قراءة في مقدمة كتاب «الافتراضي والثورة» لجوهر الجموسي كيانات الواقع الافتراضي في مواجهة السلطة السياسية

قراءة في مقدمة كتاب «الافتراضي والثورة» لجوهر الجموسي.. كيانات الواقع الافتراضي في مواجهة السلطة السياسية

قراءة في مقدمة كتاب «الافتراضي والثورة» لجوهر الجموسي..  كيانات الواقع الافتراضي في مواجهة السلطة السياسية

في كتابة «الافتراضي والثورة» الصادر عام 2016 يؤكد الكاتب جوهر الجموسي على أن الهوية الاجتماعية، وأمام هيمنة الواقع الافتراضي، دخلت مرحلة التفتت بعد أن تغيرت أدوات التنشئة الاجتماعية التقليدية في طرائق الأفراد في التفكير والشعور والسلوك.
هذا ما أشار إليه الجموسي في مقدمة كتابه، التي لخص فيها أهم ما توصل إليه من أفكار واستنتاجات وطروحات سوسيولوجية، وهو يرصد في فصول كتابه الثلاثة، مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع مدني عربي، ليصل إلى طرح تساؤلات في غاية الأهمية:
* هل بقي من معنى للفعل السياسي التقليدي مع تفتت الهويات الاجتماعية وانسحاب الأفراد إلى هوياتهم الخلوية البيولوجية والعقائدية؟
* ما الذي بقي صالحا اليوم لفهم آليات التأثير والتوجيه والسيطرة بأشكالها القاسية والناعمة التي تمارسها المؤسسات الاجتماعية على تنوعها في الأفراد؟
* هل بقي مصطلح المؤسسة ذا جدوى إجرائية في التحليل السوسيولوجي المعاصر؟
* هل خطابنا السوسيولوجي العربي تمكن فعلا من تمثل عمق الفجوة التي سحبتنا إليها موجات التحولات الاتصالية المعاصرة في طرائق التنشئة والتفكير، والقيادة والتواصل وإدارة الشأن العام، خصوصا بعد التحولات الثورية العربية التي نعيشها؟
في رصد التأثيرات السوسيولوجية للمجتمع الافتراضي الذي نعيشه يتوصل الجموسي إلى أن الشبكة التي رسختها الإنترنت بمفهومها اللغوي والبنيوي الاتصالي اللامادي واللازماني واللامكاني، قضت على مفهوم الزعامة في السياسة: «زعامة المحبة والقوة ومحبة الجميع للزعيم القوي، الذي يستند في حضوره وصورته إلى المرئي وأثره في الآخر». ففي عصر تسيطر عليه الأجهزة الرقمية، انتهت سلطة الزعيم الأوحد الملهم، وانتهت بذلك سلطة الجماهير التي يصنعها خطاب السلطة الشمولية، حيث يراهن هذا الخطاب على تأطير هذه الجماهير وفق أهدافه وما يرسمه لها من قناعات في الهيمنة على الواقع. مقابل ذلك بدأ عصر آخر تحولت فيه السلطة ناحية عالم افتراضي تمكن بسرعة غير متوقعة من أن يهدم عالما قديما متهرئا بأدواته، وأزاح هيمنة سلطة واقع تقليدي تصنعه قوى ومؤسسات مجتمعية وسياسية تقليدية، ولهذا تحاول هذه القوى التقليدية مغادرة الواقع كمكان وزمان مرئي ومعلوم، واللحاق بالواقع الافتراضي حيث لا مكان ولا زمان معلوم، سعيا منها في أن تبقى محتفظة بخيوط السلطة التي بدأت تفلت من بين يديها، ومن أجل تعميق هذه الفكرة يؤكد الجموسي على أن: «السلطة التقليدية تحاول اليوم لاهثة أن تملك وتهيمن على سلطة التكنولوجيا حتى تبقى خيوط اللعبة بيدها، ولا تصبح التكنولوجيا سلطة بديلة عنها، خاصة أن سلطة التكنولوجيا تملك من السحر ما لا يقاوم، حيث فتحت الأبواب أمام القوى المجتمعية المدنية في أن تتشارك الأفكار والبرامج، بدون أن تكون للسلطة السياسية التقلدية تلك القدرة على منعها من العمل أو عرقلة مخططاتها، حتى أنها بدأت تحل بديلا عن القوى السياسية التقليدية، وانزوت الأحزاب إلى مجرد تكتلات معزولة لا تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة تتبعها وتخضع لإرادتها مثلما كانت عليه خلال العقود الماضية، وأمست أشبه بجمعيات صغيرة، بينما تحولت تشكيلات المجتمع المدني الافتراضية إلى قوة كاسحة بدأت تتسع وتمتد وتتوغل في شرايين الواقع، من خلال قدرتها على تنمية حركتها وبرامجها في الواقع الافتراضي».
