الطبقة الوسطى السعودية وإرهاصات الحداثة

الطبقة الوسطى السعودية وإرهاصات الحداثة

الطبقة الوسطى السعودية وإرهاصات الحداثة

يمكن، بل ينبغي التعامل مع الكتابات الحداثية المغايرة التي ظهرت منتصف الثمانينيات من القرن الماضي في السعودية بمختلف ألوانها وأجناسها، على أنها ضمير تلك اللحظة المتوترة، باعتبارها المحل لصراع اجتماعي على درجة من الحساسية، حيث اختزنت المنتجات الأدبية الهواجس المشتركة للفئة المثقفة في السعودية، وإن لم تمثل ذلك الضمير أو الوعي المجتمعي الأوسع كما ينبغي، ربما لأنها بالغت في الاتكاء على الوعي الثقافي في المقام الأول، ولم تتقاطع مع كافة أشكال الوعي الأخرى السياسية والاجتماعية والإدارية.
وهذا التشابك ما بين المنتج الأدبي وسيرورة الواقع يحتّم اختبار جامع ذلك النص عبر ما يُعرف بالتاريخ الاجتماعي، أي ترتيب تلك النصوص المبعثرة داخل سياق له مواصفاته واشتراطاته، وإعادة تفكيكها وتركيبها في صيغة سوسيو- ثقافية، إذ تتوفر مرجعيات نصّية صريحة في هذا الصدد، وهو إجراء على درجة من الأهمية، بالنظر إلى ما تتيحه تقنيات تحليل النص المتحدّرة من اللسانيات من قدرة على كشف مستويات النصوص المتعدّدة والغائرة، ومن ثم إعادة ربطها بالفضاء الاجتماعي التاريخي الذي أنتجها.
إن فحص النص الثقافي المتولّد في رحم تلك اللحظة الحرجة، وامتصاص ظلاله الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، سيؤدي بالضرورة إلى التماس الواعي مع طبيعة الحراك الإنساني الذي أنتج تلك الموجة التغييرية بمعانيها ومستوياتها الإصلاحية والعقلانية والتنويرية والنهضوية، بالإضافة إلى أن تأويل النصوص الإبداعية بهذه الطريقة الحفرية، ومن هذه المنطلقات بالتحديد، يمكن أن يُفصح عن منسوب وعي مبدعيها، كما يحيل إلى الثقافة التي ينتمي إليها ذلك الجيل، على اعتبار أنها تشكل جزءاً من المرجعية الفكرية للفرد، والمخزون الثقافي للمجتمع.
هذا ما قد تقول به البنيوية وتحققه من حيث إعادة اللحمة بين البنية والتاريخ، إذ يمكن الكشف عن سيرورة جدلية لولادة وتلاشي الطبقة الوسطى، التي بدأت تباشير ظهورها مع منتصف السبعينيات في القرن الماضي لتمتد إلى عقد الثمانينيات، أي أثناء ما عُرف حينها بالطفرة المتأتية من ارتفاع أسعار النفط وارتداد ذلك البعد على كل مناحي الحياة، وبدورها أنتجت تلك الطبقة المعروفة بإيجابيتها وبنائيتها منظومة من المثقفين الذين دفعوا بلحظة الوعي إلى الأمام، من خلال نصوصهم الإشكالية.
ظهور الطبقة الوسطى معطى على درجة من الأهمية، إذ يعتبره شاكر النابلسي أحد العوامل التي هيأت لما عُرف بمعركة الحداثة، وذلك في كتابه «نبت الصمت – دراسة في الشعر السعودي المعاصر»، حيث شهدت تلك الفترة (تحولاً كبيراً في البنية الاجتماعية السعودية، أدت إلى نشوء وتنامي الطبقة المتوسطة، وهي الطبقة المهمة والفاعلة والمحركة في أي مجتمع من المجتمعات)، حيث تميل معظم الدراسات إلى أن موجات الأمل في التنمية والتغيير هي مشروع الطبقة الوسطى.
