ما هو مشروع الجينوم البشري؟

ما هو مشروع الجينوم البشري؟

ما هو مشروع الجينوم البشري؟
ما هو مشروع الجينوم البشري؟

ما هو مشروع الجينوم البشري؟ ولماذا يعتبر أضخم المشروعات الطبية حتى الآن؟ وما الذي استفدناه من نجاح هذا المشروع؟
كل هذه الأسئلة ستجدون إجاباتها تفصيليًا في هذا المقال.

مشروع الجينوم البشري (HGP) هو عبارة عن مجهودات بحثية دولية لتحديد تتابعات الـ DNA لكامل الجينوم البشري. شارك في المشروع كل من مؤسسة أبحاث الجينوم البشري القومية (NHGRI) التابعة لمؤسسة الصحة القومية (NIH), والتي بدأت تمويل المشروع منذ عام و1988 و وزارة الطاقة الأمريكية (DOE) والتي بدأت فيها مناقشات المشروع باكرًا في عام 1984 وعدد هائل من الجامعات والمعامل داخل الولايات المتحدة؛ وشركاء دوليين في المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا واليابان والصين.
ظلت وزارة الطاقة الأمريكية (DOE) والهيئات الحكومية التابعة لها ولخمسين عامًا تخطط للبحث بعمق في الأخطار المحتملة على صحة الإنسان نتيجة لاستخدام الطاقة ونتيجة للتقنيات المولدة للطاقة. حتى وقت قريب، استطاع العلم اكتشاف بعض التغيرات الطفيفة التي تحدث في الحمض النووي الـDNA الذي يشفر برنامجنا الوراثي ويوجه الوظائف الحيوية لجسم الإنسان. ويحتاج البحث العلمي الاستمرار في فك ألغاز هذا العدد العظيم من الجينات بغرض معرفة ما يترتب عليها من تغيرات تؤدي إلى المرض. أي معرفة وظيفة كل جين، وما يتبع تغيره من تغير في وظيفته فيتسبب المرض.

في عام1984 ، في اجتماع مشترك بين وزارة الطاقة الأمريكية واللجنة الدولية للوقاية من المطفرات (Mutagens) والمسرطنات (Carcinogens) البيئية، طرح لأول مرة بصورة جدية ذلك السؤال: هل يمكننا، أو هل يجب علينا، أن نقوم بتعيين سلسلة تتابعات الجينوم البشري ،وبكلمات أخرى: هل علينا تطوير تقنية تمكننا من الحصول على نسخة دقيقة (كلمة بكلمة) للمخطوطة الوراثية الكاملة لإنسان وبهذا نتوصل إلى مفتاح اكتشاف التأثيرات المطفرة Mutagenic المفسدة الناتجة عن الإشعاع والسموم المسببة للسرطان.

لم تكن إجابة هذا السؤال من السهولة بمكان، لذلك فقد عقدت جلسات عمل عدة خلال عامي 1985 و1986، وتمت دراسة الموضوع برمته من قبل المجموعة الاستشارية لوزارة الطاقة، ومكتب تقييم التكنولوجيا التابع للكونجرس والأكاديمية الوطنية للعلوم، بالإضافة إلى الجدل الذي احتدم وقتها بين العلماء أنفسهم على المستويين العام والخاص. وعلى أي حال، فقد استقر الإجماع في نهاية الأمر على أن على البشرية أن تخطو في هذا الاتجاه.

إكمال المشروع هو محطة هامة في تاريخ البحث الجيني. فقد أدرك Alfred Sturtevant –الباحث الذي درس في معمل Thomas Hunt Morgan- أنه يجب عليه أن يحدد مواقع جينات ذبابة الفاكهة كي يستطيع التعامل مع البيانات التي يحصل عليها من مشاهداته لعملية الطفرة الحادثة عبر الأجيال والتي كانت تهتم معامل Morgan بمراقبتها. وجاءت أولى خرائط Sturtevant الجينية كما جاءت أول رحلة للأخوان رايت-Wright brothers فى كيتى هاوك-Kitty Hawk. أو بكلمات أدق يمكن مقارنة مشروع الجينوم البشري ببرنامج أبولو والذي أوصل الإنسانية للقمر.
فك باحثو المشروع شفرة الجينوم البشري باستخدام ثلاث أدوات هي:
إنتاج ما يدعى بخرائط الربط ؛وإصدارات معقدة من النوع الصادر من بحث مبكر عن ذبابة الفاكهة حيث يمكن رصد الصفات الوراثية (مثل تلك الموجودة في المرض الجيني) عبر الأجيال؛ وعمل خرائط توضح مواقع الجينات لمعظم أقسام صبغياتنا وتحديد ترتيب أو تتابعات كافة القواعد في الجينوم الخاص بالـ DNA البشري.

