غير بعيد عن حافة النص

غير بعيد عن حافة النص

غير بعيد عن حافة النص

لا يمكن قراءة حركية النصوص الإبداعية والفلسفية العميقة، بمعزل عن حركية الكون، ففي قلب الدوامات التي تتنازعها جهاته، وفي قلب ما يتشابك في الكون من علاقات متعددة الأوجه، اللغات والنوايا، يمكن نسبيا الاهتداء إلى ظل محتمل من ظلال النص، الذي يستدعي التعامل معه توافر ما يكفي من العمق والحضور المعرفي اللذين يوظفان في تعاملنا مع أية ظاهرة إنسانية، أو طبيعية، لأن تصورنا للنص من المنظور الذي نحن بصدده، يختلف جذريا عن التصورات المتداولة، التي تحصره عادة في إطاره النخبوي المتحجر والمتكلس، بما يعنيه مفهوم النخبة من محدودية في التفاعل العام والعملي، ومن هامشية في التأثير المنعكس على القطاعات الأكثر انفتاحا على الرياح المقبلة من جهاتها السبع، بمختلف شرائحها ونماذجها.
إن النص المعنِيَّ هنا، هو تلك الكتابة الفكرية والإبداعية المثقلِة بأسئلتها الكونية، التي ترافق ترحال الكائن في تواجداته الحياتية، التي يتحدد فيها مصيره، وتنكتبُ بها خصوصيته، فالنص الذي هو امتداد لتجلِّي الكونِ، يُعتبر بحق بؤرة مركزية لتقاطع التناقضات والمفارقات، بفعل ما تتخلل أرضيتَه المرمريةَ من حُفرٍ وأخاديد، ونقاطٍ موغلة في ظلمتها أو إضاءتها، هذا النص يظل محتفظا بنشوة تخَفِّيه في الحديقة الخلفية للخلوة، من دون أن يكف عن إيهامك بسلاسته وبساطته، وقابليته لمكاشفتك بكل أسراره، خلف حجاب أنظمةٍ تبدو واضحة، طبيعيةً ومنطقية، وأيضا، على ضوء ما تتسم به هذه الأنظمة من بداهة تغريك طمأنينتها بالسفر في مسالكه المضللة، حيث ليس لك أن تُشكِّك في أيٍّ من تجلياته، تباعا هكذا، إلى أن تقع في قلب الحافة بمفردك، أو رفقة سلالاتك القريبة والبعيدة، وسواء كانت نهاية مطاف الدورة في قلب التيه أو باتجاه الخميلة، فإن الكائن سيظل حائرا أمام شراسة السؤال المطروح حول قوانينِ اشتغال بِنياتِ هذا العالم/النص، الذي يشتغل وفق ديناميةٍ تمارس حضورها المعلن والخفي، وعلى أساسها يتحقق شرط كل وجود، لأن الواقع لا يكاشفك بأسرار ديناميته، إنه يكتفي أمامك باستعراض أشيائه وأشكاله المتوزعة على فضاءاته، بكل ما تحمله من أسماء، وما تنهض به من وظائف، لَكَ منها مثلا محاكم التفتيش، منازل الشهوة، الأديرةُ المعلقة في الغيم، فنادق المجرات التي لا حدود لأعدادها، غرف تحنيط الروح، المحارق العشوائية للتي تتلذذ فيها زبانية الجحيم بتأجيج جمارها، هكذا حيث ما من إشارة، إلا وهي موضوعة في مكان محدد ضمن سياق الشبكة العامة التي تندرج فيها وظائفها، لكن دون أن تتضح معالم الاهتداء إلى جوهرها ذي الطبيعة التدميرية أو البنائية المشتغلة في ألياف هذه الإشارات.
ومهما توخينا من دقة متناهية في توصيف القليل من ملامح هذه الفضاءات المندرجة ضمن الحركية العامة للكون، وكذلك ضمن التفاصيل الجزئية لأية ظاهرة ما، فإن هذا التوصيف يظل عاجزا عن الإلمام الشامل بالدينامية الباطنية لحركية الظاهرة، التي تتولد وتتشكل بعيدا عن إرادة التوصيف، كما تتشكل بعيدا عن الإرادة الأحادية والذاتية للعناصر المتفاعلة داخل الظاهرة، حيث يمكن القول إن الحركية الباطنية لكل من أشياء الكون، وأشياء العالم، تشتغل ضمن قوانين صيرورة، هي نتاج التفاعلات الذاتية للأجزاء، وللعناصر في علاقتها بذاتها وبغيرها، ومن أجل ضبط هذه القوانين، فإن الأمر يحتاج إلى مقاربة مستقلة عن الوصف، علما بأنه طموح يظل في حكم الاستحالة، بالنظر إلى تعذر ضبط الميكانيزمات المؤثرة في حركية تفاعل العناصر، التي تقوم فيها الصدفة أو الحتمية الفيزيائية بدورها الملموس.
