الحداثة وبؤر تعميم الارتياب

الحداثة وبؤر تعميم الارتياب

الحداثة وبؤر تعميم الارتياب

يمتلك المستقبل أكثر من إطلالة، تكون أداته المناسبة لتحقيق نسبة هائلة من حضوره المتعدد والمنسجم من حيث تشكله/ تشكلاته، مع تعدد مستويات وأنماط تشكل الحاضر، استنادا إلى فرضية تميز كل حاضر بمستقبله الخاص به، التي تندرج فيها أيضا فرضية اختلاف مستقبل حاضر الواقع المادي، عن مستقبل حاضر الواقع الرمزي، فضلا عن اختلاف مستقبل حاضر المعلوم والواضح، عن مستقبل حاضر المجهول والغامض.
وإذا اعتبرنا هذا الفصل المبدئي والجوهري بين حاضر وحاضر، والمؤدي حتما إلى الفصل بين مستقبل وآخر، أداة لشحن الكائن بغير قليل من الاطمئنان المعرفي- الذي يحتاج إلى مقاربة مستقلة – إلا أنه اطمئنان لا يلبث أن يتبدد، حينما يحدث ذلك التداخل المفاجئ والمباغت بين الأنساق، حيث يندمج مستقبل الحاضر المعلوم في مستقبل الحاضر المجهول، والعكس بالعكس. هذا الاندماج وهذا التداخل، هما علة الالتباس الكبير الذي تشتغل به توقعات ما سيأتي، حينما تتقاطع مع توقعاتنا وانتظاراتنا، ولهذا السبب ذاته، يظل الإحساس بتهديد ما، جد وارد، سواء بالنسبة لنا، أو بالنسبة ل «الآخر».
إن التهديد هنا يأتي من تكسير ثوابت الإيقاع، أي من اختلاط إيقاع ما كان معلوما بإيقاع ما كان مجهولا. علما بأن الصيغة التي تعود فيها الكائن على الحد من رهبة المستقبل، تكمن في تعلقه بما تعود على الاستئناس بعودته. عودة النهار والليل . عودة طقس جلوسه إلى المائدة، وتدبير روزمانة المواسم. هذا الاستئناس هو ما يفقد المستقبل غموضه الجهنمي، خاصة من خلال البرمجة المستندة إلى عودة الثوابت الكبرى. إن هذه الثوابت الكبرى المقيدة بعودتها الحتمية، تخلق غير قليل من التصالح مع المستقبل، حتى بالنسبة للكوارث المعززة بإشارات عودتها، حيث يتم تمثل مستقبل كامل على ضوء محتملاتها، أي ضمن تصعيد ذبذبات الحدس/ الحدوس/ كي تهندس هذا المستقبل المنتظر، وفق أسس تبدو حاضرة قبليا، كما لو أن الأمر يتعلق بمعايشة آلية ومسبقة لما لم يحدث بعد. ولعل مصدر مفهوم الرتابة الحاضر بقوة في الأنساق اللغوية، كحالة سيكولوجية ووجودية، يعود أصلا إلى ذلك التوقع الآلي لما لم يحدث بعد. كما أن مفهوم الرتابة الذي يتحول في نهاية المطاف إلى أداة تنكيلية، بفعل سلبيته المعذبة، يتضمن في الوقت نفسه قسطا وافرا من اعتداد الذات بقدرتها على التعرف والتحكم في مسارات كينونتها المستقبلية. إلا أن الإشكال الكبير بالنسبة لهذا التحكم وهذا التعرف، هو أنهما معا لا يطولان الثوابت الكبرى التي تمارس فعل عودتها الحتمية وفق آلية اشتغال القوانين المنظمة لحركية الكون، ولكن فقط في المباغت والجزئي، الذي يجعل من خاصية الثوابت إطارا عاما للاشتغال، والذي غالبا ما يؤدي إلى الانزياح بالثوابت الكبرى من وضوحها واعتياديتها إلى ما لم يتم أبدا التفكير فيه، أو الحدس بحضوره وبرؤيته. إن رصاصة طائشة تلعلع في جهة ما من جهات الحديقة، تكون كافية لتحويلها إلى جهنم صغيرة، مؤثثة بأشجار السرو الغارقة إلى الأبد في تأملها الأبيض.
إن هذا المباغت، هو اللعبة اللامرئية التي تلوح بها الحداثة من حين لآخر. وهو اللعنة التي تتنامى سرا في جهة غامضة من جهاتها، بانتظار الفرصة السانحة لانفجارها، كي تقلب الموازين جملة وتفصيلا، وكي يستعيد المستقبل من جديد غموضه الكبير والتباسه، ضدا على كل الثوابت الكبرى السعيدة بعودتها في التوقيت وفي المكان ذاته. إنه الغموض الذي يضاعف من رهبة المستقبل، ومن ارتفاع حدة وعيده المرتقب. هكذا إذن يتغير خلسة دور المؤشر، كما تتغير حمولته الدلالية، ذلك أن الظاهر لم يعد كالعادة يوحي بحضور باطن منطقي ومعقول يحيل عليه.