بدأ العمل بأخذ عينات الدم من المتطوعين، والتي تُستخلص باستخدام الطرق الكيميائية الروتينية، ثم تجمّع pooled وتبرد عند درجة صفر فهرنهايت، ثم تقطع إلى متواليات متراكبة يبلغ طول كل منها نحو و150.000 حرف. وعلى الرغم من ذلك، لا يوجد في هذه العينات الأصلية مقدار من الـ DNA يكفي لتحليله، ولذلك فالخطوة التالية هي استنساخ كل (شظية-Fragment) داخل البكتريا، والتي تصنع نسخاً عدة منها مع تكاثرها.

وتستخدم الروبوتات Robots في نقل هذه المستعمرات البكتيرية إلى آلة تضخمها Amplify لدرجة أكبر. وتسمى التقنية التي تستخدمها هذه الآلة (تفاعل البوليميريز التسلسلي-Polymerase Chain Reaction or PCR) وقد أهّل مكتشفه الكيميائي الأمريكي كاري موليس Mullis لنيل جائزة نوبل عام و1993.

وبعد ذلك، تفك شفرة كل شظية باستخدام آلة تسمى (المسلسل-Sequencer)، والتي تنفذ مجموعة من التفاعلات الكيميائية التي طوّرها العالم البريطاني فريد سانجر Sanger، والحائز على جائزة نوبل. وللتبسيط، نقول إن تلك التفاعلات تتضمن تمييز كل حرف في أي شظية بعينها بجزيء ملون يمكن قراءته بواسطة أشعة الليزر. ويقوم جهاز كمبيوتر بتحليل نتيجة الفحص بالليزر لإنتاج تتابعات هذه الشظية، ثم يجمع جميع تتابعات الشظايا (المتراكبة-Overlapping) وذلك لتكوين جينوم العيّنة الأصلية.

كشف المشروع أنه يوجد حوالي و30.000 جين بشري. وستعطى النتائج المشروع العالم مصدر مفصل من المعلومات عن التركيب ونظامية ووظيفية المجموعة الكاملة من الجينات البشرية والعناصر الوظيفية الأخرى الموجودة في الـ DNA.
يُعتقد أن هذه المعلومات هي مجموعة أساسية من التعليمات الوراثية التي تخص وظيفية وتطور البشر.

وقد نشرت الجمعية الدولية لدراسة تتابعات الجينوم البشري المسودة الأولي للجينوم البشري في جريدة Nature في فبراير2001 بتتابعات الـ 3 مليار زوج من القواعد للجينوم كاملًا, 90% منها بدقة 99.99 %. ومن النتائج المذهلة لهذه المسودة الأولى هو أن عدد الجينات البشرية ظهرت أقل بشكل ملحوظ عما كان مقدر في السابق والذي تراوح بين 50.000 جين إلى 140.000 جين. كان من المقرر أن تكتمل الإصدارة النهائية للجينوم البشري قبل موعدها المسبق تحديده بعامين في أبريل 2003.
ولكن إنهاء التتابعات قد تطلب المزيد من الوقت و الموارد عما حدث مع المسودة لأنه قد تم بذل كل الجهود الممكنة لسد الفجوات وحل المناطق الصعبة. فهذه النسخة النهائية من المفترض أن تكون بدقة 99.99% على مستوي أزواج القواعد-Base pairs ومن المفترض تقديم 95% من الـ 3 مليار زوج قاعدة.

لاحظ فرانسيس كولينز-Francis Collins مدير NHGRI فور إصدار مسودة الجينوم في فبراير 2001 أنه لو تم طباعة المنتج النهائي على شكل كتاب ستكون له استخدامات عديدة، ويقول:”إنه كتاب تاريخ يروي رحلة نوعنا عبر الزمن. هو كدليل متجر يصف مخطط بتفصيل مذهل لبنية كل خلية بشرية. هو مرجع ثوري سيغير من الطب بمنح مقدمي الرعاية الصحية قدرات هائلة جديدة للتعامل مع ومنع وعلاج المرض.”

كما قد موّل المشروع جهود تهدف لوصف الجينوم الكامل لعدة كائنات أخرى تستخدم بكثرة في البحث البيولوجي. مثل الفئران والجرذان وذباب الفاكهة والدود المسطح. كل هذه الجهود تدعم بعضها البعض, لأن لمعظم الكائنات العديد من الجينات المتماثلة وبوظائف مماثلة. لذلك فإن التعرف على وظيفة جين في أحدها (سيساعد على معرفة أنه الجين المؤدى لتلك الوظيفة في بقية الكائنات) وعلى سبيل المثال لدى الدودة الشريطية (C.elegans) القدرة على المساعدة في إيجاد وتفسير جين متماثل مع البشر أو مع نموذج آخر من الكائنات. نستطيع مقارنة صورة الجينوم البشري مع تلك للأنواع الأقدم ونتعرف على المناطق المحفوظة فى الـ DNA خلال رحلة التطور. هذا سيسمح لنا بالتعرف على أقسام الـ DNA المهمة وظيفيًا لأنها لم تتغير عبر ملايين السنوات من التطور. الجينات الموجودة في تلك المناطق من الجينوم تسطر بعض القواعد البنائية الأساسية للحياة.