رواية بين الأطلال – الخاتمة

رواية بين الأطلال الخاتمة

رواية بين الأطلال –

رواية بين الأطلال الخاتمة
رواية بين الأطلال الخاتمة

الخاتمة

16

استيقظت ” سامية ” في الصباح ، أو على الأصح غادرت فراشها ، فما نظن أن النوم قد قارب جفينها من فرط ما كان في نفسها من انفعالات صارخة صاخبة .

كانت أفكارها مختلطة مشوشة .. لا تكاد تستبين منها شيئاً محدداً واضحاً .. فقد هزتها الصدمة التي تلقتها في ليلتها الماضية هزّة عنيفة .. كانت أشبه بزلزال يقلب أسفل الأرض عاليها ، وعاليها أسفلها .

ما كل هذه الخفايا التي كان يخفيها سطح حياتها الهادئ الراكد ؟ أحقاً قد احتوى الماضي المطوي كل هذه العجائب ؟!

أباها ، ومذكراته .. أمها الأولى ، وأمها الثانية ، أو الراحلة والباقية .. الميتة والحية .. الصحيحة والزائفة .

زائفة ؟! حاشا الله ، إنها ما أحست بحبها لها أقوى منه الآن .. لقد صدقت في قولها ، إن صلات القربى لا تقوم على صلات الدم ، بل على العشرة الطويلة والحب الصادق العميق .

لقد كانت أمها خلال تلك الفترة الماضية من حياتها ، وستبقى أمها إلى الأبد .

وابنها ؟!

عجباً ! أن يكون ابنها !

ولكن لا .. ليس عجباً ! إنها أحبته ـ دون بقية خلق الله ـ حباً جنونياً ، ألا يحتمل أن يكون ذلك مرجعه لأنه ابن أعز مخلوقة لديها ؟

إنهما يستطيعان الآن الزواج !

حمداً لله .

ماذا كان يمكن أن يحدث لو كان هو فعلاً أخاها ؟! لا . لا . إن هذا الأمر لم يكن يمكن حدوثه ، لأنها تحبه حباً عنيفاً ، والقلوب تستطيع أن تميز الشخص الذي يجب أن نحبه والمحرّم عليها حبه .

إن العقدة قد حلت .. لقد عقدها القدر ثم أسرع بحلّها ، عقّدها بطريقة روائية مفاجئة ، وحلّها بنفس الطريقة .

كل شيء على ما يرام .. إنه يستطيع أن يتقدم الآن لخطبتها رسمياً .. وفي بضعة أيام ينتهي الأمر .

ولكن .. هناك أبوه ، و ” الحاجة ” !

إن ” الحاجة ” لابد قد أنبأت أباه بالأمر ، وإذا كان قد سبق أن رفض عودة أمها إلى بيته ، وحرّم عليها رؤية ابنها .. أيقعل بعد ذلك أن يرضى بهذا النسب ؟!

أيمكن أن يقبل هذا الوضع العجيب والصلة الجديدة ؟ أيرضى بأمها .. حماة لابنه ؟ أيرضى بأن تعود المياه إلى مجاريها بعد هذه القطيعة الطويلة ؟

لِمَ لا ؟!

ولِمَ نعم ؟! إنه عنيد .

ولكن ابنه سيصير .. سيتزوجها رغم كل شيء سيضحي بأبيه من أجلها ، وستضحي هي بالعالم كله من أجله .

وأمها !! أمها ! لا ! لا ! إن أمها أولاً .

وهكذا استمرت الأفكار تصطخب في رأسها حتى تركته يكاد ينفجر .

وجلست وأمها إلى الإفطار ، ولم تتناول كل منهما إلا لقمات معدودات ، ورشفة من فنجان الشاي .

ولم تجرؤ ” سامية ” على أن تبدأ الحديث ، رغم أنها كانت تتلهف على ما تنوي أمها عمله .

