ، من أثر ذلك الذهن المتعب ، والجسد المنهك ، والنفس المريضة المرهقة .

كما يبدو لي أني لم أكتب شيئاً يستحق النشر .. أو القراءة .

ويخيل إليّ أنه لن يرضى إذا ما نشر عامة القراء .

ولكن مع ذلك أتعزى بأملين : الأمل الأول : هو سماحتهم وسعة صدرهم ، وتقديرهم لظروفي التي كتبت بها ما كتبت ، وأن يعتذروا بما أرضيتهم في حياتي عما ضايقتهم به في نهايتي .

أما الأمل الثاني : فهو ثقتي من أنها لم تعجب عامة القراء كقصة ، فإنها ستعجبك كرسالة .. ولقد كتبتها لك أنت ، فإن إعجبتك فكفى بهذا تقديراً .

ولكني بعد كل ذلك تصيبني بعض الوساوس بأنها لن تعجبك ، فأنت قد تغيرت نحوي ، وتبدد من نفسك حبي وتطايرت مشاعرك .

أفلا يبعد ألا تري بعد ذاك في قصتي .. سوى شيء يستحق السخرية ؟ من يدري ؟

لقد حيرني تغيرك نحوي ، وجعلني أتساءل في عجب .. عن طبيعة البشر ، وتقلبهم .. وتلونهم .

لقد ضيعت ثقتي في نفسي ، وفي الناس جميعاً .

ضيعت ثقتي في الناس لأني لم أعد أثق بعدما رأيت من اندفاعك ونكوصك في قول مخلوق أو إحساس بشر .

وضيعت ثقتفي في نفسي لأني ظننت أني ككاتب أستطيع أن أتفهم نفسية الناس وأحللها تماماً .

ولكني وجدت نفسي عاجزاً إزاء نفسيتك .

ذلك الانقلاب العجيب ؟ كيف اندفعت في حبي .

اندفعت في هجري ونسياني .

ألا يحق لي بعد هذا أن أتوقع منك سخرية بقصتي ! أو على الأصح بقصتك ؟

أجل ! إنك قد تسخرين الآن من نفسك ، ومن نفسي ، ولقد قلت لك هذا فيما مضى فأبيت أن تصدقيه .

إني شديد القلق والضيق .. فإني أكره أن أكتب شيئاً لا ينال الإعجاب .. أكره أن أخرج من الحياة بغير تصفيق وأنا الذي تعوّدت دائماً .. أن أسمع الإعجاب والتصفيق لكل ما كتبت .

لابد أن أتمم القصة .

لابد أن أضع لها خاتمة من عندي .. فأجعلك مثلاً تعودين إليّ في اللحظة الأخيرة نادمة مستغفرة .. ولكن تجدينني قد انتهيت .

أجل ! أجل ! هذه نهاية جديدة ، ولكني متعب الآن .

لندع الورق جانباً .. وسأتمها فيما بعد ، عندما أستريح . أجل ..! سأكتب لها خاتمة جيدة .. وسأجعلها من خير ما كتبت .

 

اترك تعليقاً