عشيقتنا باريس في الخريف ما أعمق غوايتها!

عشيقتنا باريس في الخريف ما أعمق غوايتها!

عشيقتنا باريس في الخريف ما أعمق غوايتها!

يقولون إنّ المرأة العاشقة تتوهّج بألف ضوء وضوء. يطفح الحبّ من عينيها، من بشرتها، من صوتها الذي تعجز عن التحكّم به.
باريس في هذا المعنى امرأة عاشقة. عاشقة أبديّة لا يخفت وهجها ولا يبهت ألقها.
باريس عاصمة العشق. تستيقظ على الحبّ وتنام على هدهدته، وفي فصل الخريف تراها ترتمي بين أحضان الألوان.
أراقب الملابس في الطرق وداخل المترو. معطف أزرق باهت وحقيبة يد زهريّة صاخبة. قبّعة خضراء مع شال أصفر من لون موتارد ديجون. أستغرب الأحذية الورديّة. أعجب أمام هذه البساتين من الألوان المتداخلة المتآلفة. أرى الإجحاف في حقّ الذوق اللبنانيّ الرفيع في الموضة وأحاول استراق النظر إلى صفحات الموضة الباريسيّة.
يرتدون كلّ هذا الحفل من الألوان من دون أن يشعروا بالضرر الذي يلحقونه بشخصيّتكِ.
أستشير صديقي الأبديّ “غوغل” وأكتب بعصبيّة: مظهر المرأة الباريسيّة في الخريف. حسنًا. آلاف الصور والاحتمالات. كلّها غريبة. كلّها ملوّنة. كلّها لا تمتّ إليَّ بصلة. لا بدّ من أن أرتدي الكنزة المزيّحة (avec des rayures). أعلم أنّها لا تليق بي لأنّي سأبدو فيها كالخارجة من المعتقلات، لكنّي أطلبها “أونلاين”. أطلب ثلاثاً منها. أتذكّر الإخوة دالتونز وأتحسّر على المأزق الذي أوقعتُ نفسي فيه. حسنًا. لا بأس. أكمل بحثي بشراهة.
يجب أن أملك حذاء لمّاعًا هو حذاء رجال أكثر ممّا هو حذاء نساء. أتذكّر شارلي تشابلن. ألعن حظّي. أطلب الحذاء باللون الأسود بمقاس قدمي. حسنًا. لا بأس.
أكمل باستسلام. تنصحني الصفحة المشؤومة بشراء ترانشكوت. فليكن. بضعة أوروهات ستمنحني بطاقة الدخول إلى الفالس الباريسيّة. أطلب الترانشكوت باللون الأسود ثمّ ألغي طلبي وأعيد شراء الترانشكوت من جديد باللون البيج. البيج أكثر أناقة. حسنًا. لا بأس. ألجأ إلى قوّة عزيمتي وأهنئ أنجلينا جولي لأنّها طبعت كلمة العزيمة على ذراعها. العزيمة! سأنتظر ملابسي بعزيمة وسأستقبلها بحفاوة عندما تطرق بابي. أخرج إلى الشارع وأتأمّل النساء. لا ترتدي أيٌّ منهنّ شيئًا ممّا اشتريته. لا حذاء غريبًا ولا ملابس مساجين ولا ترانشكوت شارلوك هولمز. لا بأس. لسن على اطّلاع على صفحات الموضة مثلي.
أسير قليلاً في الشارع وتروح لسعات البرد تتغلغل بين عظامي لكنّي أتجاهلها. إنّه الخريف في باريس. الحرارة 4 لكنّه الخريف. الهواء يصفّر قرب وجنتيَّ لكنّه الخريف. هذا ما يقوله المنطق العامّ والتطوّر العمليّ العلميّ الاستراتيجيّ للفصول. لا يمكنني أن أشعر بالبرد. ليس الآن. ليس بعد. لا بدّ من أن أسيطر على نفسي إلى بداية كانون.
أتأمّل الأوراق البرتقاليّة على الأشجار وأبتلع رعشاتي. أراقب الأشجار الهادئة وعامل التنظيفات الذي يساير الأوراق المتساقطة. كلّ شيء هادئ. وحده قلبي يخبّط من البرد. أحاول تدارك الوضع. أشدّ الشال الزهريّ الذي اشتريته مساء أمس حول عنقي وأُسكِت صوتًا خافتًا يهمس في أذنيَّ: “لا خريف في باريس. باريس كاذبة. تَعِدُ ولا تفي”.
أخجل من نفسي. الجميع يتحدّث عن وعد بلفور. الجميع يتحدّث عن الإنكليز وعن الفلسطينيّين وعن المئة عام من القهر. الجميع يبحث ويقرأ ويناضل وأنا الوحيدة الجالسة أمام شاشتي أبحث عن حذاء جديد. أُقنع نفسي بأنّه نوع جديد من النضال لكنّيِ أعلم أنّي على غرار باريس صرتُ امرأة أنانيّة. أخجل من نفسي وأعود إلى بيتي وألغي طلباتي البائسة.
اليوم نضال وغدًا موضة.

m2pack.biz