وأخيراً تحدثت الأم محاولة أن تضفي على قولها شيئاً من المرح وأن تزيل عن نفسها ذلك العبء الجاثم من ليلة أمس ، قالت :

  • أظن من الخير أن أقوم بزيارة لهم لتسوية الأمور مع أبيه .. لابد من الذهاب حتى أقنعه بأن يسدل ستاراً كثيفاً على ما مضى ، وألا يجعل من ماضينا معاً عقبة في سبيل مستقبلكما ، سأرجو منه أن يعتبرني غير كائنة ، وألا يعتبر أن هناك أية صلة بيننا ، وأنا بعد كل شيء .. لست أمك الحقيقية ، فمن الجنون أن يأخذك بحريرتي نحوه .
  • ما هذا الذي تقولين يا أماه ؟ لقد قلت لك ، إني أفضلك على كل شيء .. إني أستطيع أن أجد زوجاً آخر ، ولكني لا أستطيع أن أجد أماً أخرى !
  • يا حبيبتي .. هذه حياتك ، وهذا مستقبلك ، وأنا لم أبلغ من الأنانية إلى الحد الذي يجعلني أحرمك نصيبك من السعادة والهناء .. لقد كان كل هدفي في الحياة هو أن أبقى بجوارك لأسعدك ، والآن يجب أن أتنحى عنك لنفس السبب .
  • على أية حال . ليس هناك ما يمنع من زيارتي له .. فربما يكون الزمن قد أزال ما علق به مني .. وقد تكون السنون أنسته الذكريات المريرة .
  • لا .. لا .. لن تذهبي .. إنهم هم الذين يجب أن يأتوا أنا لم أرخص بهذا القدر حتى تذهب أمي لكي تخطب لي .. إنك ستبقين هنا مكرمة .. وإذا كان هو يريدني حقاً .. فليأت إليك .
  • أؤكد لك أني لن أشعر مطلقاً بأية غضاضة في الذهاب إليه .
  • ولكني أنا أشعر .. إنك أمي ، ولا أحتمل قط أن تقفي من أي أحد موقف الرجاء والسؤال .. حتى ولو كان من أجل مستقبلي .. لقد عودتني دائماً أن أحصل بنفسي على ما أريد .. فدعي الأمر لي .
  • هذا أمر أخطر من أن أدعه لك .. إنه واجبي نحوك .
  • على أية حال دعينا ننتظر اليوم .. فقد يدبرها الله كما قلت بالأمس .

وسمعت كلتاهما صوت عربة تقف بالباب .. وأحست ” سامية ” برجفة شديدة .. أيمكن أن يكون قد أتى هو لإنهاء الأمر .. بعد أن سواه مع أبيه ؟ ليته يكون قد فعل .. ليته يأتي .. حتى يجنب أمها مرارة الرجاء وذل الاستغفار .

ونهضت إلى الباب لترى القادم ، فأبصرت سيدة كبيرة في مثل سن أمها تنزل من العربة وتجتاز الممر المؤدي إلى الدرج ، ثم ترفع بصرها إليها متسائلة في رفق وبشاشة :

  • أظنك سامية ؟
  • أجل يا فندم .. أنا سامية .. تفضلي .
  • ماما موجودة ؟
  • أجل ! موجودة .. تفضلي .

وصعدت السيدة الدرج . وقادتها ” سامية ” إلى حجرة الصالون ، وعادت إلى القاعة فسألتها أمها :

  • من ؟
  • سيدة تسأل عنك .

وبعد لحظات قصار كانت الأم تقف بباب حجرة الصالون وتهتف في دهشة شديدة ، وفرحة بالغة :

  • أنت ؟ بعد هذه الغيبة الطويلة ، أراك أخيراً .. أهلاً وسهلاً .. حمداً لله على السلامة .. كيف حالك ؟ وما أخبارك ؟ وكيف حال أولادك وزوجك ؟
  • بخير كلهم .
  • أي ريح طيبة قذفت بك إليّ .. بعد طول غياب ؟

وأجابت الضيفة ضاحكة :

  • إنها ريح طيبة حقاً .. إني قد أتيت إليك .. طالبة القرب .. أتصدقين هذا ؟

وبلغ هذا القولا الضاحك مسامع ” سامية ” ، وهي تقف في القاعة تعد أكواب المرطبات لتقديمها إلى الضيفة .. وتملكتها الدهشة وأرهفت أذنيها ففسمعت أمها تتساءل :

  • طالبة القرب ؟ حقيقة ؟
  • أجل حقيقة ! بعد هذا الفراق الطويل يشاء الله أن يجمعنا مرة ثانية ، وفي هذه المرة برباط نسب متين .