يتزامن هذا الانطباع المأساوي مع الانقلاب الهائل الذي أودى بالمنظومة المعرفية، حيث أصبحت الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في مجموع ما راكمته من أرصدة تتباهى بها البنوك المعلوماتية، في أفق مراجعة حقائقها ودلالاتها الفعلية المحيلة إليها. إن الانقلاب الكبير الذي ضرب حقول المعلومة، أدى إلى إبطال مفعول إرادة السيطرة على حدث/مصدر ما، من مصادر العنف، الكراهية أو الغبطة. فالجهل الذي أمسى مطبقا على مصادر الخوف والرعب، والرهاب خاصة، وضع الحداثة على حافة التوقع المسكون بهاجس النهايات، أي على حافة انتظار قيامة سوف تحدث الآن وليس غدا.
لقد أصبح الحاضر محفوفا ببؤس انتظاريته وسوداويته. وهي الانتظارية ذاتها المتسببة في تفكيك مشاريع شعوب وبرامج قبائل، وفي إحراق تلك الخطاطات التي كانت إلى حين متفائلة بإطلالة مستقبل أمسى بطعم العلقم، إلى جانب كونها السبب في إنتاج روح الأزمنة المقبلة ومشتقاتها بالوتيرة ذاتها. أما العنصر الأكثر بروزا فهو المتمثل في اليأس من تلك التقنيات المتقدمة التي دأبت الحداثة على التبجح بتنامي سلطها، مادام تحديد «مكامن الخطر» أمسى في حكم الاستحالة، ومادامت مسالك هذه المكامن حريصة على تكتمها الذي يلغي أي احتمال بالاهتداء إلى مواقع «الخطر»، حيث ما من وجهة واضحة لاقتحام خلواته المدمرة، أو محاصرة مختبراته المهددة «بفتك وشيك». لقد أصبح الخطر قادرا على الإقامة في قلب ذواتنا نحن أيضا، فلم يعد بإمكاننا تمييز ملامحه عن ملامحنا، حيث ما من خيار سوى تعميم الهدف، والحسم بوجوده هناك، والمجازفة بمهاجمته، حيث يمكن أن يكون أو لا يكون.. كما ليس ثمة من خيار سوى الرفع من وتيرة العنف العشوائي الخالي من الرحمة، والمعزز بمبرراته التي لا سبيل للتشكيك فيها. العنف الذي يمكن أن يتهاوى على رأسك أو على رأسي، من دون أن يخطئ رأس الحداثة طبعا إن عدم القدرة على تحديد الهدف، يصعد من حالة الشك السلبي والريبة المدمرة. وهي الحالة التي تلغي أي إمكانية لعقد صداقات حقيقية وشراكات حضارية. فالشك السلبي يؤدي إلى تعميم علاقات قطرية ودولية هشة ومعرضة للقطع حال حضور ما يدعو للتوجس وسوء الظن، حيث لم تعد القناعات الفكرية كافية لربط أي علاقات موضوعية، مهما كانت عملية. ولكن رغم ذلك، فإن بؤر تفريخ الارتياب المركزية، هي الأولوية المتفق عليها من قبل حلفاء المركز والهامش، على حد سواء.
إن المنهجية العقلانية التي كان يُعتقد إلى حين، أنها تسير بخطاها الواسعة والحثيثة نحو أفق اختمارها واكتمالها، هي الآن مقبلة على فقدان مصداقيتها الإجرائية، لأن المنهجية الحداثية تبدو الآن بصدد هيكلة عقلانية جديدة، مغايرة لعقلانية العقل، علما بأن أقسى محنة يمكن أن يعاني منها الجسد، الذاكرة، الأرض والهواء والحجر، وأنت أيضا، هي ذلك الميل المنحرف عن مكان السؤال، حيث يمكن أن تؤول حقبة كاملة إلى زوالها، من دون أن يحدث فيها ما يخفف ولو نسبيا، من رعشة تلك الفوبيا المزمنة التي تسري في مفاصل حاضر، سيظل هو أيضا متحكما في آلية استشراف مستقبله، بالارتياب الجامح والأعمى نفسه، الذي تتم بموجبه هندسة خطاطات جديدة، معتمدة من قبل منطق الحذر والتوجس، ومن قبل الثقة المفقودة حتى في الطَّرْق الخفيض على الباب، ولو في عز الظهيرة، من أجل إعادة ترسيخ «مرتكزات آمنة!»، لصياغة تاريخ حداثي صاف ونظيف، لا أثر في مراياه المستقبلية لأنفاس ذلك «الآخر» الذي يحتمل أن أكونه، ضدا منيّ.
شاعر وكاتب من المغرب
رشيد المومني

m2pack.biz