نخلص من ذلك إلى أن الحركية الباطنية للظواهر، تمارس استقلاليتها شبه التامة، عن عملية التوصيف، الذي مهما كان متقدما، فانه يظل بعيدا عن تلمُّس المكونات الفعلية الحاضرة في الدينامية الباطنية للظواهر، وهو شأنٌ غالبا ما يتم التفكير فيه، بنوع من الحسم الدوغمائي، وباليقين المغلوط نفسه.
طبعا لا أحد يجادل بأن ثنائية المقاربة ممكنة، حينما تخص حالة نموذجية منتزعة من شبكة النص، وقابلة للكشف عن تفاصيلها الداخلية والخارجية، على ضوء ضبط آليات اشتغال مكوناتها، إلا أن الأمر يصبح معقدا كلما تعددت العناصر، وتداخلت في لحظة تفاعلية مع غيرها، هذا الغير الذي يمكن أن يكون من جنسها أو من جنس آخر مختلف، ذلك أن تعدد وتنوع العناصر، واشتغالها المشترك في الآن نفسه ضمن أفق تبادلي وتفاعلي، يجعل عملية التعرف العام على جوهر الحركية أمرا جد معقد، حيث يمكن الاكتفاء بتناول بعض الاستنتاجات الجزئية التي لن تدَّعي أبدا أنها التعبير الشامل المحيط بهوية الإيقاع الباطني لهذا النموذج، وهو ما يجعل القول بوضع إطار نظري لحركية العناصر أمرا مستحيلا. هنا تحديدا، تظل النظرية مجرد أوهام، أو مجرد تأطير جد رمزي للمتحرك، ونوعا من المصادرة على المجهول.
إن التوترات اليومية، ومعها الثورات التاريخية، القائمة عادة بين الأفراد والجماعات، وكذلك بين الأنظمة والشعوب تعود إلى تناقضاتها الكبيرة والمزمنة، الناتجة عن استحالة توصلها إلى فهم وتأويل مشترك، لحقيقة الدينامية الداخلية التي تتحرك في محيطها، تبعا لتناقض المرجعيات الموظفة عادة في عملية الفهم والتأويل، والتي تتراوح بين الأخلاقي، الديني، والاجتماعي أو السياسي.
إن منطق تفاعل الدينامية الداخلية للعناصر في عمق النص وخارجه، يظل بمثابة لغز، إذ على الرغم من تحكمه في إرادة الكائن، وفي إرادة الكتابة النصية، إلا أنه يظل منفلتا، سواء كان نتاج حضارة وثقافة مجتمعات ناضجة فكريا وحضاريا، أو نتاج ثقافة معطوبة. وما نعنيه بانفلاته، هو استحالة ضبط ميكانيزماته بشكل عقلاني وملموس ومفهوم، حيث يتعذر وضعه داخل أنساق معترف بها ومصادق عليها، وقابلة للتداول العام. لذلك ومن هذا المنطلق سيظل الأمر عصيا حتى بالنسبة للشعوب المتقدمة ثقافيا ومعرفيا، بدليل حضور تلك التوترات المجتمعية المجسدة في ما تعيش عليه من انشقاقات مذهبية فكرية وسياسية ناتجة عن تعارض وتناقض التأويلات والتفسيرات ومستويات الفهم، والتحليل، حيث يظل الصراع قائما بتوازٍ مع الانفلات الحتمي للواقع عن كل تأطير أو تأويل نهائي. وهو انفلات ناتج عن الحركية الدائمة للكائنات، والمؤطرة بالرغبة بالضرورة، أو بالإكراه. إن هذه العوامل الثلاثة، التي تتحقق فيها الحركية بشكل قد يكون متداخلا أو مستقلا، ضمن منطق اشتغال مكونات الشبكة الاجتماعية الكبرى، يحول تماما دون إمكانية ضبط هندسته، خاصة حينما تتداخل العناصر، فيتعذر الفصل بين الحالة والحالة، بمعنى ان الاشتغال القائم على الرغبة الحرة يمكن أن يتداخل مع اشتغال الضرورة، ومع اشتغال الإكراه. أيضا يمكن أن يتحول اشتغال الإكراه من طول ممارسته إلى رغبةٍ ضدا من إرادة صاحبه، ودون وعي منه، فالرغبة لا تكون دائما متحررة، إنها في كثير من الأحيان، تكون في عمقها ضرورة، كما يمكن أن تكون إكراها، لان الكائن يميل إلى تجاوز حالة الإكراه كي يظفر بتلقائيته. إنه يحاول أن يتخلص من عنف الإكراه، أي أن يتصالح معه محولا إياه إلى رغبة، وإلى حالة عقلانية، إلى اختيار طبيعي منسجم مع القيم المتداولة في الواقع الاجتماعي.
شاعر وكاتب من المغرب

m2pack.biz