وكانت الأم في حالة دهشة وعجب لم تمكنها من أن تقول شيئاً .

واستمرت الضيفة في حديقها قائلة :

  • لقد دهشت أكثر منك .. فقد كان يحدثني عنها ، وأنا خالية الذهن تماماً ، عن أنها ” سامية ” التي أعرفها .. ولقد أصرّ على أن آتي لخطبتها .. ولكن لم أشأ أن أتقدم إلا بعد البحث والاستقصاء .. ولشد ما أدهشني أن أعرف أن المسألة ف بيتها .. وأني لن أخطب غريبة .. بل حبيبة ، وابنة حبيبة .. إنها لا تعرفني .. وأنا أيضاً لم أكن أعرفها إلا بالتخمين .. إني لم أرها منذ أن كانت طفلة ، لقد أصبحت فتاة يافعة مكتملة .. إنه معذور في لهفته عليها .

من هو ؟

كانت ” سامية ” تنصت مشدوهة مذهولة .

أيمكن أن يكون حبيبها ” كمال ” ؟

ولكن من هي ؟ وما صلتها به ؟

أمعقول أن تكون هذه هي ” الحاجة ” ؟

لا .. لا .. إن هذه سيدة أرستقراطية .. و ” الحاجة ” مجرد ” دادة ” لا تزيد عن خادمة .

إذاً من تكون هذه ؟ وما تلك الأحاجي والألغاز ؟

وكانت الأم صامتة مطرقة الرأس ، والضيفة مستمرة في حديثها :

  • لقد قال لي إنه منذ رآها في أول مرة في المعهد .. أحس أن هذه هي زوجته .

المعهد !! عجباً !! لابد أن يكون ” كمال ” ، ولعل السيدة خالته أو إحدى قريباته .

أجل ! أجل ! لقد وضح الشك .

واستمرت السيدة تقول :

  • لقد كان ” أنور ” دائم الإعراض عن الزواج !! كان يفضل دائماً أن يكون حراً طليقاً .

أنور !! أنور !! أنور من ؟

زميلها في المعهد .. المحامي المهذب الرقيق .. الذي ظل يوصلها بعربته كل يوم إلى البيت ، والذي سألها مرة أن يقبل يدها .. عجباً له ! أكان جاداً في شعوره نحوها إلى هذا الحد ؟

لشد ما يسوءها أن تخذله ، ولكنها لا تستطيع إلا أن تفعل .. إن هناك من احتل قلبها وذهنها ونفسها .. إنها لا ترضى به بديلاً ، ولا تقبل عنه عوضاً .

يا للفتى الطيب اللطيف .. لشد ما يحزنها أن ترده فاشلاً .

ولكن من تكون أمه ؟ وما سر صلتها الوثيقة بأمها ؟

وعاد صوت السيارة يقرع أذنها مرة أخرى :

  • من كان يخطر له ببال .. أني سآتي إليك في يوم ما خاطبة ؟

” ومن كان يخطر له ببال ، أني سأردك خائبة ؟ ” .

بهذا حدثت الأم نفسها ، والأسى ملء جوانحها . ولاحظت السيدة ما يبدو على الأم من حزن ووجوم .. فسألتها في عجب :

  • ما بالك مطرقة ؟ أهناك شيء يزعجك ؟

وصمتت الأم فترة قبل أن تجيب في صوت ملؤه الأسى :

  • الواقع أنا لا أدري كيف أجيبك .. يبدو لي أن القدر يأبى إلا أن يعيد مفاجآته وسخرياته بعد طول هدوء وسكينة .. ما كنت أظن أن هناك شيئاً يسعدني قدر أن أرتبط معك بصلة نسب وأقدر أن ألبي لك طلباً .. أي طلب .. مهما كان عسيراً . ولكني الآن بعد هذا العمر الطويل .. أجد نفسي عاجزة عن تلبية أبسط طلباتك . الطلب الذي أعتبره جميلاً منك وفضلاً لك عليّ .

وصمتت الأم برهة ثم أردفت قائلة في أسف شديد :

  • إن ابنتي قد خطبت .

