سؤال الإبداع والحياة

سؤال الإبداع والحياة

سؤال الإبداع والحياة

ماذا نعرف عن الحياة؟ وما الذي يربطها بالمسألة الإبداعية؟
كان هذا من الأسئلة التي طرحت للنقاش في معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الحالية، وأظن السؤال ليس سهلا وفي الوقت نفسه ليس صعبا جدا. هو من الأسئلة التي قد تحس بإجاباتها حاضرة في ذهنك، ولا تستطيع أن تجدها حاضرة على اللسان.
شخصيا أعتقد أن الإبداع، والفن، وأي حرفة أخرى يمتهنها الإنسان، ويقدم فيها جهدا ما، هي نهر صغير، يتغذى من أمطار الحياة الدائمة، ولطالما كان تعريف الكائن الحي في حد ذاته، وبلا إبداع، أه من أنهار الحياة، ويأتي الإبداع عند البعض، ليكتمل بزوغهم.
لو تحدثنا عن الكتابة الأدبية، أو الكتابة الإبداعية وتجاوزنا عن مسألة أنها ينبغي أن تكون وليدة خيال الكاتب، يستطيع أن يتناول عبرها أي شيء يريده، بوصفها منجزه الخاص، نجد أنها لن تكون جيدة، وتقرأ بسلاسة لو لم تأخذ من الحياة وتعطيها، بمعنى أن الخيال موجود وصناعة الكتابة منه ستحدث بكل تأكيد، وتسير وفق ما يخطط الكاتب، ولكن أين ستدور الأحداث المفترض أنها ستجري؟ وهل هناك شخصيات في النص أم لا؟ وهل ثمة مجتمع ولغة وأشياء حضارية وتاريخية، وأشياء يومية معيشة؟
كل ذلك سيوجد بلا شك، وهذا إذن نص ذهني أو خيالي ولكن أخذ سماته من الحياة، أيضا، وشكلت مادته حياة أخرى بديلة، أو موازية للحياة الأصلية، أخذت منها معطيات رئيسة، ومنحتها بعض الذرات الأخرى التي ولدها الخيال الصرف.
كل نص يكتب في رأيي هو حياة كاملة وطبيعية، ترتدي ثوب حياة أخرى موازية.
الحوادث اليومية مثلا، تلك التي تصادف المبدع في تنقله العادي في الحياة، من الممكن جدا وبشيء بسيط من التحوير أن تصبح أداة الحياة الأخرى الموازية التي يكتبها، التاريخ، مادة فعالة من مواد الحياة الحقيقية وأيضا من مواد الحياة المتخيلة حين نجعله يأخذ من المجتمعات القديمة سماتها الضرورية لصناعة نص، ونكتب ما نريد بعد ذلك بإضافاتنا الأخرى، ودائما ما أرى الشخصيات التي تستوحى خصائصها أو كل ما فيها من التاريخ، من دون أن تكون ثمة وثائق معينة ضمنت في النص، تصبح غنية جدا، وحتى الشخصيات الحقيقية هناك من يكتب لها سيرة متخيلة، بناء على معطيات يستخلصها، ومثال ذلك رواية «موت صغير» للكاتب محمد حسن علوان الحاصلة على جائرة البوكر منذ أيام، وكانت قد صنعت تلك السيرة المتخيلة للمتصوف محي الدين بن عربي، من دون أن تتجنى على السيرة الحقيقية لشخصية معروفة، ولها تاريخ موثق، وأيضا مثلما فعلت التركية إليف شافاق، في «قواعد العشق الأربعون»، بكتابتها لسيرة رائعة عن جلال الدين الرومي، وشمس التبريزي، وأيضا الباكستاني: طارق علي في كتابه: كتاب صلاح الدين، الذي صدر منذ عامين تقريبا عن الكتب خان في مصر، وبترجمة مذهلة للراحل طلعت الشايب، حين سجل أو اخترع سيرة لصلاح الدين الأيوبي، الشخصية التاريخية المعروفة، وإن كان ثمة أحداث كثيرة متخيلة، تبدو نشازا في سيرة بطل عريق كهذا، في التاريخ الإسلامي والعربي.
التجارب الأخرى التي يمر بها الكاتب، وأعني التي تبدو نادرة إلى حد ما، أو تلك التي تحس بها احتكت بالكاتب خصيصا ليصنع منها نصوصا، معظمها موجود عادة في محيط العمل، وعند الأصدقاء، وربما في بعض القراءات الانتقائية للكاتب، وتعتبر مهن كالتدريس والقضاء والطب، والمحاماة، من المهن الغنية بالتجارب الموحية، ويمكن أن تعثر أثناء ممارستها على كل الشخصيات الضرورية لصناعة نص، بالرغم من أن بعض تلك الشخصيات تأبى بشدة، أن تجود بحكاياتها، ليس من عيب فيها، بلا شك، فهي مكتملة الإشعاع كما قلت، ولكن من حس آخر، موجود في مخيلة الكاتب، ينتقي شخصيات ويترك أخرى، وقد يستفيد كاتب آخر من الشخصيات المرفوضة هنا ويوظفها بسهولة، وهكذا.
وكنت دائما أتحدث عن “م”، ذلك الآسيوي المسن، الذي كان يبلغ سن الثمانين أو أكثر، ويمشي في اليوم على قدميه عشرات الكيلومترات، ولا يركب وسيلة نقل قط، ويأتي إلى المستشفى، صارخا، يشكو قدمه اليسرى، يردد: قدمي مكسورة ولا أستطيع المشي. ويخرج ليمشي ويمشي، بلا أي رغبة في التوقف. وكانت معه إضافات أخرى، مثل حقيبة جلدية قديمة خالية، يمسك بها ككنز، ومسجل لا يعمل، وبطارية كهربائية، بلا حجارة، وساعة جيب هي في الحقيقة مجرد إطار مربوط إلى الجيب بسلسل ولا شيء آخر. كتبت على صفحة خالية، عنوانا كبيرا: قدم مكسورة تمشي وجلست سنوات أحاول ملأه بالأسطوري والغريب، والتاريخي واليومي، وحتى رحل المسن المعني، ولم أكتب شيئا ذا جدوى، لأوقن في النهاية، بأن صاحب القدم المشاءة هزمني ولن يكتب. وعلى هذا القياس تأتي شخصيات أخرى، وضعتها الحياة في سكة كتابتي ولم تكتب، وأخرى وضعت منها شيئا بسيطا، ربما نظرة، أو لمحة من وجه، أو عطر أو مشية مميزة، وكتبت بجنون. وأجزم أن تلك معضلة يمر بها كل من كتب وليست خاصة بكاتب معين، وأعني ماذا سيكتب وماذا سيظل مطمورا في الذهن، ربما لن يكتب أبدا.
سؤال الحياة الآخر: ماذا ستمنح الحياة ككاتب؟
وهذا سؤال تقليدي ولكن ما زال هناك من يسأله كلما واجه كاتبا متشنجا في ندوة، ولأنه سؤال متباين الإجابات، وهناك كثيرون حتى من الكتاب لا يعرفون إجابة قاطعة له، يظل هكذا مطروحا.
أعتقد أنني أجبت على شيء منه حين تحدثت عن النص الموازي الذي يكتب الحياة نفسها بطريقة أخرى، لكن السؤال المطروح لا يقصد ذلك، هو يريد أن يقول:
ماذا ستستفيد الحياة من الكتابة؟ وماذا سيحدث لو توقفت الكتابة؟
وهذا شيء آخر، قد يأتي يوم وأتعرض له.
كاتب سوداني

m2pack.biz