وفي إطار تحليل ظاهرة شبكة الإنترت التي هيمنت على سلطة الواقع يتوصل المؤلف إلى أن «الشبكة التي حولتنا إلى مجتمع شبكي مشبك عبر الحواسيب والإنترنت والهواتف الجوالة وأجهزة التصوير والفيديو المثبت على الأجهزة التكنولوجية المتطورة، ترتبط ضرورة بالمدني وباللامادة (اللاحضور المادي) واللامكان، وهذا ينفي مفهوم الزعامة والزعيم بما يكتنزه من كاريزما ملهمة للجماهير، وما يلغي المرئي لأنه يستند إلى اللامرئي، والفاعل المتخفي خلف الشبكات وخلف الاسم أيضا».
ويؤكد الجموسي على تعاظم الدور الذي يلعبه الواقع الافتراضي في مجتمع المعرفة والمعلومات في بلدان العالم المختلفة، سواء منها المتقدمة أم الانتقالية أم حتى المتخلفة. تشير الوقائع التي أفرزها الربيع العربي في تونس ومصر إلى أن الصراع بين القوى المدنية والقوى السياسية، أدى إلى تراجع المساحة التي تتحرك عليها القوى السياسية، مقابل توسعها عند قوى المجتمع المدني، وهذا يؤشر إلى أن المستقبل سيكون لصالح هيمنة المجتمع المدني واضمحلال في قوة وسلطة القوى السياسية التقليدية، ومما يشير إلى هذه الظاهرة على سبيل المثال كثرة الأحزاب التي تم تشكيلها في العراق على سبيل المثال خلال الأعوام الأخيرة، مع أن جميعها لا تمتلك هوية واضحة وقوية، ولا تملك تأثيرا جماهيريا، كما كانت عليه الأحوال قبل العقد التاسع من القرن العشرين، حيث أن عدد الأحزاب كان قليلا إلا أن كل حزب كان يملك قاعدة جماهيرية كبيرة تخضع لخطاب الحزب وسلطة الزعيم الذي يقوده، وهذا يعني حسب مفهوم الجموسي أن الأحزاب أصبحت اليوم موجودة في الواقع، ولكنها مجرد أرقام وليس لها من حضور وتأثير سياسي كما كانت عليه قبل أن يهيمن الواقع الافتراضي ويفرض سلطته بآلياته الجديدة على القوى السياسية.
ويواصل الجموسي تأكيده على هذه الفكرة فيقول إن «هذه القوى السياسية من أجل أن لا تخسر المعركة، عملت على أن تتسرب إلى بنية المجتمع المدني، وشكلت لها منظمات وتجمعات مدنية عبر الواقع الافتراضي، حملت أسماء وهمية، وقد جاءت مثل هذه الخطوات ليس من باب القوة والقدرة التي تتوفر لديها في التحرك، بقدر ما تعكس ما وصلت إليه من حالة عجز سياسي، من بعد أن حطمت آليات الواقع الافتراضي آلياتها التقليدية في التفكير والعمل السياسي، أثناء تصاعد الحركات الاحتجاجية العارمة التي شهدتها المنطقة العربية خلال فترة ازدهار الربيع العربي» .
أصيبت الأحزاب والقوى السياسية التقليدية أثناء الربيع العربي، بحالة من العجز وانكشف أمامها ما أصبحت تعانيه من تخلف وعدم مواكبة للعصر، أمام تجمعات مدنية تشكلت في الواقع الافتراضي وأصبحت تملك من القوة والتأثير في الحياة وفي الواقع السياسي ما عجزت عنه الأحزاب الكبيرة رغم تاريخها الطويل في المعترك السياسي وقاعدتها الجماهيرية، وهنا سنضرب مثلا من العراق، انسجاما مع أفكار المؤلف بهذا الخصوص، حيث تراجع حضور الأحزاب السياسية في العراق بعد عام 2003 خاصة الأحزاب التقليدية، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي وحزب الدعوة الإسلامية والمجلس الإسلامي الأعلى، ولربما الحزب الشيوعي يبدو للمراقب أكثر غيابا من غيره، لأنه وعلى الرغم من كونه جزءا من السلطة الجديدة التي صنعها الأمريكان إلا أنه لا يملك أي سلطة في أن يلعب دورا سياسيا في صنع القرارات، ولهذا غاب تماما عن التأثير في الواقع، بينما حزبا الدعوة والمجلس الاسلامي الأعلى كانت ومازالت لديهما مساحة معينة من الحضور في الواقع لأنهما يملكان سلطة القرار.
وفي المجمل فإن الجميع لم يعد لديهم الحضور الفاعل في الواقع، بعد أن بدأ الواقع الافتراضي يمارس دوره في تسيس المجتمع المدني، وإن كان الصراع ما يزال قائما ما بين مجتمع مدني يوظف تكنولوجيا المعلومات والسياسي الذي يحاول عبثا أن يلحق بها إلا انه سيكون بالتالي محسوما لصالح القوى التي تمسك بالواقع الافتراضي. وسيتعين بناء على ذلك أن تندثر صورة العمل السياسي المرتبطة بالأحزاب وآليات عملها التقليدية لصالح المجتمع المدني، الذي يخلق مجاله في «اللامجال واللامكان واللازمن» حسب ما أورده الجموسي من مصطلحات، وبذلك يفرض سلطته ويزيح سلطة الواقع السياسي التقليدي.