ووجمت السيدة ، وفغرت من العجب فاها ، وتمتمت قائلة :

  • خطبت ؟. مبروك .. كان يجب أن أعرف ذلك . منذ متى خطبت ؟
  • منذ أيام قلائل .. ليست خطوبة تامة .. إنها شبه خطوبة ، أو أمل في خطوبة .
  • لست أدري ما تعنين ؟
  • قبل أن أشرح لك .. أظن أن من الخير أن أنبئك من يكون الخطيب ؟ ومن تظنينه ؟
  • من يكون ؟
  • كمال ؟
  • كمال مَن ؟
  • كمال .. ابن عبد الرحمن بك .. أو ابني أنا ، الذي أنبأك أبوه عندما ذهبت لتسأليه الصفح والمغفرة أنه سيحرم عليّ رؤيته ، وقد فعل ، فلم أره حتى الآن .. ولكنه رأى ” سامية ” وخطبها . أرأيت أشد من هذا سخرية من القدر ؟!

وهتفت الضيفة تقول مشدوهة :

  • ماذا تقولين ؟.. خطب ” سامية ” ؟ وأين التقى بها ؟ وكيف رآها ؟
  • رآها في المعهد .. كما رآها ” أنور ” .. لقد اشتغل معيداً في الجامعة عقب عودته من كمبردج .. وكان يقوم بتدريس الإنجليزية لها .
  • مدهش ! ما سمعت أعجب من هذا قط .. هذا شيء لا يمكن تصديقه .
  • هذا هو ما حدث .. لقد سألها الزواج منذ أيام .
  • وماذا قال أبوه ؟
  • لا أحد يعرف بعد .. من يدري ماذا يمكن أن يقول !
  • أتظنينه سيقبل ؟
  • الله أعلم .

وعاد ذهن الضيفة القهقري إلى أعوام خلت ، وتذكرت ذهابها إلى الرجل في بيته وترجوه إعادة زوجته والعفو عنها ، وكيف صدها ونهرها وازدراها واحتقرها .. ونظرت إلى الأم المطرقة الجالسة أمامها في وجوم ، وأحست لها برثاء شديد عندما سمعتها تهمس قائلة :

  • هذه المرة .. لا يعنيني الأمر وحدي .. بل يعني مخلوقة أعز عليّ من نفسي .. لقد ضربت به عرض الحائط لأن الأمر كان أمري .. أما هذه المرة .. فإنه أمرها هي .. أمر سعادتها ومستقبلها وهنائها .. ولست أطيق أن أراها تشقى .. لابد أن أطاطئ الرأس .. وأرجو وأتوسل .. ولا أظنه سيظل حاقداً عليّ بعد هذا العمر الطويل .. ولا أعتقد أنه سيأخذها بجريرتي .

وساد الصمت مرة أخرى .. وعادت السيدة ترقبها في  عطف شديد .

مسكينة !.. إن القدر يأبى أن يتركها تهدأ وتستريح .. كيف تذهب لتتذلل إليه بعد هذا العمر الطويل !! إنه رجل حقود ممرور ، ولن يتورع عن صدها وخذلانها وإذلالها .

ولم تملك إلا أن تلقي إليها ببضع كلمات على سبيل المواساة والتشجيع قائلة :

  • لا تحزني ولا تيئسي .. دعي الأمور لله يدبرها .
  • الله يدبر أموري أنا ؟ أموري أنا ؟ يبدو لي أنه قد تخلى عني تماماً !
  • لا .. لا .. لا تيئسي من رحمة الله أبداً .. إني آسفة من أجلك .
  • أنا الأشد أسفاً .. ماذا ستقولين لأنور ؟
  • لا شيء .. سأقول له إنها ليست لك ، فدعك منها ، ولكن أين سامية ؟ لِمَ لم تحضر لأراها !

ونادتها أمها .. فأقبلت وهي تحاول أن تخفي عنها ذلك الوجوم الذي تملكها .

إذاً فهذه هي الصديقة القديمة لأمها .. التي كانت لها خير العون ونعم النصير ، والتي لم تخذلها عندما خذلها سائر الأهل والأقرباء .

يا للسخرية !! لقد خذلتها هي في أول مطلب لها !

ورحبت السيدة بها ، وجرى الحديث في أمور عادية ، فسألتها عن الدراسة والجامعة ، ولم تشر إحداهما إلى ما جرى قبل ذلك من حديث .