ومن ذلك المنطلق التحليلي لدور الطبقة يولي للمثقفين أهمية كبرى في تحريك المشهد برسائل ذات مضامين تحمل بذرة التغيير، باعتبارهم نتاج ذلك المختبر السوسيو- ثقافي من ناحية، وصُناع نصوصه من ناحية أخرى، حيث يميل إلى أن (تنامي الطبقة المتوسطة، وازدياد حجمها على هذا النحو، وهي التي تشمل جموع المثقفين، قد أحدث تغييراً جذرياً في المجتمع السعودي، مما سوف يدفع الأدب إلى توجيه معظم رسائله الجمالية إلى هذه الطبقة)، بمعنى أن السجال الإعلامي الذي احتدم في ذلك الفضاء إنما كان على هامش عملية تحول تاريخية أشمل وأعمق، تتجاوز الأدبي إلى حافة مقدسات الهوية والدين والأصالة والخصوصية، وما حركة الحداثة التي بدأت مع مطلع الثمانينيات إلا محاولة للإجابة على أسباب التحولات وتلاشي الطفرة، فيما كانت التيار الذي اصطلح عليه بالصحوة ينتعش وهو ما يعني تغير أولويات التنمية والسياسة.
هكذا شكلت الطبقة الوسطى نفسها على إيقاع تشكُّل الدولة السعودية الحديثة، ومن المنظور ذاته الذي رسم معالمه ماكس فيبر، عندما وصفها برأس المال الثقافي، وحدد موقعها في وسط الهرم الاجتماعي، حيث كانت الطبقة الوسطى في السعودية تملأ الفراغ التحديثي التنويري الذي تركته الطبقة العليا الثرية، بسبب انغماسها في مراكمة ثرواتها، ولم تقتدر عليه الطبقة الدنيا الفقيرة المنشغلة بهموم طلب عيشها، فيما كانت الطبقة الوسطى تتمتع ببنية ثقافية معقولة، وبشيء من الاستقلالية، وبقدرة واضحة على التنظيم، واقتحام الفضاء الاجتماعي، وصياغة مفاهيمها وبلورة رؤاها لتأسيس وقيادة المجتمع المدني ضمن معادلة تنموية متفق عليها مع صانع القرار السياسي.
إن نشوء وتطور الطبقة الوسطى في السعودية بمستوياتها العليا والوسطى والدنيا، من المنظورين الاقتصادي والاجتماعي، لم يتم بمقتضى صدفة تاريخية، إنما نتيجة طبيعية لبروزها في جميع أنحاء العالم بموجب تنامي اقتصادات أسواق البلدان الناشئة، وهي كفئة مجتمعية ذات رؤية ثقافية تضطلع بدور مهم جداً على مستوى التغيير، خصوصاً من خلال التعليم الذي يعتبر مفتاحاً لإحداث التحولات.
وفي هذا الصدد يمكن اعتماد معيار نسبة التعليم المرتفعة، بما هي الضمان لإمداد المجتمع بالمبدعين، كما جاء في تقرير «الطبقة الوسطى في مجلس التعاون الخليجي – الخصائص والآفاق» الذي أعده حسن العالي عام 2013 لمركز الجزيرة للدراسات، وإن لم يكن من المنطقي إدراج كل من تلقى التعليم النظامي داخل مفهوم الفئة المثقفة.
كما أن الانتقال المعقد نحو الحداثة يحتاج إلى قوة قادرة على التعبير الفكري والقيمي عند لحظة التحول، وهو المعطى الذي يتوفر في جهاز مفاهيم الطبقة الوسطى كتنظيم بشري قادر على التعامل مع التوتر الهوياتي، واتخاذ مواقف عقلانية إزاء الآخر وحسم حركة الترقي الاجتماعي، من خلال المنتجات النصّية، بالنظر إلى ما كانت تحمله تلك الطبقة من مستويات تعليمية نوعية وعالية، ومن وظائفية صريحة وفاعلة، وقدرة على الحركة والتأثير من خلال خطابها، على اعتبار أن الطبقة الوسطى هي الأساس والمحرك لكل التجارب التنموية، وهو ما يعني أن المثقفين المعنيين بتلك المرحلة لا يمكن حصرهم في منتجي الخطابات الأدبية، كالشعر والقصة فقط، بل في مجمل النشاط الإنساني الذي يحتمل وجود المثقفين المهنيين والمشتغلين بكل أبعاد المعرفة.
