«البُّوم» الأدب الأمريكيّ اللاّتيني اقتناص يومي خارج الأيديولوجيا

«البُّوم» الأدب الأمريكيّ اللاّتيني.. اقتناص يومي خارج الأيديولوجيا

«البُّوم» الأدب الأمريكيّ اللاّتيني.. اقتناص يومي خارج الأيديولوجيا

مدريد «القدس العربي» محمّد محمّد الخطّابي: كيف يَرَى الكُتَّابُ والنُقّاد المعاصرون اليوم ما يُعرفُ ب«البّوم» الأدب الأمريكي اللاّتيني المعاصر الشّهير El boom latinoamericano الذي رفع الإبداعَ الأدبي إلى أعلى مراتبه على امتداد ما ينيف على الخمسين سنة الماضية، والذي ارتبط بظاهرة الواقعيّة السحريّة في الأدب الأمريكي اللاّتيني المعاصر في هذا الشقّ من العالم؟
أسماء لامعة اشتهرت وتألّقت ضمن هذه الحركة، في الشّعر والرّواية والقصّة، وسواها من أشكال التعبيرالأدبي والفنيّ والسّردي على اختلاف مجالاته.
وذاعت وانتشرت أعمال هؤلاء خلال العقود الخمسة الماضية في مختلف البلدان الناطقة باللغة الإسبانية، وفي سائر أنحاء العالم.
انطلقت «البّوم» في الستّينيّات من القرن المنصرم، وشكّلت حدثاً أدبيّاً مهمّاً، ونقلةً نوعيةً خاصّة في عالم الخَلْق والإبداع في الأدب المكتوب في فضاء اللغة الإسبانية، وعلى وجه الخصوص في بلدان أمريكا اللاّتينية.
كيف يراها اليوم عدد من الكتّاب والنقّاد المعاصرين المعروفين على تباين جنسياتهم، ومشاربهم في مختلف أنحاء العالم؟
الطّاهر بنجلّون (كاتب مغربي يكتب باللغة الفرنسية)، يقول: إنّ «الأوج الذي أدركته هذه الحركة الإبداعية ممثّلة للأدب الامريكي اللاّتيني شكّلت حظّاً سعيداً، وكانت طالعاً حسناً للأدب بشكلٍ عام في النصف الثاني للقرن العشرين، لقد شاء الحظ أن تُهيّأ للعديد من الكتّاب فرصة انتمائهم للجيل نفسه، كما هيّأت لهم فرصة تمتّعهم بالموهبة والخيال في الوقت نفسه».
شكّل هؤلاء الكتّاب، وفق بنجلون، «كوكبة من المبدعين في جميع أنحاء قارّة أمريكا اللاّتينية، حتى إن كانت أساليبهم الأدبية متباينة، كما كانت المواضيع التي عالجها هؤلاء الكتّاب موجودة ومتقاربة في إبداعاتهم الأدبية على وجه العموم».
اتّسمت هذه الإبداعات ب»نوعٍ من الجرأة، وبضربٍ من الزخرفة والتنميق، وطبعها قلق رائع، كانت تظهر في إبداعاتهم بقايا آثار سريالية، وبصمها نوعٌ من الجنون والتحليق اللذين يتناقضان مع الواقعية الأوروبية، وعدم التكيّف مع واقع النمط الأمريكي، لقد أطلقت هذه الحركة الأدبية العنان لحريّة الخيال وفتحت عالما طليقاً بدون قيد»، طبقاً للكاتب المغربي.
بعد قراءة لأونيتّي، وبورخيس، وغارسيا ماركيز، ونيرودا وكذلك لكتّاب آخرين من القارة الأمريكية، حصلت كتابات، بنجلون، على ترخيص للحُلم والابتكار، بحسب ما يقول، مضيفاً «أنا مَدين في هذه الحرية، وهذا التطوّر لذلك الخيال المجنّح الذي ليس له حدود الذي طبع هذه الحركة الأدبية على امتداد ما ينيف على الخمسين سنة».
الكاتب الأمريكي غاي تايليسي، «يشعر بدَيْن نحو هؤلاء الكتّاب المنتمين لجيل «البّوم» الأدبي الأمريكي اللاّتيني الذين أخرجوه، وأخرجوا العديدَ من زملائه من الجهل الذي كانوا يتخبّطون فيه حول المنجزات، والانتصارات التي طبعت تاريخ أمريكا اللاّتينية منذ عهود الاكتشاف».