وأخيراً نهضت منصرفة وودعتهما قائلة :

  • أرجو أن أراكما قريباً ، هذه فرصة سعيدة لإعادة الصلة بيننا مرة أخرى .

وجلست الأم وابنتها وحدهما وقد ران عليهما صمت ، وبدا عليهما الشرود .

وأخيراً قالت الأم :

  • أتعرفين من هذه ؟
  • أجل أعرف كل شيء ، وسمعت كل شيء !

وصمتت الأم برهة ثم عادت تقول :

  • لقد ساءني منها فيما مضى أن ذهبت إليه ترجوه الغفران .. أما الآن فكم أتمنى لو تعاود الكرة ، إن الأيام تجبرنا دائماً على أن نتلهف على ما كنا نسخر منه .. إنها خير من تقوم بمهمة الوساطة ، ولكن كيف أسألها ذلك ، وهي قد . كيف أسألها أن تذهب لتخطب لك ؟

وبعد الغداء نهضت الفتاة إلى حجرتها ، وجلست وحدها شاردة الذهن .

ترى ماذا حدث لكمال ؟ هل أنبأت الحاجة أباه بحقيقة الأمر ؟ وهل ثار أبوه ؟ ولكن ” الحاجة ” نفسها لا تعرف الأمر على وضعه الصحيح .. إنها تظن أنا وكمال إخوة ، وهي ستنبئ أباه بالخبر ، وسيؤكده له أبوه بالطبع ويقص عليه قصة أمه بحذافيرها .

أترى سيحاول ” كمال ” بعد ذاك لقاءها ؟ أتراه سيجئ في الموعد بعد أن أقنعوه بأنها أخته ؟

أمه ، ولكن . لا . لا نظنه يفعل ذلك ، فلا شك أن أباه والحاجة ، سوف يسممان أفكاره ويقنعانه بمقاطعتها كما أقنعاه من قبل أنها ميتة .

وعلى ذلك فلن يأتي إليها .

إذاً فلابد أن تحاول هي لقاءه وإحاطته بجلية الأمر .

ولكن .. ماذا سيكون رأيه ؟ هل سيستمر على حبها كما كان ؟

لا . لا . إنه لا شك سيعرض عنها .

أف لهذه الأفكار التي تكاد تفجر رأسها ، لو استطاعت النوم ، أو الكف عن التفكير .

واستلقت على الفراش .. إنها لن تذهب إلى الموعد .

ولن تذهب إلى الجامعة ، ولن تفعل شيئاً أبداً .. إنها ستظل راقدة هكذا .. إنها جد منهكة .. جد منهارة .

وأغمضت عينيها ، وكان الجهد والسهر قد أخذا منها كل مأخذ ، فتسلل النوم إلى عينيها وراحت في إغفاءة طويلة ..

ورأت فيما يرى النائم أحلاماً مضطربة مشوشة ما لبثت حتى استبانت ووضحت ، فوجدت نفسها تجلس بجواره في العربة وقد سارت تطوي بهما الأرض في طريق الهرم . وما لبثت حتى أحست بالطريق قد غمره الماء حتى صار نهراً متدفقاً ، وإذا بالعربة قد أضحت قارباً ، وجلسا كلاهما متجاورين متلاصقين ، وقد سار القارب بهما في رفق ينساب على سطح الماء ، وهب النسيم عليلاً هادئاً ، ولكنه أخذ يشتد شيئاً فشيئاً حتى انقلب إلى عاصفة هوجاء ، أخذت تدفع القارب أمامها بشدة ، وعلى حين غرّة ضربته موجة عالية فقلبته رأساً على عقب .. وأمسك كل منهما بالآخر يضمه بشدة ، وأحست بجسديهما يهويان في الماء وكأن يداً قاسية تجذبهما إلى أسفل ، ونظرت وراءها فإذا بوجه عجوز تكشر عن أنيابها كأنها عفريت وقد تشبثت بهما وأخذت تدفعهما إلى جوف الماء .