إن مصادر الإعلام الجديد القائمة على شبكة التواصل الاجتماعي الرقمية أسقطت مجتمع الجماهير الذي كرسه واقع سياسي حزبي منذ مطلع القرن العشرين، فالإعلام الجديد حسب الجموسي «فكرته المحورية تتناقض مع فكرة مجتمع (الجماهير) باعتبارهم مجموعة كبيرة من الناس تأتي من جميع مجالات الحياة توحدها وسائل الإعلام التقليدية عبر تدفق أحادي وفي اتجاه واحد للمعلومات». لم تعتمد التجمعات المدنية وهي تتشكل في الواقع الافتراضي على الوسائل والآليات التقليدية الإعلامية وفي تكوين خطابها للوصول إلى الواقع والتأثير فيه، وكان لمواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترت التي استندت عليها ما فاق قدرة أطنان من المنشورات والكتيبات والخطب السياسية، التي اعتمدت عليها الأحزاب. وكان التفاعل مع السوشيال ميديا قد فاق المتوقع لدى جميع من تابع هذه الظاهرة، خاصة في تونس ومصر، وأصبح بسببها المجتمع المدني منخرطا في التفاعل والتأثير في الواقع السياسي بشكل لم يكن متوقعا.
لا أحد يستطيع أن يتجاهل ما شهدته هذه الظاهرة التي أفرزتها مواقع التواصل الاجتماعي من تحول واضح في الوعي المجتمعي باتجاه ما هو سياسي، بحيث لم يعد من الممكن أن يتجنب الفرد التعبير عن رأيه بما هو سياسي، وهذا بالتالي أفرز تجمعات تحمل اسماء قد تكون هذه الأسماء لا تعكس حقيقة من ينتمون لها إلا أنها تمكنت من أن تثير جدلا سياسيا أخذ الكثير من مساحة السلطة التقليدية في الواقع لصالحها، ولم يعد ممكنا تجاهل الحرب القائمة بين سلطة الواقع الافتراضي وسلطة الواقع. يشير الجموسي إلى تعاظم الدور الذي يلعبه الواقع الافتراضي في مجتمع المعرفة والمعلومات في بلدان العالم المختلفة، وهذا ما وضع الأنظمة ومنها البلدان العربية في حالة تخوف شديدة بعد أن ادركت أثره في إنتاج القوة وإعادة توزيعها وهذا ما تأكد في أحداث الربيع العربي.
في السياق نفسه يشير إلى أن الأنظمة الممسكة بخيوط اللعبة الدولية استعدت لهذا التحول، لأجل أن يبقى الواقع الافتراضي تكنولوجيا السلطة ولا يتحول إلى سلطة التكنولوجيا «المنتجة للقوة والنفوذ والسلطة والديمقراطية التشاركية البديلة بيد القوى المدنية». وفي هذا السياق يشير المؤلف إلى بروز ملامح جديدة مع نشر استراتيجيا الأمن القومي الأمريكي لعام 2010 التي ترى أن أكبر الأخطار التي تواجه الامن القومي الأمريكي هي شبكة الاتصال الافتراضية، وأن البنية المعلوماتية هي أولوية استراتيجية أمنية قومية.
يواصل الجموسي في ملاحقته لأبرز التحولات التي طرأت على الواقع بفعل ما حصل من ثورة في تكنولوجيا المعلومات، ليؤكد على أننا نشهد عالما جديدا تتغير فيه القوة المنتجة للمعلومات والسلطة فيذهب إلى القول إن» هذه العلاقة معرضة للزوال التدريجي في بيئة الإعلام الجديد بفعل عوامل عدة أهمها التغيير الجذري في مصادر المعلومات الإعلامية وكسر الاحتكار الكبير للمعلومات، وتحويل الناس العاديين إلى مصادر فاعلة ومؤثرة في إنتاج الحقيقة وزيادة حجم المعلومات ونوعها وبداية ظهور صحافة المواطن».
إن المعرفة لم تعد حكرا على السلطة السياسية بما تمثله من أوجه في الواقع، وبات من السهل جدا على الأفراد الحصول عليها من مصادر مختلفة ومتنوعة بعد أن فتح الواقع الافتراضي الأبواب مشرعة لتدفق المعلومات، ولم يعد الفرد يلعب في الحياة دور المتلقي فقط، بل انتقل إلى مساحة أخرى يكون فيها صانعا ومشاركا ومؤثرا في الواقع بكل مرونة عبر واقع افتراضي، بمعنى أن القوة «انتقلت من الدول إلى المجتمعات والكيانات الافتراضية».
٭ شاعر عراقي

m2pack.biz