على هذا الأساس يمكن النظر إلى الطبقة الوسطى الحاضرة بنصوصها ومواقفها وآرائها وطروحاتها باعتبارها البعد الاجتماعي والثقافي لإصلاحات الدولة، أي كنتاج لسياساتها التعليمية والتربوية والتنموية، ولما يُراد استظهاره من الحسّ المدني، من خلال ميثاق ضمني، حيث كانت الفئة المثقفة تتلون باللون الذي يقترحه صانع القرار السياسي، بمعنى أن الدولة كبنية علوية أرادت الاستثمار في رأس المال الثقافي، من منظور بيير بورديو، حيث تقود هذه الفئة المجتمع باتجاه العولمة، بما تشكله كرافعة لمنظومة القيم والسلوكيات الحداثية. وهكذا برزت الطبقة الوسطى بصفتها الحامل لمكتسبات الإبداع الثقافي والفني، أي أن الدولة كانت بصدد توسيع قاعدة الطبقى الوسطى آنذاك، والاعتماد عليها كوجه من وجوه البناء والتحضُّر والتنمية، إلا أن أسامة عبدالرحمن يميل في كتابه «المثقفون والبحث عن مسار – دور المثقفين في أقطار الخليج العربية في التنمية» يميل إلى القول بأن «الغالبية العظمى من الفئة المثقفة لم تدرك هي ذاتها أهمية التلاحم بين التنمية الثقافية مع أبعاد التنمية الأخرى، في إطار النظرة الشمولية لمفهوم التنمية»، ولديه من الأدلة ما يكفي حيث «بدا الترف الظاهري وكأنه هو غاية التنمية، وبدا الرفاه وكأنه منتهى التقدم»، بمعنى أن تلك الهزات لم تؤثر عميقاً في منظومة التفكير، ولا في مصفوفة الأنساق التقليدية، نظراً لغياب النظرة التكاملية لفعل التغيير. ولاستكمال صورة نشوء الفئة المجتمعية التي أسست لظهور التيار المنادي بالحداثة الأدبية، التي لا تتطابق بالضرورة مع الحداثة الاجتماعية، لا بد من إعادة تشييد تلك اللحظة، حيث كانت الفئة المثقفة في السعودية محدودة فيما كان المجتمع يتلقى عوائد الازدياد المطرد لأسعار النفط على شكل تحولات مادية مصحوبة بتبدلات لا مادية، فانفتاح الأسواق يعني الانفتاح على ثقافات، خصوصاً مع تنامي وجود العمالة بكل ما تحمله من قيم وعادات وتقاليد، كما أن حاجة الجامعات والوزارات والمدارس والصحف إلى الخبرات الثقافية والإعلامية أدى إلى وجود ذلك التلاقح البناء، إذ لم يكن من المتخيل استزراع مفاهيم الحداثة لولا وجود ذلك الطابور من الأكاديميين الذين وطّنوا مفاهيمها في الجيل الجديد من النقاد والكُتّاب والشعراء إلى جانب ما عززوه من الإحساس القومي المتلازم بنيوياً من النص، وهي أسماء معروفة لها تاريخها ومكانتها وتضحياتها في هذا الصدد، سواء على المستوى النقدي التنظيري أو الإبداعي أو الإعلامي. كذلك كان لوجود عدد من أدباء الحداثة في الصحف أثره البالغ في تحفيز الموجة الشبابية آنذاك على تجريب الكتابة المغايرة واقتحام مساحات غير مأهولة للتعبير عن الفرد والجماعة، من خلال الملاحق الثقافية التي شكلت في تلك الفترة مختبرات حيّة للكتابة المختلفة، المعبّرة عن هواجس الطبقة الوسطى، فيما كان المشهد يستقبل العائدين من دراساتهم في الخارج بمناهج نقدية مغايرة تماماً لما ألفته الساحة من مقاربات.
إلى جانب ذلك الحضور المؤثر للخبرات الخارجية، كانت الهجرات الكثيفة والمتدفقة من الأرياف والقرى تتوالى باتجاه الرياض وجدة والدمام، التي شكلت حينها منصات لتمدين المثقفين وتمكينهم من التماس المباشر مع الآخر العربي بكل ما يعد به من ثقافة صادمة، حيث كانت مجمل المجابهات تتحرك باتجاه فهم الصدمات الثقافية المتأتية من التحولات ومن الإحساس بالتآكل السريع للطبقة الوسطى على كل المستويات، التي بدأت تظهر ملامحها منتصف الثمانينيات.
هكذا كانت الطبقة الوسطى تتحشد داخل صوت تنمسح فيه الفروق ما بين الأقاليم والمناطق والمذاهب، بمعنى ظهور وعي مجتمعي كنتيجة للزيادة المطردة في أعداد المتعلمين، حيث كانت الحركة السريعة تسمح بانصهار كافة ألوان الطيف الاجتماعي داخل تيار يعبر حالة تنموية شاملة، ليس بالمعنى الرومانسي للحركة والحدث والتيار الفاعل، ولكن ضمن رؤية تتأثر بالثقافي والتربوي والقيمي، مقابل ما يحدث اقتصادياً واجتماعياً.
كاتب سعودي
محمد العباس
الاستاذ المحترم:- في البداية قبل البدء بالتعليق على المقال والذي سيكون على شكل

m2pack.biz