وحاولت الصراخ ولكن صوتها خرج متحشرجاً مبحوحاً .. وفجأة أبصرت أمها تعدو على الشاطئ وهي تقترب منهما مادة إليهما يدها .. لإخراجهما ، ولكنها لم تكد تصل إليهما حتى أبصرت برجل يطبق عليها ويحاول أن يصرعها وأحست بنفسها تتهاوى هي وصاحبها ، وبلغ اليأس مبلغه وهي ترى أمها تقاوم الرجل محاولة الإفلات لإنقاذهما .. وأخيراً كادت تغلب على أمرها لولا أن بدت في الأفق امرأة تعدو إلى أمها فتشاركها في صراعها مع الرجل حتى تتغلبا عليه ثم تهبطا إلى النهر لإنقاذهما ، وتصل إليها الأم وهي في الرمق الأخير وتتشبث بها صائحة :

  • أماه ؟ أنقذيني !

وأحست بذراعين حنونين يضمانها وسمعت صوت أمها تقول في لهفة :

  • لا تصرخي يا حبيبتي .. إني بجوارك !

وفتحت عينيها فوجدت أمها تضمها برفق وتهتف بها في حنان :

  • لا تبكي .. أنبئيني عما أزعجك ؟

وجلست الفتاة في الفراش وهي تحس بفرط التعب من الحلم المزعج ومن صراعها في الماء .

ووجدت على وجه أمها فرحة ظاهرة ، وأدهشها ألا تجد به أثراً لذلك العبء الذي كان يثقل كاهلها منذ ليلة أمس .. لقد بدت سعيدة قريرة ضاحكة وهي تقول لها :

  • انهضي يا سامية ، والبسي ثيابك بسرعة .
  • لِمَ ؟
  • هناك ضيوف في حجرة الصالون .. يريدون رؤيتك .

وبدت الدهشة على وجه سامية ، وهتفت :

  • ضيوف ؟ يريدونني أنا ؟ من يكونون ؟
  • إنها أم أنور .
  • أم أنور ؟ مرة ثانية ؟ لِمَ ؟
  • أسرعي يا سامية .. ليس هناك وقت للسؤال .

وغسلت وجهها وأبدلت ثيابها ، وسارت إلى حجرة الصالون ، وقبل أن تبلغها فاجأ أذنيها صوت حبيب إليها .. صوت ” كمال ” .

وأصابتها هزّة فرح ، واجتازت الباب ، فإذا بها تبصر صديقة والدتها ، و ” كمال ” ، وكهلاً آخر لم تره من قبل .

ومدت يدها محيية ، وقال ” كمال ” على سبيل التعريف يشير إليها وإلى الكهل :

  • سامية خطيبتي .. عبد الرحمن بك أبي .

وازدردت ” سامية ” ريقها وهي تتلفت حولها في دهشة !

وقال ” كمال ” موضحاً في اختصار وهو يبتسم في جذل :

  • لقد أنبأت الحاجة أبي بالخبر ، وأرته الصورة . ولم يكن هناك مجال للشك بعد ذلك ، ولقد أصبحت في حالة يائسة وحيرة شديدة . بعد أن علمت أنك أختي ، ولم أكن أعرف كيف أتصرف .. حتى أقبلت علينا السيدة والدة الأستاذ ” أنور ” ، وطلبت مقابلة أبي ، وذكرته بنفسها وقالت له إنها تزوره للمرة الثانية بنفس الرجاء ، وهو الصفح والغفران .. ثم شرحت له جلية الأمر ، ولم نجد هناك ما نفعل بعد ذلك أفضل من أن ننتقل إليكما لننهي المسألة نهائياً .. حالاً .. وبلا أقل انتظار .

وضحك أبوه قائلاً :

  • أمتعجل إلى هذا الحد ؟
  • أجل متعجل جداً .. خشية أن يظهر القدر بمفاجأة جديدة .. سآخذها معي الآن وسنرحل عنكم ، وقانا الله شر مفاجآتكم .
  • إن مفاجآتنا ستكون سارة .. لا تخش شيئاً .

واستمر الحديث يجري بينهم مرحاً ضاحكاً .. حتى نهض ” كمال ” قائلاً :

  • أظن قد آن لنا الانصراف .. سآخذ سامية معي لألبسها ” الدبلة ” !

وقامت السيدة والدة ” أنور ” وشدت على يدهم في حرارة وقالت لصديقتها :

  • إني أحس الآن بمنتهى السعادة .. سعادة أكبر كثيراً مما لو كنت قد خطبتها إلى ابني .. سأذهب إليه الآن وأقول له إني خطبتها لغيره .