بينما تجد الكاتبة الأرجنتينية، أنَا ماريا سُووَا ، أن البوم جعلت الأدبَ يقف ثابتاً على قدمْين، وأنزلته من عليائه إلى الناس، كان أصحابه كتّاباً ومبدعين من طراز رفيع بدون الخضوع أو الخنوع لأيّ أيديولوجية سياسية، لقد شكّلت هذه الحركة الأدبية في تاريخ الإبداع الأدبي ثورة حقيقية كان لها تأثير بليغ في الأدب العالمي المعاصر».
أمّا الكاتب والرّوائي الإيرلندي، جون بانفيل ، يعتبر أنّ «أصحابَ هذه الحركة سلّطوا مزيداً من الضّوء على الواقعية السحرية، وإنهم شكّلوا بإبداعاتهم ثورة ملموسة في عالم الإبداع».
كذلك، يشير الكاتب الأمريكي، إليوت وينبيرغر، إلى أن «البّوم، كان له، ميل للخيال، ولهذا اعتُبرت مئة سنة من العُزلة لغابرييل غارسيا ماركيز في هذا السّياق من أكثر الرّوايات تأثيراً في العالم في النصف الثاني من القرن العشرين» لكن الكاتب الأمريكي يرى أنّ الشّعر كان له تأثير أكبر وأوسع في الولايات المتحدة.
تالّق وانتشر هذا الأدب، وفق الكاتب الأمريكي، جون لي أندِرسَن، لأنه «عُني في المقام الاوّل بالنّاس العاديّين مثل السكّان الأصلييّن، والمُولّدين، والسُّود، وسكان البوادي الذين كانوا مهمّشين تماماً، ومن ثمّ أكتسب أهميتَه، وقيمتَه وبُعْدَه الأدبي والإنساني العميق ، لقد حققت هذه الحركة الأدبية طفرة نوعية في بابها ليس في أمريكا اللاّتينية وحسب، بل وخارجها كذلك، وأفسحت المجال لعالمٍ أكثرَ شموليةً، وعالميةً، وديمقراطيةً، أكثر مِمَّا كان عليه الأمر من قبل».
وفى رأي الصحافي الإسباني البارز خوان كروث، فإنّ هذه الحركة الأدبية شكّلت نوعاً من الإنتشار والتنوّع للإبداع الأدبي ليس لهما نظير، فالبّوم يعني الإنفجار الذي قلب موازين الإبداع الأدبي بتلك الهالة الخلاّقة التي تمثّلت في الواقعية السحرية التي إنصهرت داخل هذا الحركة نفسها. ويرى الكاتب الأمريكي شَارلزْ باكستر، أن «البوم تقتنص اللحظات اليومية المعاشة وتصفها بحماس كبير، وترصد حتى الأوهام، وتلتقط الشّطحات، و تشخِّص الأطياف، والكوابيس، والشخصيات».
الكاتبة الأمريكيّة «َارِي أَرَانَا، ترى أنّ هذه الحركة «لم تكن ظاهرة أمريكا اللاّتينية وحسب، بل كانت ظاهرة أمريكيّة بكل المقاييس نظراً لِمَا كان يحدث حولها من مخاض بين قرّاء لم يكونوا على علم أو دراية، بل إنهم لم يعيروا أدنى إهتمام لما كان يجرى في أمريكا اللاّتينية من ثراء أدبيّ راقٍ، وإبداعٍ رفيع، وخيالٍ مجنّح».
وأسهمت البوم أيضاً، وفق الكاتب الإسباني خوسّيه ماريا بُوثويلُو إيفانكُوسْ، ب«قسطٍ وافر في عولمة اللغة الإسبانية، وثقافتها وأنها عرّفت بالأدب المكتوب في هذه اللغة على أوسع نطاق، كما أنّها نقلت هذا الأدب وترجمته إلى مختلف اللغات العالميّة الحيّة».
كالعادة يأخذنا الدكتور محمّد خطّابي معه في جولات عبر التاريخ والجغرافيا، كاشفًا لنا ما قد يكون فاتنا من معالم الفكر والأدب، فلا يضيع علينا شيء من جمالاتها. قد يكون اسم “البوم” نافرًا أو مستهجنًا في لغتنا، ولكنّ ما يعرضه علينا الخطّابي من آراء لكبار الكتّاب الأرجنتينيّين والإيرلنديّين والأمريكيّين والإسبان حول هذه الحركة الفكريّة، يؤكّد مدى أهميّتها ودورها كحركة ثقافيّة تجدّدية مبدعة، متحرّرة سياسيًّا، تغرف من عمق الواقع وغنيّة بالخيال في آن واحد، وكان لها أبعد الأثر في الأدب العالمي المعاصر، كما قامت بترجمة الأدب الإسباني الى مختلف اللغات. نشكر السفير الدكتور محمّد خطّابي على هذه الرحلة المفيدة في عالم الأدب.

m2pack.biz