رواية بين الأطلال – مقدمة

رواية بين الأطلال – مقدمة

رواية بين الأطلال مقدمة
رواية بين الأطلال مقدمة

سألني أحدهم عما يدعوني إلى هذه المقدمة التي تعودت أن أبدأ بها كتبي وأنبأني أنها لا فائدة منها ولا داعي لها .

وقد يكون على حق ، فما حاولت من قبل أن أقرأ مقدمة كتاب ، بل  إني غالباً ما أتجاوز عن بضع الصفحات الأولى ، وأبدأ القراءة من أول الكتاب .

ويبدو لي أن هذا ما يفعله الكثير من القراء ، ومع ذلك فإني مصر على أن أكتب المقدمة ، إذ أحس برغبة في التحدث إلى القارئ ، وأكره أن أجهد نفسي في كتابة كل هذه الصفحات ، ثم ألقي بها إليه بلا كلمة واحدة بيني وبينه .. بل أقدمها في صمت .. وأنصرف عنه في صمت .. بلا حتى ” سلامو عليكم ” أو ” خذ اقرأ هذه .. علها تعجبك ! ” .

وعلى ذلك فأنا أكتب المقدمة لأشعر نفسي أني لا أكتب الكتاب ثم ألقي به في بحر خضم متلاطم القراء .. مجهول الحدود ، مبهم التفاصيل .. بل أكتب لإنسان مميز معلوم أعرفه ويعرفني .. وأحادثه ويجيب عليّ .

وقبل أن أذكر للقارئ شيئاً عن هذه القصة التي بين يديه ، أود أن أسرد له حديثاً جرى بيني وبين الأستاذ ” بديع خيري ” عندما كنت أزوره في المستشفى عقب عملية جراحية أجريت له ، وكان قد انتهى من كتابة مسرحية جديدة وهو طريح الفراش .. وقلت مبدياً رأيي في المسرحية عقب مشاهدتها :

– إنها رائعة .. مضحكة جداً .

فأجابني وهو يهز رأسه في عجب :

– لو علم الذين ضحكوا منها كم قاسيت في كتابتها لما ضحكوا .. لقد كنت أكتبها وأنا شاك موجع .. بين الحقن والغيارات .

ثم هز رأسه وأردف قائلاً :

– هذه حرفة .. لابد من كتابتها في أي ظرف وفي أي وقت .. لقد زرت ذات مرة صديقاً لي في عزبته ، فأنبأني بأنه سيهيئ لي جواً عظيماً للكتابة : نسيماً عليلاً ، وماء سلسبيلاً ، وخضرة صفتها كذا وكذا ، ووضعني صاحبي في هذا الجو الساحر .. فلم أكتب شيئاً ، وهش صاحبي وسألني : ما بالك لا تكتب ؟ فقلت له : ” يا عم أنا مش واخد على الحاجات دي .. متخسرنيش .. أنا واخد على الكتابة على الرصيف وسط الكلاكسات وصريخ العربجية الحنطور .. وهوه أنا لو كنت ما أكتبش إلا في الخضرة والهدوء والنسيم العليل .. كان عمري كتبت حاجة ؟ .. ومنين بس حاجيب النسيم العليل ده كل ما أحب أكتب ” .

ويبدو لي أني من نوع الأستاذ بديع .. أعني كاتب غير مرفه .. لا أحتاج قط إلى نسيم عليل وماء سلسبيل .. فأنا عندما أبدأ الكتابة أصبح كالمحكوم عليه بالكتابة مع الأشغال الشاقة .. فأنا آخذ نفسي بغير رفق ولا هوادة لا راحة .. بل أحبس نفسي في حجرة .. وأظل أكتب ، وأكتب بلا توقف .. كأني أخشى أن تفر مني القصة ، ويداخلني إحساس بأني لو لم أكتب القصة في نفس واحد ، وكتبتها على فترات أعطي نفسي في خلالها الراحة الكافية لخرجت القصة غير متماسكة ولا متناسقة .. بل مرقعة مهلهلة .

هذا هو ما أتخيله . لست أدري مداه من الصواب والخطأ .

وهذه القصة كتبتها بنفس الطريقة .. طريقة السجن مع الكتابة .. فقد بدأتها في رمضان سنة 1370 هـ ( 1951 م ) إذ وجدت الصيام يهيئ لي ساعات طويلة متواصلة من الكتابة بلا توقف .

وهكذا بدأت عملية الحبس يومياً من الساعة التاسعة صباحاً حتى الخامسة مساء ، وفي اليوم العشرين كنت قد انتهيت من القصة .

ومرة أ خرى أشعر بقلق شديد . فإن هذا الاندفاع في كتابة القصة أفقدني قدرتي على الحكم عليها ، وإن كان يطئمنني بعض الشيء .. التقدير الذي لقيته قصة ” إني راحلة ” التي كتبتها بنفس الطريقة المندفعة السريعة .

وبعد .. هذه هي المقدمة .. ـ وكما سبق القول ـ إني أعتبرها مجرد ” سلامو عليكم ” فهي تحية صداقة لقارئ قديم ، وتحية تعارف لقارئ جديد .. فإن لم يقرأها القارئ فلا سلام عليه ، وإن قرأها فعليه السلام .

يوسف السباعي

اترك تعليقاً