واتجهت السيدة إلى عربتها ، ووراءها ” كمال ” و ” سامية ” ، وفي المؤخرة سار الأب بخطوات متباطئة ، وقد أخذ ينظر إلى الأم نظرات مترددة كأنه يود أن يقول شيئاً .. وأخيراً همس :

  • أستبقين وحدك ؟! إني على استعداد لعودتك .. إني آسف على ما مضى .. هيا بنا ، ودعينا ننس كل شيء .

وأجابته في صوت خافت يائس :

  • بعد هذا العمر الطويل ؟.. لا .. لم تعد هناك فائدة .. لقد تعوّدت الوحدة ، والنهاية لم تعد بعيدة .

ونظر إليها نظرة ملؤها التوسل ، ولكنها هزت رأسها في أسف ويأس .

وتحرك الركب ووقفت في الشرفة ترمقهم وتلوح لهم .

عندما اختفى الركب .. كان هناك شيء آخر يوشك أن يختفي .

كان هناك القرص الأحمر الدامي يغيب ببطء وراء الأفق .

ووقفت ترمق القرص ينساب في هدوء ، وأحست كأن ذيول الأشعة الحمراء يد تمر على جبينها برفق وحنان .. وبدا لها في الشفق الأرجواني شبح ابتسامة رقيقة .

وهبت نسمة سرت في أطراف الشجر ، فأرسلت من الورق حفيفاً خيل إليها أنه يهمس بها :

” .. وأنت .. أنت يا توءم الروح .. يا منية النفس الدائمة الخالدة .. يا أنشودة القلب في كل زمان ومكان .. مهما هجرت .. ومهما نأيت ” .

وعندما أوشك القرص الدامي على الاختفاء .. عاد الحفيف يردد :

” ارقبيه جيداً .. وإذا رأيت مغيبة وراء الأفق فاذكريني ” .

واختفى القرص ، فاستدارت ببطء عائدة إلى الدار الخالية .. وفي حجرتها مدت يدها إلى أحد الأدراج فأخرجت منه صندوقاً صغيراً .. أخذت تتحسس محتوياته بحنان شديد .

كانت المحتويات رسائل قديمة ، وصورة باهتة ، وفتاتاً من الشكولاته ، وهشيماً من زهور البنفسج .

كانت بقاياه .. أو أطلاله .

كانت تلك هي كل ما بقي لها من سلوان في الأرض .. وفي السماء .

إن عزاء اليائسين من الحياة ، هو أمل في لقاء في السماء . أما هي .. فلن يكون لها حق اللقاء .. حتى في السماء .

إن زوجته قد سبقتها هناك إلى اللقاء .

يا للعمر الضائع سدى .. الذاهب هباء !

أيخلق التوءمان في هذا الوجود ، فلا يلتقيان إلا لقاء مسافرين في قطارين متضادين .. لا يبصر كلاهما الآخر إلا لحظة يطويهما بعدها الفراغ ويلفهما العدم .. بلا أمل في  عودة أو رجاء في لقاء ؟

لحظة واحدة .. تعادل العمر كله .. ورب لحظة كيوم ، ويوم كعام .. وعام كدهر .

لحظة واحدة .. تخلد في النفس أبد الدهر .. هي ذخيرة الحياة ، وما بعد الحياة ، لو كانت هناك ، بعد الحياة ، حياة .

وأمسكت بالرسائل والزهور ، فرفعتها ببطء إلى شفتيها ، وبدا وجهها الحزين ، وقد نشر عليه الأسى ظلاله ، وهبطت من مقلتيها قطرات من دمع جموح شرود .. أطلقتها الذكرى ، وألهبها اليأس والجوى .

وانسابت الدموع فامتزجت بهشيم الزهور ، واختلطت بالسطور .. كأنها تؤكد اختلاط الزوجين ، وامتزاج المهجتين .. وإن كانت إحداهما في الأرض والأخرى في السماء .

وسقطت الظلمة .. فلفت في حنايها الجسد الواهن ، والنفس المضناة .. التي لا تملك من عزاء . في حياتها الفانية والباقية ، سوى العيش بين الأطلال .

اترك تعليقاً